فداحة سحر مثل تلك الأسواق العتيقة

عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya
كل هذه الأغراض الهرِمة عاشت قصصاً ومغامرات غريبة : أساور من كانت هذه؟ فيروزية وعقيقية وكهرمانية، وعلى أية أعناق غفت عقود اللؤلؤ هذه، بيضاء مبرقشة بالزهري؟
العربات الصغيرة المصطفة في شارع صبرا
العربات الصغيرة المصطفة في شارع صبرا
منذ ما عاد الحاضر يلائمني، لا مكوّناته ولا مجرياته، أستعمل وسائلي للإنتقال إلى عالمٍ ماض. في عزّ الإضطراب الوجودي والحياتي، أهربُ إلى الأسواق العتيقة. الأسواق العتيقة تُفتنني، وهي على عتقها الجامع في هذه المدينة وتلك، ذات مذاقات مختلفة. كل البلدان التي زرتها وشَت أسواقها القديمة بمزاج أهليها ونكهتهم الخاصين. في أميركا، نيويورك، شيكاغو، ولوس أنجلوس، كانت السِلع العتيقة أكثر عتقاً ممّا تحتملهُ العين. في كندا، المشهد أكثر طراوة. في فرنسا اصطبغت السِلع العتيقة بنبرة مُخادِعة، أنيقة إلى حدّ. في روسيا أكلني العتق لمّا هو يغمر كل شيء ولا يتوّقف بؤسهُ على الأسواق القديمة .

رنّة فازات الكريستال وكأنما تأتي تلهثُ من عالم آخر. اليونان، إيطاليا، إسبانيا، حيث الروائح متّصلبة، وتشكّل عصيدة خفيّة تملأ ِشعاب الأزقّة. السويد أيضاً، في سلعها روح تلك البلاد، مغناج هنا ومتهكّمة هناك، وغالباً مُتجّهمة في بلاد الثلوج،  وباختصار موسومة بأحوالهم الاجتماعية والمناخية.

في البلاد العربية، سحر مثل هذه الأسواق أكثر فداحة في قلبي. أستثني الهند لأنها قارّة ألوان وروائح أعجز عن الخوض بالكتابة عنها، فالكتابة فيها محض إغماء لن ينتهي هنا وأسواقها قصة كبيرة.

أغيب عن الوعي في خان الخليلي في القاهرة، وخبرتُ هذا الدوار وإن بشكل أقّل في المغرب وتونس ومسقط وسوريا، وقليلاً في الكويت والأردن.

مقدّمة طويلة واستهلال مراوغ لأقول بأن أحوال بيروت الأمنية اليوم، لم تعد تهّمني، وبأنني أتساءل حتى – رغم الأحوال التي ليست على ما يرام – لماذا لا أذهب إلى مكاني المفضّل هنا في مدينتي كما أفعل في سائر المدن. مكاني المفضّل

حسناً، اليوم خصّصته للسوق الطويلة المستقيمة على طرف بيروت الجنوبي  (شارع صبرا ) بعرباتها الصغيرة المصطفّة في الشارع وبضاعتها المتقّشفة: قطنيات ثلجية البياض، جوارب نسائية حسيّة أكثر مما أعرف، أكثر من اللازم أعني، فوح صابون طرابلسي وشامي، أحذية عسكرية بالية، أسطوانات قديمة، فونوغرافات مخدوشة لكنها على أبهتها  القديمة، أقمشة حريرية مُهترئة لكنها شاهدة على ما لانعرف، أوان خزفية متشقّقة، ملابس فولكلورية مزركشة وستائر وبُسط قديمة، القِدم المؤثّر الذي يهزّ القلب.

كل هذه الأغراض الهرِمة عاشت قصصاً ومغامرات غريبة : أساور من كانت هذه؟ فيروزية وعقيقية وكهرمانية، وعلى أية أعناق غفت عقود اللؤلؤ هذه، بيضاء مبرقشة بالزهري؟

داعبتُ كرة بلورية يعوم فيها نثار ذهبي. قلبتها وراحت عيناي تتلقفان بانتباه مفتون كل الفوضى اللونية المُشعّة التي اشتعلت فيها.

كتب عتيقة مصفرّة كان لها أبطالها يوماً، وقصصها غافية الآن بين دفتّي أوراقها المهلهلة وترتعد من شدّة الهوان. خردة صدئة وسترات يومض فروها، الوميض الرهيف الذي يستدّر الدمع.

تعالي وانظري، قال لي الشاب الرابض وسط مجموعة متحلّقة حولهُ، يبسط ورق لعب على قماشة سوداء. تابعتُ بفضول الشاب، لاعب الورق بيديه الماهرتين وهو يخلط بسرعة ثلاث ورقات قذرة على قماشته. عشرة آلاف على هذه الورقة، قلت للشاب، بعد أن وضعت ورقتي المالية فوق إحدى ورقات اللعب. غمز لي بدهاء :"ربحتي" قال لي وهو يعاود قلب أوراقه، لتنساب هذه من جديد مسرعة بين أصابعه . تعمّد بالطبع أن يدعني أربح لتحفيز الجمهور المُتفرّج .الوقت الآن مناسب تماماً للعب.  العالم كلهُ يلعبُ بدمه، فلِمَ لا ألعب لعبي البريء بدوري؟ لم يكن الأمر صعباً. لم يكن الأمر محرجاً بالمرّة، احتجتُ فقط إلى أن أندّس وسط الجمع وأبدأ رهاني ولعبتي. – شو بدّك بهالشغلة – قال لي أحدهم وقد خسر للتوّ: هيا –أضاف – لا يمكن لك الربح دائماً. لا يعرف الرجل أنني مغرمة بالخسارات.  لم أرّد. كان وعيي منصرفاً إلى تحصيل متعة اللعب في الأزقّة، مع ناس الأزقّة الذين لا يتكلّمون في السياسة، المُدخنين الشرهين، السُمر الشاحبين، ضئيلي الحجم ومصدري إلى النسيان. نسيان كل شيء. لم أماطل حيال رغبتي معاودة اللعب، وضعتُ عشرة آلاف أخرى متخفّفة من قدر كبير من العبث، ولمّا ربحت للمرة الثانية، سئمت وأصابني نوع من الغثيان.

تابعتُ تجوالي مستغرقة في تأمّل المناديل الزاهية، ومُعلّقة هذه على قصبات خفيفة ناحلة. وصلتُ إلى زاويتي الأثيرة فحضنتني روائح نفّاذة، عطرية وحامزة في آن كما لو أتت من ماض بعيد. بدأت حياة الرائحة رحلتها في مسامي كافة. بهارات دافئة مشوبة بالإحساس، تستقر عميقاً، تُدوّر لحظتي وتمنحها معنى. مع هذه الرائحة من المؤلم أن تكون وحيداً، الوحدة الثقيلة وتُعرّيها نداءات غامضة، الوحدة الندية تماماً، فاحشة من دون صوت.

بهارات هندية، صفراء وسوداء مكروبة، حمراء نارية ، داكنة أحياناً، مطحونة أو ذات أشكال مستديرة أو مستدّقة. كبوش قرنفل جافة، عنبر عفن، زنجبيل وكركديه وقرفة وورود يابسة وأعشاب مشكوكة بخيطان بالية.

رائحة مظلمة ذات نحيب، تستحضر في بالي كهوفاً ومغاور، وبيوت متعة وغابات مطرية وأكفان موتى. روائح كصيحات روح فزعة تجهل الكلام، فقط الامتلاء الصامت والأنين.

اجتزت الشارع، السوق كله. كان الوحل وتلاطم الأكتاف قد أرهقوني. أحب مثل هذه الغيبوبة في لطفها البدائي وحرارتها المثيرة وابتذالها المتوتّر مثل قوس. حين تثقل الأحداث عندنا تندهني مثل هذه الأمكنة في رغبة قنصي لحظة حقيقية قوية، لم تشوّش عليها الخيبة الواقفة كظفر في العين.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً