أليف صباغ

محلل سياسي مختصّ بالشأن الإسرائيلي

أسرى الحرية والأفق المُتلبّد

مع بداية الأسبوع الثاني من إضراب الأسرى الفلسطينيين عن الطعام، في معتقلات المحتل الإسرائيلي، وهم يسيرون نحو الأفق المُتلبّد بالغيوم السوداء، متعطشين لبزوغ فجر جديد، أفادت البيانات الصادرة عن المكتب الإعلامي لإضراب الحرية والكرامة، ان الحالة الصحية للأسير القائد مروان البرغوثي قد تدهورت، وأنه رفض تلقّي العلاج الفوري من مصلحة السجون إمعاناً منه في التحدّي وتقديم نموذج القائد الذي يتحمّل المسؤولية، ويُبدي استعداده للتضحية بروحه لأجل رفاقه والهدف المنشود.

قد يكون امتناع الأسرى المُضربين في سجن "جلبوع" عن الظهور ناتجاً من عدم قدرتهم الجسدية للخروج
قد يكون امتناع الأسرى المُضربين في سجن "جلبوع" عن الظهور ناتجاً من عدم قدرتهم الجسدية للخروج

لا أشكّ للحظة أن مُجريات الأمور، الشعبية والرسمية، كانت محسوبة جيّداً عندما اتّخذت قيادة الأسرى قرارها بإعلان الإضراب عن الطعام، بما في ذلك احتمال الاستشهاد في مواجهة السّجان، أو تدهور الحالة الصحية لدى عدد من المُضربين. قد يكون امتناع الأسرى المُضربين في سجن "جلبوع" عن الظهور في العدّ الصباحي ناتجاً من عدم قدرتهم الجسدية للخروج أو الوقوف في طابور العدّ، وقد يكون أيضاً تحدّياً وعصياناً لأوامر السّجان، الأمر الذي يعنى رفع مستوى التحدّي والإصرار على المُضي بالإضراب الى أبعد الحدود. وكانت مصلحة السجون قد نقلت عشرات الأسرى المُضربين، أو عزلتهم عن باقي الأسرى، وأدخلت قياداتهم، أمثال مروان البرغوثي وأحمد سعدات وكريم يونس، إلى الزنازين، ومنعت عنهم زيارات الأقارب، حتى من الدرجة الأولى، أو لقاءات مع المحامين، وتقود حكومة إسرائيل بأذرعها المخابراتية والإعلامية حملة تحريض ضدّ الأسرى وضدّ السلطة الفلسطينية وتحاول دقّ الأسافين بينهم ولا تترك فرصة إلا وتستغلّها لكسر الإضراب.

قد نسمع من هنا وهناك ادّعاءات تقول إن 1500 أسير لا يمثّلون كافة الأسرى الذين يبلغ عددهم 6500 أسير وأكثر، وذلك بهدف التقليل من عَظَمَة هذا الإضراب، ولكن الحقيقة أن قيام 1500 أسير بالإضراب عن الطعام بقرار مشترك هو إنجاز كبير بحد ذاته، وهو تعبير عن ثقة كبيرة بقيادة الإضراب، وأن استمرارهم للأسبوع الثاني هو إنجاز أكبر، وانضمام أسرى آخرين للإضراب هو إشارة إلى ما سيأتي، وقد يكون هذا التدرّج في التصعيد مخطّطاً  له مسبقاً.  أما التفاعل الشعبي، تضامناً مع الأسرى وعائلاتهم، فهو الحاجة الأهم لاستمرار الإضراب ونجاحه في تحقيق أهدافه، وهي مطالب يضمنها القانون الدولي، وحقوق مورِست في الماضي أيضاً وحرموا منها مؤخراً، وبالتالي فهي ليست مطالب تعجيزية بل واقعية جداً. كل هذا هو الأساس لانتصار الأسرى في إضرابهم، ولكنه لا يكفي، وبالتالي لا بدّ من تفعيل السفارات الفلسطينية في العالم بشكل أكبر ضمن استراتيجية الأسرى، وتفعيل كل شخص فلسطيني أو عربي، أو مؤيّد للشعب الفلسطيني، في أي مكان في العالم لإيصال صرخة الأسرى إلى متّخذي القرارات، بهدف ممارسة الضغط على إسرائيل للاستجابة لمطالب الأسرى.

لا بدّ من تفعيل وسائل الإعلام العربية والدولية، لا إشغالها بالأرقام ، كما هو حاصل لغاية الآن، بل بالقصص الفردية العائلية والإنسانية لكل أسير وأسيرة، ومنهم مرضى السرطان ، ومبتورو الأطراف، ومنهم الأطفال المعتقلين الذين يفقدون طفولتهم، والنساء اللواتي ولدنَ في المًعتقلات، وشرح العذاب الذي  تتكبّدُه  كل أمّ أسير أو زوجة أسير عند زيارته، أو قصص الأطفال الذين يعيشون طفولتهم من دون أب وهو يقضي حياته في السجن، لا لذنب إلا لأنه تجرّأ أن يُطالب بحياة كريمة له ولأطفاله في وطن سيّد وكريم.
 

من هنا لا بدّ لكل ناشط  حقوقي أو سياسي، أو إعلامي أو مسؤول أو أكاديمي أن يسأل نفسه، ماذا فعلتُ أنا لنصرة الأسرى الفلسطينيين؟ وماذا يجب أن أفعل أيضاً لتحريك الرأي العام الدولي، الشعبي والرسمي، لإجبار حكومة الاحتلال على إعادة الحقوق للأسرى الفلسطينيين؟  وكل في موقعه قادر أن أراد ذلك. ولا بدّ من أن ترتقي إلى مستوى النشاطات المذكورة إلى مستوى التحدّي والتضحية التي يُبديها الأسرى. إن قدرات الشعوب تتجلّى بشعور كل فرد بالمسؤولية، وبمبادرته في خدمة الهدف المشترك. لقد أخذ الأسرى على عواتقهم إعادة تجميع النسيج الفلسطيني المُمزّق، فهل يتجلّى ذلك بوحدة شعبية كفاحية تقفز فوق الصراعات الفصائلية والشخصية  والانقسامات الاجتماعية؟

لا غرابة أن ينضم الإعلام الإسرائيل، الرسمي وغير الرسمي، إلى الحملة الحكومية للتحريض على الأسرى الفلسطينيين، ولكنه ما يلبث أن يقلب لحكومته ظهر المِجَن، فيتحوّل إلى الجهة الأخرى عندما يُخطئ أيّ عضو كنيست أو وزير أو حتى رئيس الحكومة في التعامل مع أمّهات الأسرى أو الضحايا الإسرائيليين. تستطيع أمّ الأسير الإسرائيلي أن تصرخ في وجه عضو كنيست في جلسة خاصة للجنة المراقبة البرلمانية، "أسكت ! لا أريد أن أسمعك، من أنت؟ أنا لا أعرف إسمك أصلاً"...وتستطيع أن تقول لرئيس الحكومة بلهجة قاسية : "إذا كان ابني قتيلاً فمن واجبك أن تعيد لي جثته كما استعدت جثة أخيك يوناتان".

ولا تتردّد الصحافة الإسرائيلية في الدفاع عن حق هذه الأمّ وباقي العائلات الثكلى في محاسبة المسؤولين على تقصيرهم، أو على اتّخاذ قرارات أودت بحياة أبنائهم، لأن صوت الضحية فوق أصوات المسؤولين جميعاً، هذا هو المبدأ وهذا ما يُعطي للجندي قوة ولذويه طمأنينة. فأين نحن من هذا الإعلام؟ وهل يرتقي الإعلام العربي عامة، والفلسطيني خاصة، إلى مستوى آلام الأسرى وعائلاتهم؟ وهل يكون الإعلام هو صوت الضحية، لا صوت المسؤول المُتنعّم في مكتبه أو سيارته الفارهة أو قصره المفروش؟




إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً