طارق الدليمي

كاتب سياسي عراقي

حملة الموصل .. "العزم المُتأصّل" وإعادة الاحتلال

يشير الخبير الأميركي "بيتر فان بورين" والذي خدم طويلاً في جيش الاحتلال في العراق إلى أن أميركا في مقاربتها الجديدة قد بنت عدة قواعد عسكرية لها في العراق ومنها فقط "4" في شمال الموصل. إنها تبعاً لمبادىء "كلاوزفيتز" الشهيرة تحاول الحصول على حال "استدامة قتالية" من أجل تنفيذ كل المآرب السياسية التي يمكن تبريرها في حال الحرب الشاملة، وهي تحاول أن تواجه الفشل السياسي بعدم التلويح بالأرباح العسكرية الكبيرة، أمام عدّة احتمالات مطروحة على جدول التحليل المقارن ولكنها عمليا تؤدّي إلى نفس المصير – الخذلان المنهجي.

معركة الموصل تتواصل منذ 125 يوماً ( أ ف ب )
معركة الموصل تتواصل منذ 125 يوماً ( أ ف ب )

تجري الرياح سناسن. وحملة غرب الموصل مستمرة منذ 19 شباط الماضي بعد مرور 125 يوماً على بدء حملة الموصل الشاملة. قوات عديدة مختلفة تقتحم دفاعات "داعش" وفرق خاصة أميركية تمشّط البنايات والمرابض خلفها وتستولي على الوثائق والمقتنيات الأمنية وتفرز الأسرى وتهرّب البعض منهم حسب تصريحات، جواد الطليباوي، أحد قيادات "الحشد الشعبي". حرب الشوارع طاحنة والتوازن صعب والقوات العراقية تخسر "3" من عديدها أمام "1" من عصابات "داعش". الإغاثة الصحية ضعيفة والتموين هزيل ولحد الآن، كما يقول الخبير العراقي والمتعاون مع الحكومة هشام الهاشمي، لم تستول هذه القوات سوى على "9" مواقع مهمة من مجموع "19" موقعاً حصيناً مسوّراً بعشرات الألوف من السكان المدنيين.

الربح العسكري والخسارة السياسية

ويؤكّد "أندرو أكسوم"، مراسل مجلة أتلانتك الأميركية حالياً والمساعد الأمني السابق في البنتاغون لشؤون الشرق الأوسط، أن المعركة طويلة و"داعش" لن يستسلم ببساطة. والقتال يدور من مربّع إلى آخر والهروب أحياناً إلى كهوف صحراء الموصل الغربية. لتبدأ حروب عصابات جديدة. ومن قوله أن شرق الموصل مازال يعاني من ثقوب سوداء في حاله الأمنية وأن التزاحم السياسي والفساد فيه يتكاثر ويتعقد يومياً. لاسيما وأنه خليط سكاني غير متجانس على عكس غرب الموصل حيث الأغلبية هناك من العرب "السنّة". وإن أحد أسباب البطء في الإنجاز هو الرفض الأميركي القاطع للضغط العسكري العالي المزدوج على الرقّة والموصل في آن واحد. وفي كل الأحوال فإن كسب الحرب عسكرياً لا يتوازى مع كسبها شعبياً.

قواعد عسكرية للبقاء الدائم

ويشير الخبير الأميركي "بيتر فان بورين" والذي خدم طويلاً في جيش الاحتلال في العراق إلى أن أميركا في مقاربتها الجديدة قد بنت عدة قواعد عسكرية لها في العراق ومنها فقط "4" في شمال الموصل. إنها تبعاً لمبادىء "كلاوزفيتز" الشهيرة تحاول الحصول على حال "استدامة قتالية" من أجل تنفيذ كل المآرب السياسية التي يمكن تبريرها في حال الحرب الشاملة، وهي تحاول أن تواجه الفشل السياسي بعدم التلويح بالأرباح العسكرية الكبيرة، أمام عدّة احتمالات مطروحة على جدول التحليل المقارن ولكنها عمليا تؤدّي إلى نفس المصير – الخذلان المنهجي.

حاطب الليل، مايكل نايتس

بيد أن "مايكل نايتس" الباحث والخبير في معهد "واشنطن للشرق الأدنى" لديه وجهة نظر أخرى في جمع التناقضات حيث يتكلّم بالغثّ والسمين من دون أن يبصر ما يجري على الأرض. ومن خزينه في العمل مع جيش الاحتلال في العراق يعتنق فكرة أن أرض البلاد تظلّ خصبة لإعادة إنتاج مشتقاّت "داعش" وأخواتها. ويبدو أنه في شهادته أمام الكونغرس الأميركي في 28 شباط المنصرم قد أقنع "المؤسسة" الحاكمة في عنجهية "دونالد ترمب" الوسطية : الحزب الجمهوري يميني أكثر من اللزوم والحزب الديمقراطي يساري أكثر من اللزوم وفشلا في الاحتلال وفي الحفاظ على العراق ونفطه. إن شهادة "نايتس" تتضمّن تقريراً وهو "نهاية البداية" للقيام بالحسم الكامل في العراق على الصعيدين السياسي والعسكري. إن حاطب الليل يقترح :(يجب التفريق دائماً وعدم الخلط بين "الخطّة" والاستراتيجية العامة للولايات المتحدة في العراق والمنطقة), وأن الجيش الأميركي هنا سيعمل بالتعاون مع القوات العراقية في كل البلاد لغاية هزيمة "داعش" وكل التنظيمات المُسلّحة الأخرى غير الحكومية.

 "الزم المُتأصّل" باقية وتتمدّد

ويؤكّد "نايتس" أن من الضروري تمديد فترة ولاية "قوة المهام المشتركة – عملية العزم المُتأصّل" بعد تحرير الموصل، وتقديم تعاون أمني – عسكري استثنائي لفترة لا تقل عن خمس سنوات، تكون خاضعة للمراجعة والتمديد وتشمل ولاية الحكومة العراقية الجديدة بين عامي 2018 و 2022. وهو إذ يركّز سياسياً على أهمية تقليص نفوذ إيران، يطرح ضرورة تحقيق أولاً تغيير شامل في التعيينات العسكرية وثانياً تجديد وترقية إدارة شؤون الأمن. وفي الحقل المدني التركيز على بناء تحالفات سياسية جديدة أولاً وبناء مجمّعات اقتصادية ثانياً  لتزويد المناطق المنكوبة وتشييد البنى التحتية لبرامج إعادة الإعمار الشامل لاحقاً.

ومن وجهة نظر "نايتس" أنه جفّ القلم  ولم يعد خيار "هوبسون" مناسباً في الحقبة الترامبية الجديدة. ومن نافلة القول أنه من الواجب الآن الإعلان أن السياسة تعلو فوق كل شيء. وأن الاهتمام بالعلائق بين شتّى "المكونات" الموجودة مسألة مركزية ويجب أن تستند إلى قاعدة، ليس كل انشقاق يواجه الخطة قد يضعفها، ولن تكون أية وحدة عمل مصدراً لقوة العمل المطلوب. يعتقد حاطب الليل "نايتس" أن النفق العراقي بحاجة إلى نور خاص. يشعله محرّك "العزم المُتأصل". وينسى في تجاوزه التحليلي، حقائق التضاريس الراهنة القاسية. فقد قال الشيخ الكبير "إبن عربي" منذ قرون:"كل نور لا يُزيل الظلمة لا يعوّل عليه".


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً