رانا أبي جمعة

إعلامية وكاتبة لبنانية

الخيانة.. اتهام يطال حتى الأكاديميين في تركيا!

الانتهاكات بحق الحريات في تركيا تتواصل، وليس اقتحام مقر صحيفة "زمان" المقربة من غولن في كانون الأول/ديسمبر الماضي وتوقيف صحافيين ومخرجين ومنتجين، إلا حلقة من هذا المسلسل المستمر.

أردوغان
أردوغان

يصر مؤيدو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على وضع موجة الاعتقالات التي طالت بشكلٍ رئيسي في الآونة الأخيرة الدائرة الصحفية المحسوبة على الداعية فتح الله غولن، على أنها ملاحقات واعتقالات وأحكام، لا شأن لرئيسي الجمهورية والحكومة بها، لصدورها عن السلطة القضائية.

قد يكون الأمر مقنعاً، في بلد يتغنى بالديمقراطية التي تتجلى بفصل السلطات لضمان الحقوق والحرية، ولكن التصريحات المتكررة لأردوغان، حول مساعيه لضرب ما يسميه "الدولة الموازية" التي يقف خلفها غولن، بعد تمكنه من التخلص مما أُطلق عليه في السابق بـ"الدولة العميقة"، الأمر الذي يضع القضاء التركي في موقفٍ حرج، إذ غالباً ما تأتي أحكامه بعد اتهامات يكيلها رأس البلاد.

الانتهاكات بحق حرية الصحافة تتواصل، وليس اقتحام مقر صحيفة "زمان" المقربة من غولن في كانون الأول/ديسمبر الماضي وتوقيف صحافيين ومخرجين ومنتجين، إلا حلقة من هذا المسلسل المستمر.

ولكن من المهم التذكير، بأنه سبق هذه الاعتقالات تلويح أردوغان بشن حملة جديدة ضد أنصار غولن وبملاحقتهم في "عرينهم" ومحاسبتهم "أياً كان من يقف بجانبهم أو ورائهم".

قبل ذلك، كانت محكمة جنائية في اسطنبول قد وجهت اتهامات إلى رئيس تحرير صحيفة "جمهوريت" ومدير مكتب الصحيفة في أنقرة بـ "التجسس" و"تسريب أسرار الدولة"، لنشرهما تقريراً في أيار/مايو 2015 حول شاحنات تعود للاستخبارات التركية محملة بالأسلحة إلى المسلحين في سوريا. الاتهامات التي أثارت ضجة كبيرة في تركيا يمكن أن تؤدي إلى الحكم على من أصبحا موقوفين بالسجن لمدة 45 عاماً.

وللأمانة، تعود العلاقة المتوترة بين الصحافة التركية والسلطات الى ما قبل عهد حزب العدالة والتنمية، ولعل عودة القصة القديمة لمجلة "Nokta" الى الواجهة مجدداً دليل على قولنا هذا. إدانة جديدة سجلتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ضد أنقرة لانتهاكها حرية التعبير، عبر السعي لمعرفة مصادر الصحافيين في المجلة الأسبوعية المعارضة المذكورة، التي كانت قد كشفت ممارسات تقوم بها القوات المسلحة من تصنيف للصحافيين بين موالين ومعارضين، ما اعتبر تمييزاً بحق وسائل الإعلام.

بحسب المحكمة فإن الإدانة والحكم بالتعويض المالي للصحافيين الذين تقدموا بالإدعاء، بني على اعتبار أن التدخل في عمل الصحافيين "لم يكن ضرورياً في مجتمع ديموقراطي"، ويتسبب بـ"منع كل المصادر المحتملة من مساعدة الصحافة في نقل معلومات الى الرأي العام، في مسائل تتصل بالمصلحة العامة، بما فيها تلك المرتبطة بالقوات المسلحة".


المعارضة والتصفيات الجسدية

لا تقع الصحافة فقط في دائرة القمع والاتهامات بالخيانة بحسب المعارضة التركية، التي تتخوف مما هو أشد خطورة أي التصفيات الجسدية التي قد تطال قياداتها.

لم ينسَ مناصرو "حزب الشعوب الديموقراطي" الكردي تعرض رئيس الحزب صلاح الدين ديمرطاش لمحاولة اغتيال فاشلة. كما لم ينسوا اغتيال نقيب المحامين، في مدينة ديار بكر، الكردي طاهر ألتشي في تشرين الثاني-نوفمبر الماضي، والذي قتل في تبادل لإطلاق النار بين الشرطة التركية ومسلحين لا زالوا مجهولي الهوية، رغم تعهد رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو بإلقاء القبض عليهم ومحاسبتهم.

ساد الاعتقاد سريعاً بأن السلطات التركية تقف خلف عملية الاغتيال، وذلك بسبب تأكيد المحامي ألتشي أن "حزب العمال الكردستاني" ليس منظمةً إرهابية كما تصنفه تركيا، ما يعتبر خيانة بنظر أردوغان.

من تشييع طاهر ألتشي
من تشييع طاهر ألتشي

الأكاديميون أيضاً...

من تظاهرة مطالبة بالافراج عن صحفيين
من تظاهرة مطالبة بالافراج عن صحفيين

وفي السياق، نظم عدد من الأكاديميين الأتراك والأجانب بداية هذا العام، حملة تواقيع بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في المواجهات، وحظر التجوال المفروض في جنوب شرق تركيا، حيث تمكنوا خلالها من جمع تواقيع 1128 أكاديمياً تحت عنوان "أكاديميون من أجل السلام"، و شعارهم "لن نكون شركاء في هذه الجرائم".

الخطوة لاقت آذاناً صاغية ولكن السلطة تلقتها بسلبيةٍ مطلقة، فكان الرد الشفهي العنيف لرئيس الجمهورية والقيام باعتقالات طالت بعض الأكاديميين الموقعين.

قال رجب طيب أردوغان ما حرفيته "تخرج علينا ثلة من الرعاع الذين يصفون أنفسهم بالأكاديميين والباحثين ويتطاولون على دولتنا التي تدافع عن مواطنيها وأراضيها… وهم يدعون أنه يتم انتهاك الحقوق والحريات… اليوم نواجه خيانة ممن يزعمون أنهم أكاديميون مع أن معظمهم يحصل على راتبه من الدولة".

وتابع: "أيّها المثقفون التافهون المنسوخون؛ إنكم تافهون ولا قيمة لكم! أنتم لستم مثقفين أو ما يشبه ذلك. بل أنتم جُهلاء وخونة لدرجة أنكم لا تعرفون ما يحدث في جنوب شرق البلاد أصلاً".

هذا ليس كل ما طال الأكاديميين، فقد حكمت محكمة تركية مؤخراً على معلمة بالسجن بتهمة إهانة الرئيس التركي، من خلال توجيهها إشارة "غير مهذبة" خلال تجمع سياسي عام 2014، و كان وقتذاك رئيساً للوزراء.

وعلى الرغم من عدم إقرار هذه المعلمة بالتهمة التي وجهت إليها، إلا أنها ستقضي 11 شهراً و20 يوماً في السجن.

إذن، هي ملاحقات وأحكام لن يسلم منها على ما يبدو أي قطاع يتسلح بالكلمة، وما يزيد الطين بلة  تسلح أردوغان نفسه بالمادة 299 من قانون العقوبات الذي يعاقب بموجبها كل شخصٍ يسيء الى صورة الرئيس بالسجن بعقوبة تصل الى أربعة أعوام. المعارضة تطالب بإلغاء هذه المادة وشبيهاتها لضمان حرية التعبير، لكنها حتى الآن ما زالت عاجزةً لا حول لها ولا قوة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً