أليف صباغ

محلل سياسي مختصّ بالشأن الإسرائيلي

جولة تاريخية بالفعل، ولكن ....

اتّخذت الجولة الدولية التي يقوم بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه الأيام، والتي بدأت في السعودية، مروراً بإسرائيل وستنتهي في الفاتيكان، تسمية خاصة في إسرائيل، "الزيارة الثلاثية". أي، زيارة المراكز الدينية الثلاثة، السعودية، إسرائيل والفاتيكان.

الجولة الدولية للرئيس الأميركي ترامب في السعودية والأراضي المحتلة  والفاتيكان
الجولة الدولية للرئيس الأميركي ترامب في السعودية والأراضي المحتلة والفاتيكان

قد تكون هذه التسمية إسرائيلية فقط، ولكن، هكذا تفهمها إسرائيل، أو تريد أن تفهمها، لأن عرضاً أو فهماً كهذا يُعزِّز الخطاب الإسرائيلي السياسي والديني، وهو الخطاب الذي يُلغي الحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني في القدس خاصة، وفي فلسطين عامة.

لا شكّ أن كل متابع لهذه الزيارة التاريخية، وهي زيارة تاريخية بالفعل، لا بدّ من أن يتساءل عن إنجازاتها، مَن أنجز؟ وماذا أنجز؟ ولصالح مَن؟  وهل هي إنجازات تاريخية أم أنها عابرة؟ وهنا لا بد من الاعتراف أن جوهر الزيارة وإنجازها الأكبر، الذي يُمكن اعتباره إنجازاً تاريخياً، يتمثّل بتحقيق المصالح الاقتصادية الأميركية في الشرق الأوسط، وسلب خيرات الأمّة مقابل حماية الأنظمة الأكثر رجعية في العالم، بالضبط كما وعد دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية، وأكثر. هؤلاء الحكّام هم حلفاء أميركا، وهم نماذج  الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، الذين تتحالف معهم أميركا، فهل وصلت الرسالة؟

أما الإنجاز الآخر، الذي لا يقلّ أهمية عن الأول، وقد يتحوّل إلى إنجاز تاريخي أيضاً، هو التأسيس لإقامة تحالف سياسي وعسكري، أميركي -عربي -إسلامي سنّي رجعي، تنضم إليه إسرائيل ضمناً أو رسمياً، تشارك فيه غالبية الأنظمة العربية والإسلامية السنّية، ضدّ محور المقاومة والتحرّر الوطني والسيادة، وقد تم تحديده بالإسم مع خلط غريب عجيب، إذ ساوى هذا التحالف بين حزب الله وإيران وحماس وداعش ووضعهم في قائمة الإرهاب الواحدة. هذا التحالف مخصّص لمواجهة إيران "الشيعية" المُتمرّدة على الهيمنة الأميركية ، ولخدمة إسرائيل بالدرجة الأولى. فإذا كان الدم العربي المسفوك غير كافٍ لغاية الآن، ستكون الأسلحة الأميركية الجديدة والتمويل العربي لها كافية لتحقيق ما تحلم به إسرائيل من سيطرة ونفوذ في الشرق الأوسط. أليس هو "وعد الله" أيضاً؟!



إن استعداد الأنظمة المُتحالفة مع أميركا للتطبيع مع إسرائيل،  من دون أي اعتبار للحقوق الفلسطينية، هو إنجاز إسرائيلي بحت، عبّر عنه نتانياهو بفرح كبير، خلال حديثه للصحافيين بعد اجتماعه مع ترامب، حين قال: أنه يشهد، لأول مرة في حياته، إمكانية للتغيير في العالم العربي، وللسيّر نحو تحقيق تسوية كبرى، كما تراها إسرائيل، من دون أن يكون الطرف الفلسطيني عائقاً لذلك. أما المعارضة الإسرائيلية فتدعو نتانياهو لانتهاز الفرصة السانحة، ولكنه، كعادته، ينتظر ويريد تنازلات فلسطينية إضافية أولاً، وربما لا تكفيه أيضاً.

في خطابه أمام الصحافيين، بعد لقاء ترامب، حافظ أبومازن على "الثوابت الفلسطينية" كما يراها هو، ومنها حدود الرابع من حزيران والقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، وحل قضايا الحل النهائي وفق القرارات الدولية والمبادرة العربية، وبهذا لم يختلف عن خطابه خلال لقاء الرئيس ترامب في واشنطن، ولكنه، اليوم، بارك القمم الإسلامية والعربية -الأميركية، التي عُقدت في الرياض، وشارك فيها، وأعلن عن قبوله بنتائجها، واستعداده ليكون جزءاً من التحالف الأميركي السنّي الإسلامي، حتى من دون أن يعترف ترامب بأيٍ من الحقوق السياسية أو الوطنية الفلسطينية. فهل تذكّر أبو مازن، للحظة واحدة، ماهيّة هذا التحالف؟ ولمصلحة مَن؟ وهل للفلسطينيين أية مصلحة في ذلك؟  أو أنه يتعارض مع المصلحة الفلسطينية؟  وهل يعتقد أن تكديس الأسلحة الأميركية في السعودية يهدف إلى تحرير فلسطين؟  أم أنه يهدف إلى مزيد من سفك دماء العرب والمسلمين بأموال وأيدٍ عربية وإسلامية؟ ما الذي يُلزم الشعب الفلسطيني بمثل هذا التحالف القذر؟ أين هي المصلحة الفلسطينية؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى توضيح جدّي من الرئيس الفلسطيني؟

بالرغم من ذِكر أبو مازن للقرارات الدولية وحقوق الشعب الفلسطيني ..الخ،  إلّا أنه عبّر، في خطابه، عن موافقته على "الصفقة" التي يُحيكها ترامب، مسبقاً، وطلب منه أن يرى فيه شريكاً في ذلك، هل نسيَ الرئيس أن الموافقة على نهج "الصفقات" في السياسة الدولية أو الإقليمية، تعني التنازل عن القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة التي يتغنّى بها؟ خاصة وأن ترامب ملتزم لإسرائيل منذ ترشّحه ولغاية اليوم، علناً وممارسة، بعدم التحدّث عن "حل الدولتين" أو "دولة فلسطينية" وهل نسيَ الرئيس أبو مازن أن ترامب هو الرئيس الأميركي الأول الذي زار، وعائلته، حائط البراق، بصفته حائط المبكى، خلال فترة رئاسته، وهي رسالة واضحة بأن حائط البراق يقع تحت السيادة الإسرائيلية؟ فهل يعتقد المروّجون للإنجازات الفلسطينية ، أو الوعود بتحقيق بعض الإنجازات الاقتصادية، تساوي ما قدّمه أبو مازن إلى الرئيس ترامب؟ 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً