بثينة شعبان

مفكرة عربية

من شيلكوت إلى وارسو

انشغلت وسائل الاعلام الغربية والعربية خلال الأسبوع الماضي بنتائج لجنة شيلكوت والتي حققت في مشاركة بريطانيا في الحرب على العراق عام 2003، حيث استنتج التقرير أنه كان هناك "خطأ" في التقدير من قبل حكومة بلير وأنّ المملكة المتحدة انضمت إلى الحرب قبل التأكد من وجود أسلحة دمار شامل وقبل انتظار نتائج التفتيش، الامر الذي أدى إلى "مقتل جنود بريطانيين".

  • تقرير لجنة شيلكوت لم يذكر من قريب أو بعيد مقتل الملايين من الشعب العراقي وتدمير بلد كامل وتخريب بناه التحتية
يتحدث التقرير عن نقاط تفصيلية عدّة وعن علاقة بلير مع بوش وأنه وعده ان ينضم إلى الحرب مهما كانت الظروف مع دعوة ضمنية إلى محاسبة المسؤولين. 

ولكنّ اللافت جداً أنّ التقرير لم يذكر من قريب أو بعيد مقتل الملايين من الشعب العراقي وتدمير بلد كامل وتخريب بناه التحتية بما في ذلك التعليم والصحة والكهرباء والخدمات، ومازال العراق بعد ثلاثة عشر عاماً من حرب الغربيين عليه يحصد وابل نتائج تلك الحرب الظالمة عليه من عنف وإرهاب وفوضى وتدخل أجنبي. 
وكأنّ هؤلاء الجنود البريطانيين قد قتلوا في رحلة صيد إلى العراق وكأنهم لم يقتلوا أضعافاً مضاعفة من أبناء شعب حضاري لم يهدد بريطانيا ولم يعتدِ عليها. 
كما لا توجد أيّة اشارة أبداً إلى حجم المأساة التي سببّها تلك الحرب على بلد عربي مستقل وعضو في الأمم المتحدة وشعب سليل حضارة رفدت البشرية بقيم وقوانين وثقافة مازالت تعتبر مصدراً ثرياً للإنسانية برمتها. 
والسبب في عدم ذكر الشعب العراقي هو العنصرية المتأصلة في العقل الغربي الذي لا يعتبر العرب ذوي قيمة بشرية تستحق الذكر أو الاحترام، ولا يعتبر الحياة الانسانية العربية مساوية للحياة الانسانية في الغرب. 

ومع ذلك هناك من يُنظّر من المفكرين العرب، خاصة ما يسمى هذه الأيام "المعارضة"، لعدالة الغرب وقوانين الغرب في المساءلة والمحاسبة. 
المساءلة والمحاسبة عن أي شيء له علاقة بالغرب وليس عن حجم الكارثة التي حلّت بالعراق أو ليبيا أو سوريا أو اليمن أو البحرين وقبلها فلسطين ولبنان نتيجة سياستهم اتجاه شعوبنا العربية، فهل آن الأوان أن نتيقن جميعاً أنّ سياسيات الغرب الخاصة ببلاده وشعبه لا تنطبق علينا، وأنه لم ولن يعامل شعوبنا كما يعامل شعوبه والأمثلة في التاريخ، وإلى حدّ اليوم، أكثر من أن تحصى من فلسطين إلى العراق وليبيا وسورية واليمن، وقبلها أيام الاستعمار القديم في الجزائر والمغرب وتونس والسودان. 

بل وبالرغم من كل هذا التاريخ الدموي، الذي يصفع العرب في وجوههم عند كلّ مفصل، ترى بعض الحكام العرب يرتهنون تماماً لإرادة الغرب وقراراته المعادية لأشقائهم فيوفرون للغرب التمويل والقواعد العسكرية لشنّ الحرب على الدول العربية الشقيقة. 

ورغم أنّ القرارات الدولية التي قد تتسم بنوع من الإنصاف، أو حتى الحيادية،لا يتمّ تطبيقها أبداً نجد هؤلاء الحكام متمسكين بتطبيق القرارات التي تنال من سيادتنا واستقلالنا بذريعة الامتثال للشرعية الدولية، والحقيقة هي إنهم خانعون مطأطؤو الرؤوس للإرادة الغربية المتعطشة للمزيد من الحروب على العرب.

وأتفكّر في دول العالم كافة فلا أرى حكاماً لديهم ذات الاستعداد للتابعية والارتهان لإرادة من يستهدف شعوبهم، مهما كان هذا الاستهداف مغلّفاً بالشعارات الراقية التي تخفي المسار الحقيقي للتعطش الغربي للحروب، لما يحقق لها من تشغيل لمصانع السلاح،لأنها وفي هذا المجال فالغرب سيد اللعبة. إذّ أن اللغة التي يستخدمها لتوصيف الأحداث لا تمتّ بصلة للعدوان والوحشية التي يمارسها ضدّ شعوبنا العربية ويتخذ من هذه اللغة غطاء لممارساته.

 وفي هذا الصدد يتخذ الغرب من "الغموض البنّاء" أسلوب وعمل ومنهج ممارسة،  فها هو اجتماع "الناتو" على سبيل المثال يعقد في وراسو في تحدٍّ واضح للصيغة التاريخية والتي كانت تعتمد على وجود حلفين خلال الحرب الباردة، حلف وارسو الذي كان يتزعمه الاتحاد السوفياتي، وحلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة. 

وبعد تفكيك الاتحاد السوفياتي تمّ تفكيك حلف وارسو وكان الإتفاق أن يتم أيضاً تفكيك الناتو، ولكن وبدلاً من ذلك فقد انضمت بلدان كانت أعضاء في وارسو إلى حلف الناتو الذي أصبح الحلف العسكري الوحيد في العالم. 
لقد اجتمع أعضاء هذا الحلف في وارسو واتخذوا قرارات بنشر منظومات أسلحة وقـوات مقاتلة على حدود روسيا، وكما قررت الولايات المتحدة نشر أسلحة في كوريا الجنوبية تفادياً، كما يزعمون، لأي عمل تقوم به كوريا الشمالية، وكلّ هذه الإجراءات العسكرية والتي تكلّف مليارات الدولارات يسموّنها دفاعية، رغم أنه لاتوجد اي دولة تهددّ الناتو ولم تقم روسيا أو غيرها بأي إجراء عسكري يستدعي هذه الخطوات العسكرية الضخمة، والتي تعتبر خطواتٍ متسارعةً لعسكرة المنطقة والعالم وبدأ سباق تسلح جديد يخدم مصالح المّجمع الصناعي العسكري. 

ومع ذلك فإنّ من يقرأ بيان الناتو يقرأ استمرار الرغبة للحوار مع روسيا، ولكن طبعاً الحوار تحت وقع كلّ هذه الاجراءات الإستفزازية مختلف تماماً عن الحوار دون وجود مثل هذه الاجراءات. 

أي أنهم يمارسون إرهاب الدولة كي يكسبوا الحرب قبل أن تبدأ ويدّعون أنّ سياساتهم دفاعية وأنهم يتحسبون لأي عدوان قد يحصل على حدودهم. 

وفي "شيلكوت" وفي قرارات "الناتو" شعور دفين بالتفوق الغربي وأنّ حياة إي إنسان غربي لا تعادلها حيوات الملايين من البشر.

هذا هو العالم الذي يصّرون على بنائه، عالم معتمد على عنصرية الغرب في مقاربة أي شعب. وينطبق هذا، كما نرى، على مواطنيهم من لون آخر، فها هي العنصرية الدفينة ضدّ الأميركيين من أصل افريقي تطلّ برأسها من جديد على الولايات المتحدة بعد انتشار العنصرية ضدّ اللاجئين والمهاجرين المسلمين وحتى ضدّ السوريين. 

لو كان الغرب يؤمن بحقوق الانسان وبالمساواة في الإنسانية لما اتخذ عشرات الفيتو ليمنع الشعب الفلسطيني من الحفاظ على حقوقه في أرضه ولما دعم سياسة التطهر العرقي والاستيطان البغيض في فلسطين، ولما دعم الحرب على الدول العربية، ولما دعم الارهاب تسليحاً وتدريباً، ولما دعم الدول الرجعية القمعية المعادية لشعوبها العربية، إذا كان البعض، بعد كلّ هذا وذاك، يتحدث عن إيمان الغرب بحقوق الإنسان والديمقراطية لجميع البشر، ويكبرون فيه مساءلة المسؤولين فقط عن القتلة من جنوده، وليس ضحاياهم من العراقيين والعرب، فهذا يعني أنه على أعينهم غشاوة وفي آذانهم وقر!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً