تقزيم النصر لصالح مَن؟

حياة الحويك عطية

كاتبة وباحثة
في الحرب المستمرة، فنرى باستمرار تضخيماً لقوة الجيش الإسرائيلي، ولعناصر قوة المجتمع الإسرائيلي والتعتيم الكامل على نقاط ضعف كليهما، مقابل نظرة دونيّة انهزامية إلى العرب والفلسطينيين، رغم أن النضال على الأرض كسر هذه المعادلة أكثر من مرة في فلسطين ولبنان وأخيراً في سوريا.
انتصار الانتفاضة وصمود غزّة انتصار  للمقاومة
انتصار الانتفاضة وصمود غزّة انتصار للمقاومة
 مصادفة كنت أعمل على دراسة حول إعلام القضية الفلسطينية، عندما قرأت مقال الزميل أسعد أبو خليل في صحيفة الأخبار تحت عنوان : تعظيم الهزيمة وتقزيم النصر. كنت قد وضعت العنوان الأول في دراستي حول معادلة الأمل – التيئيس، الإبهار – الدونيّة. في الحرب النفسية خلال الحروب، باردة كانت أم ساخنة.  وربما يكون شهر تموز هو ما يحتّم التوارد، من تموز 2006 إلى تموز 2017، من الجنوب إلى عرسال. ومن انتفاضة الأقصى إلى هبّة الأقصى.


لن أعيد لا ما كتبته ولا ما كتبه الزميل أبو خليل وفيه فيض من غيض، لأن نماذج هذه المعركة من الحرب الإعلامية التي تنتشر كالنار في الهشيم في نفوس الجماهير ، وتفعل ما لا يفعله السلاح ، تكفي لإعداد مجلّدات لا مقالات.


لكنني أودّ أن أؤشّر إلى جملة ملاحظات:


أولاً: إن انتباه الصهيونية إلى هذا البُعد قد واكب الحركة وقبل بدء حرب فلسطين ، حيث كتب جابوتنسكي في  "جدار الفولاذ" عام 1922:" نحن مستعمرون والعرب يفهمون معنى الاستعمار ، أروني شعباً استُعمِر ولم يقاوم ...سيبقى هؤلاء العرب الفلسطينيون يقاتلوننا كما يقاتل كل السكان الأصليين المحتل إلى أن نتمكّن من القضاء على آخر بارقة أمل لديهم" ؟


ثانياً: إن الأنظمة العربية بغالبيّتها المتامرة مع الصهيوني قد لعبت دورها الكبير في لعبة التيئيس هذه، يساعدها في ذلك عقدة النقص المتكوّنة لديها ولدى جمهورها. أما الأنظمة المقاوِمة فقد أرادت أن تقاوم اليأس ولكن جهل القيّمين على الخطاب بقواعد اللعبة النفسية والحرب الإعلامية جعلها تتبنّى خطاباً عنترياً ، لا يستند إلى الصدق والوقائع، بحيث يحمل الجمهور إلى قمّة عالية ومن ثم يرميها عنها، فيكون قتْل الأمل أقوى. ولا نعلم من مارس هذا الأسلوب على قاعدة : "الا هبي بصحنك فاصبحينا.." ومن فعل ذلك كجزء من التواطؤ. علماً بأن عمر بن كلثوم أطلق صوته بعد أن قطع رأس غريمه، مهما كان في ذلك من قبلية.


ثالثاً:  إن هذا التيئيس قد صبّ فعلاً في سياق معادلة الهزيمة والنصر. لكنه لم يكفّ بين كل معركة وأخرى عن جعل هذا السياق وسيلة لتحطيم المعنويات قبل الاشتباك الجديد، أو لقتْل اشتباك قائم.  

ففي المعارك العسكرية  صوّرت لنا  إسرائيل دائماً بصورة المُنتصر الدائم، مقابل المهزوم العربي والفلسطيني، والواقع أن إسرائيل لم تربح حرباً عسكرية إلا حرب حزيران. بعدها خسرت جميع حروبها واجتياحاتها عسكرياً ولكنها تمكّنت من تعويضها بربح سياسي، إلا مع المقاومة اللبنانية وفي سوريا ،. تعويض تتحمّل مسؤوليته الأنظمة العربية بما فيها منظمة التحرير. ويتحمّل الإعلام مسؤولية تسويقه على الرأي العام العربي والفلسطيني. كانتصار إسرائيلي وكحل لا بدّ منه.  

 

أما في الحرب المستمرة، فنرى باستمرار  تضخيماً لقوة الجيش الإسرائيلي، ولعناصر قوة المجتمع الإسرائيلي والتعتيم الكامل على نقاط ضعف كليهما، مقابل نظرة دونيّة انهزامية إلى العرب والفلسطينيين، رغم أن النضال على الأرض كسر هذه المعادلة أكثر من مرة  في فلسطين ولبنان وأخيراً في سوريا. لقد اثبتت التجربة مثلًا قصور الجندي الإسرائيلي في معارك المواجهة الميدانية، سواء أمام الفلسطيني الأعزل أو أمام المقاتلين في فلسطين ولبنان، خاصة بعد الاجتياح ونهوض المقاومة الوطنية .  كذلك في المجتمع، في الاقتصاد، في البيئة، الاندماج خاصة بين السفارديم والمزراحيم والأشكيناز والروس الذين يقيمون شبه مجتمع مستقل لغوياً وثقافياً. كلها مشاكل وجودية لا يبرزها إعلامنا إلا نادراً. 


ولأن إسرائيل تعرف نقاط ضعفها جيّداً فهي تخشى من أية صحوة لهذا المارد النائم، ولهذا تحارب بعنف شديد أية عوامل تبعث الأمل . فتلجأ إلى تطويق فعاليّة أي انتصار وذلك عن طريقين :


 الأول عزل البُعد الفلسطيني عن محيطه الطبيعي، بحيث يكون انتصار المقاومة اللبنانية انتصاراً لفلسطين وانتصار سوريا انتصاراً لفلسطين، بعيداً عمن حقّقه. كما انتصار الانتفاضة وصمود غزّة انتصار  للمقاومة. على الأقل لأن العدو الإسرائيلي يتعامل معنا على هذا الأساس الوحدوي ولكنه يعمل ، وأذنابه وعملاؤه، على جعلنا نتعامل مع أنفسنا على أساس انعزالي بواسطة حسابات حقيرة وجاهلة.  في حين يقدّم التكامل نموذجاً ممتازاً لإمكانية الصمود ، فلولا دعم سوريا لما سقط اتفاق 17 أيار ولولا دعم المقاومة اللبنانية لما تمكّنت سوريا من الانتصار. ولكن لولا الخلاف العراقي- السوري لما كانت حال الأمة على ما هي عليه. 
 

والثاني تقزيم الانتصار، على طريقة حقد الضرائر أو بالأحرى أهل الصغائر.


 رابعاً : إن عدم التمييز بين الخطاب الموجّه للأجنبي والخطاب الموجّه للمواطنين، بناء على اختلاف الخطاب بحسب الجمهور المُستهدَف، قد ساعد على جعل اللطم والبكائيات متقدّمين على صورة الصمود والبطولات.


خامساً : إن القيّمين على الخطاب السياسي في الإعلام وفي سواه ، قد سعوا إلى الإفادة من فلسطين لاكتساب الشعبية والنفوذ، بما يُسمّى علمياً بعملية الاستحواذ . مما وبذا يضعون القضية في خدمتهم بدلاً من أن يكونوا في خدمة القضية. ويأتي الجمهور الجاهل ، ليؤخذ بمن يتكلّم ويساويه أحياناً بمن يفعل ويقدّم التضحيات ويحقّق الإنجازات. خاصة عندما تلعب هذه الوسائل على الوتر العاطفي فتغرق الشاشات بصوَر المجازر والارتكابات بحيث تحطّم المعنويات وترسّخ حال التعوّد التي تُتفّه الخراب والموت بجعله أمراً عادياً، وتحوّل الشهداء والضحايا من بشر إلى مجرّد أرقام. أو عندما تلعب على أمراض طائفية ومذهبية وفئوية.


 سادساً : ليس الخطاب الإعلامي  إلا ترجمة للخطة السياسية – أياً كان صاحبها – بحيث يبدو السؤال المركزي الذي قامت عليه مدرسة فرانكفورت سؤالاً أبدياً : هل إن وسائل الإعلام هي وسيلة لإعادة إنتاج خطاب السلطة القائمة وفرضها؟ 


وهو سؤال يستتبع سؤالاً بديهياً: مَن هي السلطات الاقتصادية والسياسية التي تُهيمن على وسائل الإعلام العربية ، لتاتي  هذه الأخيرة كمُجرّد وسيلة لتحقيق بقاء مَن يقف وراءها؟ 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً