أليف صباغ

محلل سياسي مختصّ بالشأن الإسرائيلي

ماذا يُريد بنيامين نتانياهو من أذربيجان وكازاخستان؟

في الوقت الذي تتباهي فيه إسرائيل ب"إنسانيتها" في تطبيب الجرحى والمعوقين السوريين من أنصار جبهة النصرة وأشباهها، وتتفاخر ب"واحتها الديمقراطية" في الشرق الأوسط، يقوم بنيامين نتانياهو، كسابقيه من رؤساء حكومة إسرائيل، بتوثيق العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع أعتى الأنظمة القمعية في العالم، ليس فقط مع نظام آل سعود الوهّابي، وأنظمة دكتاتورية أفريقية، وأخرى في أمريكا اللاتينية، بل وصل إلى أذربيجان وكزاخستان، حيث تحكم عائلات قمعية بالوراثة وتستغل ثروات شعوبها الكبيرة لمصالحها الخاصة.

 تشكّل أذربيجان بالذات، وكذلك كازخستان، بوابات خلفية لإيران، العدو الأكبر لبنيامين نتانياهو
تشكّل أذربيجان بالذات، وكذلك كازخستان، بوابات خلفية لإيران، العدو الأكبر لبنيامين نتانياهو

هذه العلاقات لا تبدو غريبة عن الطبيعة الاستعمارية الكولونيالية لدولة إسرائيل، إذا أن هدفها المُعلن، ليس فقط بيع الأسلحة الإسرائيلية لهذه الأنظمة، والمشاركة في نهب خيرات الشعوب من النفط والغاز، وإنما قلب ميزان القوى السياسي الدولي في الأمم المتحدة لصالح إسرائيل، في صراعها لدوام الاحتلال والقضاء على حق الشعب الفلسطيني في وطنه وفي إقامة دولته المُستقلّة ذات السيادة.

في مستهل زيارته الأخيرة إلى أذربيجان وكازاخستان، والتي جرت خلال اليومين الأخيرين، أعلن بنيامين نتانياهو بوضوح، إن هدفه هو "إحداث تغيير بل انهيار للغالبية الأوتوماتيكية ضدّ إسرائيل في المحافل الدولية"، وإنه "يركّز على الدول الإسلامية غير العربية بالذات لينتقل في وقت لاحق إلى الدول العربية". وماذا ستقدّم إسرائيل لهذه الأنظمة بالمقابل؟ وهل لديها ما تقدّمه الا ما تحتاجه هذه الأنظمة؟ من سلاح دمار وتدريب قوات خاصة، وتكنولوجية تجسّس متطوّرة ضدّ شعوبها؟

في أذربيجان تحكم عائلة علييف منذ عقدين وأكثر من الزمن. الرئيس السابق، حيدر علييف، سلّم الحكم لاٌبنه، إلهام علييف، لينهبوا خيرات بلادهم من عائدات النفط والغاز وموارد طبيعية أخرى، أما الشعب ففي غياب مستمر وفقر مُميت. وقد بلغت اتفاقيات تصدير الأسلحة الإسرائيلية إلى أذربيجان حوالى 5 مليارت دولار حتى الآن، وفق ما صرّح به الطرفان، وإن الغالبية العُظمى من هذه الصفقات قد  نُفّذت في الواقع. إضافة إلى ذلك، تم توقيع أربع اتفاقيات إضافية خلال الزيارة الأخيرة، وفق ما صرح به مكتب نتانياهو، أولها اتفاقية لإلغاء الضريبة المزدوجة في الاستيراد والتصدير بين البلدين، وأخرى في المجال الزراعي يتلهّى بها البُسطاء، وثالثة لإقامة لجنة مشتركة  لتطوير العلاقات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، كذلك في مجال الصحة والزراعة والتجارة، اما الرابعة التي لم يعلن عنها فلا بدّ من أن تكون في المجال الأمني.

خلال لقائه إلهام علييف، رئيس أذربيجان، قال نتانياهو: "نحن نتعاون في مجالات مختلفة، ليس فقط في مجال الطاقة وبيع النفط لإسرائيل، بل نتحدّث عن استخدام خطوط تصدير النفط والغاز للبلدين، وربطهما معاً على الأراضي التركية، ومن هناك إلى أوروبا، الأمر الذي سيساهم في تقوية اقتصاد البلدين والتعاون السياسي بينهما". وأشار نتانياهو، أيضاً، إلى أهمية التعاون بين دولته "اليهودية" ودولة "مسلمة" مثل أذربيجان، كنموذج للعلاقات التي يرغب بها مع العالم الإسلامي، وليس صدفة أن يختار نتانياهو العاصمة باكو، بالذات، للترحيب بنيّة الإدارة الامريكية الجديدة بنقل سفارتها إلى القدس.

من هناك توجّه بنيامين نتانياهو إلى كزاخستان، البلد الكبير والغني بموارده الطبيعية غير المستغلة لغاية الآن. هذا البلد الذي تنظر إليه أمريكا ليكون مسرحاً للصراع المتجدّد مع الصين، الذي بسط فيه نفوذاً اقتصادياً فيه ويحلم من خلاله إلى إعادة إنشاء الخط التجاري الدولي للعالم القديم، بين الشرق والغرب، والمعروف باسم "خط الحرير". ويبدو أن إسرائيل لا توفّر فرصة لتكون جزءاً من هذا الصراع الدولي الجديد بين أمريكا، في عصر ترامب، من جهة والصين من جهة أخرى، إنما تعرض خدماتها للولايات المتحدة بفضل علاقاتها التي نسجتها خلال عقدين من الزمن مع كازاخستان وأذربيجان.

إضافة إلى الخدمات التي تعرضها إسرائيل على الإدارة الأميركية الجديدة ، والتي ترى بالصين عدوّها الأساس، وإضافة إلى الأطماع الاقتصادية التي تحلم بها إسرائيل من هذين البلدين، تشكّل أذربيجان، بالذات، وكذلك كازخستان، بوابات خلفية لإيران، العدو الأكبر لبنيامين نتانياهو. وتفيد المعلومات المنشورة بأن إسرائيل تقوم منذ عقدين من الزمن باستخدام أربع قواعد عسكرية في أذربيجان للتدريبات المختلفة، ومنها تدريبات عسكرية جوية، قد تستخدم ضدّ ايران في وقت ما، كما إنها أنشأت قاعدة للموساد هناك تعمل في التجسّس على إيران. فوق هذا وذلك، يقول شاي ليفي في موقع "ماكو" باللغة العبرية: "إن التعاون العسكري بين الجيش الإسرائيلي وجيوش أخرى في العالم يوفّر فرصاً لترويج السلاح الإسرائيلي في هذه الدول،  وتبادل المعلومات الأمنية وبناء شراكات أمنية تعتمد على التكنولوجية الإسرائيلية المتطوّرة".


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً