"ويكيليكس" العرب: الجيل السادس من الحروب إن تخلّف !

علي شهاب

كاتب صحفي وصانع أفلام وثائقية. له العديد من المقالات في CNN بالعربية، "هافنغتون بوست"، "السفير" وغيرها.
"كل الحروب تقوم على الخداع. وهكذا عندما نكون قادرين على الهجوم يجب أن نبدو عاجزين. عندما نستعمل قواتنا، يجب أن نظهر جامدين. عندما نكون قريبين يجب أن نوهم العدو إننا بعيدون. وعندما نكون بعيدين يجب أن نوهمه إننا قريبون".... صن تزو، فن الحرب.
حروب الجيل الخامس لا تُعنى بالجانب التقني فقط، بل هي تشمل أيضاً أساليب تكتيكية بشرية
حروب الجيل الخامس لا تُعنى بالجانب التقني فقط، بل هي تشمل أيضاً أساليب تكتيكية بشرية
علي شهاب

في السابع من حزيران من العام 1981، أغار الطيران الإسرائيلي على المفاعل النووي العراقي، بعد أن اعتمد في عمليته التي أسماها "أوبرا" على جاسوس تقني فرنسي الجنسية كان يعمل داخل المفاعل (وقد قضى داخل المفاعل أثناء القصف)، و بعد أن اكتشفت سلاح الجو الإسرائيلي ما يُصطلح على تسميته بـ"النقطة العمياء" في تغطية الرادارات العراقية للحدود مع السعودية. كانت الغارة الإسرائيلية يومها نموذجاً مثالياً لدمج مفاهيم الجيلين الرابع والخامس من الحروب، بالاستناد إلى العنصر البشري وإلى الاختراق الإلكتروني معاً.
 

لكن حروب الجيل الخامس لا تُعنى بالجانب التقني فقط، بل هي تشمل أيضاً أساليب تكتيكية بشرية تتّصف بغياب مركز ثقل يدير العملية في الظاهر؛ تماماً كعمليات "الذئاب المنفردة" لداعش وبعض التنظيمات التي تعتمد الحرب اللا تناظرية في القتال. إلا أن السنوات الأخيرة، تشهد تحوّلا ًنوعياً وسريعاً نحو الجيل السادس من الحروب، فما هو هذا النوع وما أبرز سماته؟ تخضع تصنيفات الأجيال الخمسة للحروب للمعايير الأميركية بامتياز. لكن مصطلح "الجيل السادس" استخدمه للمرة الأولى المفكر العسكري الجنرال الروسي فلاديمير سليبتشنكو بعد "عاصفة الصحراء" في العام واحد وتسعين بالقول إنها " استخدام القدرة لتنفيذ عمليات عن بُعد".
 

وفي معرض التنظير لفكرته هذه، اعتبر الجنرال الروسي أنه على الجيوش استخدام أنظمة تسليح عالية الدقة بالاعتماد على البيانات الإلكترونية؛ أي الاعتماد على الأنظمة التقنية في الحرب لا على العنصر البشري بشكل مباشر. ضمن هذا التعريف يندرج الحديث عن كل الأشكال الحديثة من الأسلحة التي نشهد استخدامها حالياً من الطائرات من دون طيار، إلى نشر الفيروسات والأوبئة، إلى تعطيل المنشآت بعد اختراقها إلكترونياً. وبهذا المعنى أيضاً، تشمل حروب الجيل السادس كل استخدامات النظم المعلوماتية المحتملة من التجنيد عبر الإنترنت إلى تعطيل خدمات المصارف والشركات الضخمة، وسرقة الأسرار الصناعية والتنصّت عبر الهواتف الخليوية والتحكّم بالأجهزة الإلكترونية وما شاكل. أمام هذا التعريف، يناقش البعض في أن حروب الجيل السادس مشابهة تمامًا لحروب الجيل الخامس التي تتّسم أيضاً بالشمولية.

في الواقع يمكن مواجهة حروب الجيل الخامس بتعزيز عمل الأجهزة الأمنية ودمجها في المجتمعات، لكنّ حروب الجيل السادس تتطلب مستوى أعلى من المعرفة والتخصّص ولا يكفي مقاربتها من زاوية وقائية فقط، بل هي تتطلّب إجراءات ردعيّة بتعزيز القدرات غير التقليدية في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، شهد الجيش الروسي مطلع الألفية الثانية نقاشات حادّة وعميقة على خلفية عدم تخصيصه قدرات تندرج ضمن الجيل السادس للحروب، على عكس الجيش الأميركي وجيوش حلف شمال الأطلسي التي كانت سبّاقةً في تأسيس فروع في مؤسّساتها العسكرية لمواكبة هذا التطوّر.

ومع أنّ الجيش الروسي عاد وطوّر قدراته في هذا المجال إلا أن التأخّر الزمني عن الأميركيين يطرح علامات استفهام حول تنوّع قدراته في مجال حروب الجيل السادس، في حين يبدو واضحاً أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بتطوير هذا الفرع وتعزيزه، بل شجّعت كبرى الشركات الخاصة على تطوير أنظمة معلوماتية لأغراض تجارية وأمنية في آنٍ. (تركيز شركة فايسبوك على سبيل المثال على تطوير الذكاء الصناعي يستحق التأمّل ملياً). ما يهمنا في المسألة برمّتها ما حصل ويحصل أخيراً بين دول الخليج، حيث انشغل الجميع بالتسريبات الإعلامية المتبادلة بفعل اختراقات إلكترونية للحواسيب والشبكات الحكومية. ولئن كان هذا الفعل نموذجاً حقيقياً من حروب الجيل السادس، إلا أنه أدناها ابتكاراً. ينطبق ذلك أيضاً على قدرات الجيوش والجهات العربية التي تمتلك القدرة تماماً على التبليغ عن حسابات تزعجها على الفايسبوك والتويتر ، وربما الاستيلاء على هذه الحسابات، ولكنها تفتقر إلى الإبداع عند الحديث عن القدرات الحقيقية في حروب الجيل السادس.

بمعنى آخر، يتخلّف العرب مرةً أخرى عن ركب التكنولوجيا في جوهرها ويكتفون بقشورها البرّاقة، ليستحيل مجال صراع خطير بكامله نموذجاً آخر من الـ"ويكيليكس" الذي يلاقي رواجاً لدى مجتمعات العصبيات والحروب الكلامية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً