"إيمتى الهوى ييجي سوا"

عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya
تستطيع الموسيقى أن تحدث أثراً صحيّاً إيجابياً في حياة الناس بحسب دراسة قام بها ديفيد ماتلوك، بحيث تفضي إلى تصحيح معدلات نبضات القلب.
ليس غريباً أن تنتظم ضربات قلب مريض من جرّاء سماع أغنية جميلة بصوت جميل
ليس غريباً أن تنتظم ضربات قلب مريض من جرّاء سماع أغنية جميلة بصوت جميل
"ستاينغ ألايف"، أغنية فرقة الـ "بي جيز" التي اكتسحت الإذاعات في السبعينات، ليست مجرد أغنية جميلة، بل يُمكنها أيضاً أن تنجح في إنعاش القلب العليل وبعث الرغبة في الحياة حرفياً. هذا ليس اجتهاداً منّي، بل ما أكدّتهُ دراسة علمية، أجرتها كلية الطب في جامعة "إيلينوي" عملت بجّد على استخلاص التالي، وهو أن بوسع إيقاع هذه الأغنية، جعل القلب يدّق بمعدل 103 ضربات في الدقيقة الواحدة، وهو المعدل الأمثل بحسب الدراسة الذي يُنعش القلب والرئتين. دراسة علمية، وروحية في أحد أوجهها، قام بها ديفيد ماتلوك، تُفضي إلى النتيجة القائلة بأن إيقاع هذه الأغنية يسبح ويترّسخ في الرأس، ما يولّد معدلات النبضات الصحيحة والمطلوبة التي توصي بها جمعية القلب، بُغية إنعاشه وبعثه ثانية مُعافى، حيوياً مُفعماً بالصحة والشباب .

ليس غريباً على كل حال، أن تنتظم ضربات قلب مريض، وتنتعش، من جرّاء سماع أغنية جميلة بصوت جميل، مع إيقاع مُهدّىء يفعل الكثير في التناغم أو "الهارموني" ما بين الأحشاء والروح، وبين الأذن المتلقيّة أو الأداة الواصلة بيننا وبين الجمال، كما – للأسف – بيننا وبين القبح والصخب.

مُكالمة تلفونية هامسة، تصلك بمن تُحّب وتشتاق، تُحييك .

هل نتحدّث بدورنا من دون كثير اجتهاد ولا علوم ولا دراسات ولا من يدرسون، عما يسع أغنية من وزن "الشّك يحيي الغرام" أن تفعلهُ في مؤشر ضربات القلب – وهذا من تجربة شخصية فحسب - ؟ وعن ماهيّة المؤشّر المجنون للضربات حين يصلنا التملّك الهائل في خواتيم الجُمل الغنائية الإعجازية التي تصلها السيّدة أم كلثوم أثناء شدوها لهذه الأغنية؟

ثم ألا يدّق القلب مليوناً وألف دقة في "النوم يداعب جفون حبيبي" وفي "إيمتى الهوى ييجي سوا" حيث الدّق في منتهاه وذروته حين تُردّد السيّدة : "وتميل عليه .. وتقللو ليه .. طاوعتني .. ماهي غلطتك !!! قبل أن يلتّف صوتها في ختام المذهب:  في شرع مين يا مُنصفين .. العمر كللو لوم .. في لوم، الشكوى التي  تختتم بها السيّدة. أحسبُ هنا صادقة، أن قلبي يُسجّل في هذه الأغنية أعلى معدلات الطرقات في البورصات العالمية  للدّق .

الجماعة الغربيون بالطبع، أجروا دراستهم القيّمة والمجتهدة بشأن أغنية فرقة الـ "بي جيز"، من دون أن يأخذوا في حسبانهم أن عاشقة مثلي للغناء العربي الجميل، سوف تتنطّح للمزايدة على دراستهم في عدد ضربات القلب وبعثه من الموت. أتنطّح أجل، ليس إزاء الأصوات الرخيمة والموسيقى العذبة والإيقاعات المؤثرة فحسب، بل أمام الجمال في كافة تجليّاته وفي حدوثه في العين والقلب وهي تجليّات ليست تُحصى لذوي المشاعر المرهفة: اللحم الفتي، البحر، المطر، كثافة صوت من تُحب، فلسطيني يُدافع عن أرضه، الناس الكئيبي المزاج وخلف كآبتهم قصة، روما، طنجة، نصّ يجعلك ترتجف، فكرة الحب بحّد ذاتها، العيون المُبتلة اللامعة، الأطفال الفقراء تحديداً، الظلام الليلي النبيل، الخيانات التي تتعرّض لها لأنك لا تُشبه أحداً، الصمت، بخار الفجر في قرية نائية وعلى قمم الجبال وفي الغابات، الفنادق المتواضعة، روبرت دونيرو في "تاكسي درايفر" و آل باتشينو في "عطر إمرأة"، فيلم "عازف فوق السطوح"، الحُمى الخفيفة قبل مباشرة الغرام وبعده، الحمار المنسي والمُهمل من العالم كله .. أوداج لويس أرمسترونغ منتفخة من عزف الترومبيت في حانة نيويوركية، بيلي هاليداي وهي تغني، لندن الرمادية وباريس بدرجة أقّل، وأيضاً بعض المال الذي يتدبّر شجاعة المرء لمواصلة الحياة، نظرة حنونة من غريب تُرمى عليك لا تبارحك، ولحظة وجد طفل بدين أمه بعد أن أضاعها في إحدى الضواحي الرّثة ........

يسعني تعداد مشاهد جمال لا نهاية لها، تستدعي الدّق والضرب والتزمير في القلوب، ما لا تتّسع لها هذه الزاوية كما لا تحتمل مزاجها الغريب .

أحببت فكرة الدراسة التي تجزم علمياً بما تُحدثهُ أغنية جميلة في القلب. ما يؤلمني عدم وقوعنا على دراسة مشابهة على يد أحد عربي فهيم، تنبش في تراثنا وفي حياتنا العربية وتخلص إلى ما يراه في أشياء ومشاهد وأفكار ومواقف، وأصوات، وظلم، ونكوص وخيانات، وشخصيات ثقافية وسياسية كاف ذكرها لحرمان قلوبنا من الدّق بالمرّة ، تُخرسها حتى لتبدو ميتة خالية من أية دقّة أو نبض، كما هي عليه حالياً فعلاً، فنحن "أموات سريريون" على ما يقال، لا ينقصنا سوى نزع أقنعة التنّفس عن وجوهنا، لنذهب في موتنا الحقيقي والأبدي الذي يُريحنا فعلاً مما نكابده في عالمنا العربي.

النقص في الأبحاث والدراسات العربية، تقريبي وغير دقيق بالطبع، فلدينا من هم كفوء للإضاءة على تراثنا ومكامن الجمال عندنا، سوى أن التعتيم على ما يبدو لي مقصود، بل يصوّب جهوده على وجه الخصوص نحو ما هو استهلاكي وساقط في حساب الحضارات وعراقة الشعوب. كما أن من يقف وراء هذا التجهيل (وكلامنا هنا معني بالفنون تحديداً، سينما ومسرح وغناء وموسيقى ورسم ورقص وكتابة وسوى ذلك) هم بعض دعاة النقد المراوغ، الذين يتعمدون تهميش ما هو مُضيء وحقيقي، لصالح اللحظة الحاضرة المتآمرة على كل ما هو عربي جميل.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً