أليف صباغ

محلل سياسي مختصّ بالشأن الإسرائيلي

بعد 50 عاماً من حزيران، هزيمة تتفاعل

لم تكن هذه الحرب ككل الحروب بالنسبة لإسرائيل وشعوب المنطقة عامة ويمكن أن نراها هزيمة أو حرباً مستمرّة منذ 50 عاماً، وذلك لما تركته من تداعيات مستمرة لغاية اليوم، وللمستقبل المنظور، على إسرائيل وعلى شعوب المنطقة بشكل عام، بل يمكن أن نلمس تداعياتها على العالم أيضاً. ونكتفي بهذا المقال أن نشير إلى بعض الجوانب الجوهرية من حرب الخامس من حزيران والمستمرة حتى يومنا هذا.

شكّلت حرب حزيران نموذجاً سياسياً وعسكرياً لكيفية الاستعداد للعدوان
شكّلت حرب حزيران نموذجاً سياسياً وعسكرياً لكيفية الاستعداد للعدوان

لم تكن حرب الخامس من حزيران عام 1967 حرباً عابرة في تاريخ المنطقة، وقد رأى فيها ليفي أشكول، رئيس حكومة التكتل القومي، آنذاك، "ولادة جديدة لدولة إسرائيل"، وتأكيداً على "قيام جيل يهودي مُحارب جديد".  ليس صدفة أن تُطلق عليها إسرائيل إسم "حرب الأيام الستة"، لا بسبب عدد الأيام التي دارت فيها المعارك، بل لهدفين آخرين أكثر أهميّة من ذلك. الأول، وهدفه تعزيز روح الانتصار والشعور بالقوة في ذهنية المواطن اليهودي في إسرائيل والعالم ، بأن إسرائيل ، الدولة الصغيرة والفتيّة، تغلّبت على جيوش الدول العربية الكبيرة بستة أيام فقط. أما الهدف الثاني، فيأتي لتعزيز "التدخّل الإلهي" في الحرب، كما رآه اليهود المتديّنون، وبأن الله كان معهم لستة أيام واستراح في اليوم السابع.


 لم تكن هذه الحرب ككل الحروب بالنسبة لإسرائيل وشعوب المنطقة عامة ويمكن أن نراها هزيمة أو حرباً مستمرّة منذ 50 عاماً، وذلك لما تركته من تداعيات مستمرة لغاية اليوم، وللمستقبل المنظور، على إسرائيل وعلى شعوب المنطقة بشكل عام، بل يمكن أن نلمس تداعياتها على العالم أيضاً. ونكتفي بهذا المقال أن نشير إلى بعض الجوانب الجوهرية من حرب الخامس من حزيران والمستمرة حتى يومنا هذا.


شكّلت حرب حزيران نموذجاً سياسياً وعسكرياً لكيفية الاستعداد للعدوان، على المستويات السياسية والعسكرية واللوجستية والإعلامية والدبلوماسية والاقتصادية، وحتى تجنيد الجبهة الداخلية للحرب، بحيث تظهر الدولة المُعتدية وكأنها تدافع عن وجودها، وهي، في الواقع، تطمح إلى التوسّع وتحقيق أطماع كانت تحلم بها في الماضي. إن مراجعة بسيطة، لما تضمّنته وسائل الإعلام الإسرائيلية، آنذاك، من عناوين وأخبار، يثبت أن إسرائيل كانت تعدّ الجبهة الداخلية لحرب كبرى بحجّة "الدفاع عن وجودها". ومراجعة أخرى للبروتوكولات الحكومية، التي كُشفت مؤخراً، تثبت أن اسرائيل كانت تعمل بالقنوات الدبلوماسية، بحنكة ودهاء وزير الخارجية، آنذاك، آبا إيبان، بحيث تظهر إسرائيل في موقع الدفاع عن النفس، وان أهداف الحرب دفاعية وعسكرية فقط، وأن إسرائيل لا تهدف إلى احتلال أراضي الغير. يؤكّد ذلك آبا إيبان في جلسة مجلس الوزراء يوم الرابع من حزيران 67 حين يُعلم الحكومة بأن بريطانيا وفرنسا وأميركا تعلم بنية إسرائيل شنّ الحرب، وأن فرنسا أبلغت إسرائيل بإلغاء قرار منع توريد الأسلحة الى إسرائيل، وبأن جونسون، رئيس الولايات المتحدة، لا يرغب في حرب هدفها "تغيير الحدود أو الاستيلاء على أراضي دول أخرى"، ولكنه لا يعارض "تحطيم الجيوش"، وبناء عليه، فقد صاغ إيبان هدف الحرب بكلمتين: "تحطيم العدو"، وأكّد على ضرورة إعداد الرأي العام الدولي من خلال إعلاميين كبار يسيطرون على العناوين الرئيسية في الصحف العالمية، يؤكّدون فيها أن إسرائيل لم تكن الطرف البادئ في الحرب، و"هذا يتطلّب، كما قال إيبان، "حيلة" لم يفصح عنها في الاجتماع المذكور. في اليوم الثاني للحرب عاد ليفي أشكول، وأكّد للوزراء على ضرورة  "الاستمرار بالادّعاء أن إسرائيل تدافع عن نفسها، وإن السوريين يهاجمون المستوطنات الإسرائيلية ويوسّعون الجبهة نحو غور الأردن". وهنا لا بدّ من التذكير أن إسرائيل ما تزال تستخدم "الحيلة" عشية كل عدوان، كما تستخدم خطاب الدفاع عن "وجودها" في كل مناسبة لغاية اليوم، وهو خطاب يتجسّد في صلب إعلامها الدولي والمحلي، ولو كان خلافاً لما يجري على الأرض.



كانت نتائج العدوان وتداعياته الإسرائيلية والدولية مثار جدل في جلسة الكابينيت الأمني يوم 19 حزيران 1967. كيف تظهر إسرائيل أمام الرأي العام الدولي بعد أن احتلت بالفعل مساحات من أراضي ثلاث دول عربية، تفوق مساحة إسرائيل بثلاثة أضعاف أو أكثر، في حين أعلنت قبل أيام أن هدف الحرب هو "تحطيم العدو" فقط وليس احتلال أراضي الغير؟. إضافة إلى ذلك، فالمناطق المحتلة تشمل من السكان العرب ما يمكن أن يغيّر الميزان الديموغرافي للدولة، وكيف تتعامل مع هذا الخطر؟ هنا طرحت عدّة أفكار بدءاً بضم الضفة أو قطاع غزّة، مروراً بطرد الفلسطينيين أو توطينهم في سيناء وانتهاء بإعادة الضفة إلى الأردن وسيناء إلى مصر والجولان إلى سوريا بشروط إسرائيلية ضمن اتفاقيات سلام مع هذه الدول. وفي نهاية النقاشات اتّخذ الكابينيت  الأمني قرارات  تاريخية يمكن اختصارها بما يلي: 


1. إسرائيل مستعدّة لتوقيع اتفاق سلام مع مصر يتضمّن إعادة سيناء إليها على أن تكون منزوعة السلاح، ومن دون شرم الشيخ ومضائق تيران، وضم قطاع غزّة إلى إسرائيل. 


2. إسرائيل مستعدّة لتوقيع اتفاق سلام مع سوريا، وإعادة الجولان إليها منزوعاً من السلاح، ولكن من دون منابع الأردن. 


3. إسرائيل تقترح على الأردن اتفاق سلام يشمل إعادة الضفة الغربية، من دون القدس، إلى الملك حسين، والتواصل مع المملكة لإقامة اتحاد اقتصادي بين البلدين، على أن يكون نهر الأردن هو الحد الدولي بين الأردن وإسرائيل. إذا ما راجعنا السياسة الإسرائيلية خلال العقود الخمسة السابقة سنجد أن خيارات الحل الدائم الذي تقترحه حكومات إسرائيل المتعاقبة لا يختلف، من حيث الجوهر، عن قرارات الكابينيت الأمني يوم التاسع عشر من حزيران 1967، وأن الاختلاف في الرأي بين المركبات السياسية الإسرائيلية لا يزال على حاله، وهذا يعني أن إسرائيل ما تزال تعيش في هذا الحلم من دون أن تكون في المنطقة أية قوة تجبرها على تغيير مواقفها.  وإذا لم تكن مستعدة لتغيير مواقفها في ظل توازن قوى دولي بوجود الاتحاد السوفياتي الذي وقف إلى جانب الحقوق العربية عامة والفلسطينية خاصة، فهل يمكن أن تغيّر مواقفها اليوم، في ظل انحياز أميركي كامل لصالحها وغياب أية قوة عربية قادرة أو مستعدّة للمواجهة أو قوة دولية توازن هذا الانحياز الأميركي؟



في الوقت ذاته لا يمكن أن ننسى أن الشعب الفلسطيني، رغم كل النكبات التي مرّ بها، خلال مائة عام ونيف، إلا أنه ما يزال يقاتل لاستعادة حقوقه، وأنه بعد كل نكبة أو هزيمة يُطلق طاقاته الكامنة من جديد، وكأنه المارد من تحت الركام. 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً