التلعثُم الجميل لعناصر السرد البصري

عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya
الرجال الذين صنعوا تلك السينمات الباهرة، رحلوا تاركيننا أمام عمانا، أمام ظلال حياة. أخذوا كاميراتهم وفيها بعض حياتنا الحقيقية، أيّ جنون ألا نرى أنفسنا بعد في مرايانا ؟ أن نقف أمام نوافذنا المغلقة من دونهم، وننظر فحسب إلى انعكاس وجوهنا المتعبة ووحدة أجسادنا.
الشعور المُدوّخ في عتمة الصالات، الظل الصامت أو الناطق يستدعي الأكثر سرّية فينا كمشاهدين
الشعور المُدوّخ في عتمة الصالات، الظل الصامت أو الناطق يستدعي الأكثر سرّية فينا كمشاهدين
نرحلُ جميعنا عن هذا العالم يوماً، كلٌ في يومه وفي ساعته. هذه بديهة تتبدّى فجائعية في ظاهرها، لكن في فجائعيّتها تلك الرحمة من قسوة ديمومة العيش، مُضيئاً كان أم مظلماً، هانئاً أو مُعذّباً. في رحيل البعض نُدبة مذاق للحزن لا تُبارح، المخرجان السينمائيان إنغمار برغمان ومايكل أنجلو أنطونيوني خلّفا فينا ذلك المذاق.
 

أنت لا تحزن على فقد إثنين من أهمّ مخرجي السينما، لأنهما كفّا عن إمتاع العالم إلى الأبد. تحزن لأنهما كفّا عن  إمتاعك، انسحبا من وجودك الذي مازال من دونهما. خانا القرابة الروحية ما بينك وبينهما، وخلفّاك من دون مُتعٍ باهظة كأنما يعاقبانك بالفراغ الذي يصنعه رحيلهما. انغمار برغمان ومايكل أنجلو أنطونيوني والساعات القليلة الفاصلة بين غياب الأول وغياب الثاني التي حدثت يوماً، قصمت ظهر الجمال بالنسبة لك. بالطبع، ثمة بعد مخرجين كثر، سكورسيزي أحدهم . ثمة الجميل الكثير بعد، ما دامت الحياة، لكنه نوع جمالك الذي غاب إلى الأبد.

في الأمر، أنها خيانة صديقين لم ترهما، لكنك عرفتهما. برغمان علمّك كيف ترى إلى نفسك على الشاشة كما لو في مرآة، سعيداً أو حزيناً ما الفرق؟  أنت نفسك لم تكن تستهدي إلى نفسك حتى جاء هؤلاء، أرباب الفن السابع، السينما الرهيفة، سينما برغمان التي أنضجت معرفتك. أنت هنا، في الشاشة المُضيئة، جسمك وروحك، بطئك وتلعثمك، كسلك ولهوجتك وآلامك.

علمّك برغمان كيف تطرق باب الصمت، تدخل وتقعد وتراقب من دواخلك. علمّك كيف لا تعود مهووساً بالدّقة والكمال، الدّقة والكمال طاردا الروح وأعدائها.

علمّك برغمان أن الأمور حين تبدو على ما يرام وتسير سيرها الحسن، أعرف أن ثمة ما هو سيّىء فليست هذه طبيعة الأشياء، وأن عليك أن ترتاب وتباشر الأمور من جديد. علمّك أن ترى إلى القناعة الحسيّة ، إلى الناس الأقوياء في عزلاتهم، مستقللين وخلاّقين: فيلليني، كوراساوا، بونويل، تاركوفسكي، أنطونيوني وميليه ... تواجدوا في الدرب نفسه . أيضاً  كياروستامي، الموفودار الرائع ، سكورسيزي وسبيلبيرغ وودي آلن ، منحونا عصباً إضافياً سرّياً ومُحفّزاً في أعصاب أبصارنا . أبصارنا التي كانت قبلهم لا تسجّل أو تلتفت إلى رفعة الظلام ، وكبرياء الشمس ، والأضواء الكالحة الذليلة .

الشعور المُدوّخ في عتمة الصالات .الظل الصامت أو الناطق يستدعي الأكثر سرّية فينا كمشاهدين . تفوح من أفلام بعضهم رائحة الوحدة المختمرة . تذبحنا فتنة صوَرهم الرجراجة  - البدائية المُتعمّدة – والخاطفة الذكية .
 

" برسونا " ( الشخص أو القناع ) حيث اشتعلت عواطف المخرج برغمان مع ممثلته ليف أولمان . الإشارات الحسيّة ، تصوّرات برغمان الأعمق عن الأشكال والتناسبات والألوان والآفاق والأصوات وأحوال السكون والهمس ، والإنعكاسات  والأضواء البخيلة . " برسونا " الأمان ، التبسيط والتناسب ، التوتّر والإنفراج .

ليف أولمان في " المهاجرون " ، الوثيقة الفيلمية عن الجمال . " ساعة الذئاب " والفواصل الموسيقية التي تتردّد كما لو في قصيدة جيّدة جداً . الحب موجود – اكتشف برغمان – الحب موجود حقاً في عالم البشر . همسات وصرخات " أمسية لاعبي السيرك " ، مشاهد من الحياة الزوجية ، " صيف مع مونيكا " ... الصنعة الفيلمية الأيروسية القوية والثقة أمام الكاميرا ، ثم الثقة الوهمية في التوتّر والتقاط الأنفاس .... يا إلهي كم كان مُهيناً لنا ، نحن في الصالة ، في مشاهد من الحياة الزوجية ... كم كان حقيقياً هذا الذي يجري على الشاشة .

أنطونيوني رحل بعد برغمان بساعات، وصف برغمان أنطونيوني بأنه وقع في أفلامه في ضجر نفسه . كان أنطونيوني ضجراً حقاً ، وكم أحببت ضجره الإنساني !! قدّم لنا حكاية علاقة غرامية كاستهلال مذهل لفيلميته العبقرية التي تريّث طويلاً قبل أن يُقرّر إطلاقها .

واقعية جديدة عند أنطونيوني وتوليف حرّ، مُتفلّت مشاكس متمرّد، لكنها الوحدة والعزلة دائماً في أفلامه .

لماذا نميل إلى نوع عزلاتهم ؟ لأنها ببساطة العزلات الكامنة فينا، ولأنها عزلاتنا ولأننا نرتع فيها وإن وسط ملايين البشر، ولأننا احتجنا نوع سردهم البصري هذا لنتملّى حقيقتنا، نقشّر عنها وَهم الحشد والجمع ووَهم الصحبة ووَهم الغرام الذي لايفعل سوى تعميقها .

سينما أنطونيوني جوّانية داخلية – على غرار مشهد بارع لبرغمان، يصّور فيه امرأتين لا غير على شاطىء خالٍ وشاسع، وطوال الفيلم تحدّقان، أو تحدّق كل من السيّدتين ألى يديها وتصفهما كل منهما على طريقنها – المغامرة تحفة أنطونيوني الحقيقية، التكيّف والسوداوية والمزاجية، والبحث أبداً – في كل أفلامه – عن طريقة ما، رهيفة بالضرورة وغريبة، للتواصل بين البشر .

انشغل أنطونيوني بالمكان ودلالاته، وبالبحث عن الحقائق السبع الأخيرة كما في  "الليل "، وأردف فيلمه هذا بـ " الليل أيضاً " ثم بـ " الكسوف " في ما يُشبه الثلاثية . جوانّية وهواجس بإيقاع بطيء، وبأقّل الكلمات، وبالتلعثم الجميل لعناصر السرد البصري .

" برسونا " برغمان !! مَن من الشعراء كتب قصيدة أفضل ؟ خسرنا الكثير برحيل هذين الماكرين، وهما انتزعا أحشاء لنا، وفرداها أمام أعيننا، فأرسلنا بصراً ماصّاً إلى الشاشة، وتملينا حيواتنا التي تدور أمامنا، مملحة بدمها الجاف، وبوحداتها، أقصى ما نستطيع .

لم تكن أفلامهما أكثر من كذبة عجائز، بل حكايا ملفّقة على الأرجح، لكننا صدّقنا عيشنا فيها .

الرجال الذين صنعوا تلك السينمات الباهرة، رحلوا تاركيننا أمام عمانا، أمام ظلال حياة. أخذوا كاميراتهم وفيها بعض حياتنا الحقيقية. أيّ جنون ألا نرى أنفسنا بعد في مرايانا ؟ أن نقف أمام نوافذنا المغلقة من دونهم، وننظر فحسب إلى انعكاس وجوهنا المتعبة ووحدة أجسادنا. إن أفلامهم قد خرّبت الوهم وضربت في صميمنا الإنساني. لن نتمكّن بعد، من تمليّ كل ذلك. يحتاج عيشنا المضطرب إلى مثل ذلك الجمال، إلى مثل تلك الحكايا، إلى الأكاذيب الساحرة التي خلفّها لنا أمثال أولئك المؤثّرين.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً