أليف صباغ

محلل سياسي مختصّ بالشأن الإسرائيلي

"إسرائيل دولة فوق القانون". هل حقّاً؟

منذ أشهر تتصارع القوى السياسية اليمينية مع المحكمة العليا في إسرائيل حول شرعية أو عدم شرعية مستوطنة "عمونة" ، المكوّنة من أربعين بيتاُ متنقلاُ، أقيمت على أراض فلسطينية خاصة. مسرحية تشغل الرأي العام الإسرائيلي، يتداخل فيها القانوني مع "الأخلاقي"، ويتناقض فيها الواقع مع القانون الإسرائيلي نفسه، وحين يبحثون عن حلول للخروج من هذا التناقض يدوسون على القانون الدولي فينقلون المنازل المقامة على أراض خاصة إلى أراض أخرى أطلقوا عليها تسمية "أراضي دولة" أو أراضي غائبين.

إسرائيل  ليست دولة فوق القانون، وذراعها الأمني ليس طويلاً
إسرائيل ليست دولة فوق القانون، وذراعها الأمني ليس طويلاً

"إسرائيل دولة فوق القانون"، كثيراً ما تتردّد هذه الجملة في مواقف العاجزين المستسلمين باسم الواقعية، أو ممن تبنوا نظرية "السياسة فن الممكن". من هنا، فالواقع أمر "ُمنزل" عليهم، وهم لا حول لهم ولا قوة، إلا على شعوبهم أو على بعضهم البعض. أحياناً أخرى، تتردّد المقولة نفسها على شكل سؤال استنكاري، يرفضها السائل ضمناً، لكنه، كسابقيه، لا يقدّم جواباً لسؤاله هذا، مكتفياً بالرفض والاحتجاج وهو يلقي بالمسؤولية عن كاهلِهِ إلى كاهل الآخرين. فهل تبقى الأمور على حالها ونبقى على حالنا؟ أم أننا قادرون على تغيير الواقع فعلاً؟ وكيف؟
منذ أشهر تتصارع القوى السياسية اليمينية مع المحكمة العليا في إسرائيل حول شرعية أو عدم شرعية مستوطنة "عمونة" ، المكوّنة من أربعين بيتاُ متنقلاُ، أقيمت على أراض فلسطينية خاصة. مسرحية تشغل الرأي العام الإسرائيلي، يتداخل فيها القانوني  مع "الأخلاقي"، ويتناقض فيها الواقع مع القانون الإسرائيلي نفسه، وحين يبحثون عن حلول للخروج من هذا التناقض يدوسون على القانون الدولي فينقلون المنازل المقامة على أراض خاصة إلى أراض أخرى أطلقوا عليها تسمية "أراضي دولة" أو أراضي غائبين. وهل يحق للاحتلال أن يرى بأراضي من هجّرهم في المناطق المحتلة أراضي دولة؟ وهنا يعود ويدخل الواقع والقانون الإسرائيلي في صِدام مباشر مع القانون الدولي، ومع ذلك يبقى كل شيء داخل الحلبة الإسرائيلية وكأنه شأن إسرائيلي داخلي من دون تدخل دولي. ومن حقنا بل من واجبنا أن نسأل، لماذا يبقى هؤلاء صامتين؟ فهل إسرائيل فوق القانون الدولي؟ 
من ناحية أخرى، بلغ عدد المعتقلين الإداريين الفلسطينيين في المعتقلات الإسرائيلية أعلى مستوى له منذ عام 2008، فوصل إلى 750 معتقلاً إداريا حتى منتصف عام 2016، منهم  647 مدنياً اعتقلتهم سلطات الاحتلال منذ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2015 حتى منتصف عام 2016، من دون تقديم لوائح اتهام ضدهم ومن دون محاكمة. هذه الاعتقالات الظالمة والصمت الدولي، حتى من منظمات حقوق الإنسان، أدت إلى إضرابات عدد من المعتقلين عن الطعام حتى الموت، ومع ذلك بقيت هذه القضية  الكبرى وكأنها قضية إسرائيلية داخلية، تُحل أو تتعقد وفق القانون والعرف الإسرائيلي الداخلي ومفهوم الأمن الإسرائيلي.إذن، لماذا، رغم ما أوردناه من نماذج، ولدينا أكثر بكثير، يصمتُ الغرب "الديمقراطي" عن الانتهاكات الإسرائيلية للحق الفلسطيني المشروع، وهو يتغنى بحماية حقوق الإنسان، ولهذا الهدف يُنشئ منظمات وشبكات دولية  ويموّلها !  أم أن هذا التشبيك والتمويل يقف عاجزاً أمام بوابة إسرائيل فلا يستطيع اختراقها. هل حقّاً لا يستطيع؟ وإسرائيل فوق القانون؟ ولماذا؟
للإجابة على هذا السؤال لا بدّ من التذكير بحال التمزّق العربي، في ظل ما يُسمى زوراً ب"الربيع العربي"، فرصاً لإسرائيل لم تكن تحلم بها، ولتعاون أمني مع أنظمة عربية، واستخباري مع منظمات سياسية وأفراد متنفذين، تلبية لرغبتهم بالانتقام أو الثأر من خصومهم. وقد ظهر ذلك واضحاً من خلال عمليات القصف الجوي والاغتيالات التي قامت بها إسرائيل في الأراضي السورية طوال السنوات الست الأخيرة، من دون وازع من منظمات حقوق الإنسان أو منظمة الأمم المتحدة او أية جهة دولية ذات صلة، أو جهة إقليمية فاعلة أو حتى من روسيا التي نشرت قواتها الجو-فضائية فوق الأرض السورية.
علينا ألا نتوقع من الغرب، أو حتى من روسيا، تأييد مشروع قرار دعماً لفلسطين تراجع عنه العرب. لأنهم لن يكونوا أكثر حرصاً على الحقوق الفلسطينية من العرب عامة، ومن الفلسطينيين خاصة. لن يصوتوا على مشروع قرار، تقدّمه مصر باسم الجامعة العربية إلى مجلس الأمن، ويُلزم إسرائيل بوقف الاستيطان بالكامل، مع فرصة ذهبية لامتناع  إدارة أوباما من استخدام حق النقض، ولكن مصر تتراجع عنه في اللحظة الأخيرة، على خلفية تهديدات إسرائيلية، ومحادثة هاتفية بين السيسي و ترامب، بقطع المساعدات الأمريكية عن مصر. 
علينا ألا نتوقع من الغرب التوقف عن التعاون الأمني مع إسرائيل في حينأان العرب والفلسطينيين يتعاونون معها ضد بعضهم البعض، وضد شعوبهم وقواهم السياسية أيضاً. 
وعليه لا بدّ من موقف وفعل فلسطيني جريء يعتمد على الذات أولاً، يقول للأنظمة العربية: شكراً لقد غمرتمونا "بكرمكم" ومصالحكم على حساب قضيتنا، ويقول لأمريكا: كفى! لا نريد رعايتكم بعد اليوم. لقد اثبتم تحيّزكم للظلم والظالمين، أو عجزكم عن ردع المعتدين. فهل نمتلك هذه الجرأة؟!
من هنا نبدأ...وثم ننتقل إلى العالم، وإلى ميزان القوى الدولي، لأنه فقط في ظل سيادة القانون الدولي، على عِلّاتِه بالنسبة لنا، يمكن أن نحقّق حقوقنا المشروعة، ولكي يسود هذا القانون فعلاً، ولا يبقى حبراً على ورق، أو تزييفاً لإرادة الشعوب، لا بدّ من توازن دولي أو نظام متعدّد الأقطاب لا نظاماً أحادياً، كما كان سائداً خلال العقود الثلاثة الماضية. هذه هي بوصلتنا ، فهل نستعيدها؟ 
اما إسرائيل فهي ليست دولة فوق القانون، وذراعها الأمني ليس طويلاً الا بقدر ما لم توجد قوة قادرة أن تخلعها، وأجنحتها وارفة لغياب مَن يقصقصها.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً