عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya

التحذيرات الأمنية كما لو ملح على الجُرح

نكون نُمنّي النفس برسالة حب هاتفية من صديق، تُعيننا على الوقت، لنجد تحذيراً صارِماً بتوّخي الحيطة والحَذَر، والابتعاد عن أماكن التجمّع ومُجانبة مناطق لبنانية بعينها، ومُحاذرة الـ " المولات ". التحذيرات الأمنية (أميركية وفرنسية وبريطانية وسواها) وإن تخّص بها رعاياها، تنتهبني نهباً مُدمّراً، مع إنني أعرف في الحقيقة مغزاها السياسي ومدلولاتها، وأخمّن الغَرَض الحقيقي من إرسالها.

الأوطان في النهاية، مع تحذير السفارات أو من دون تحذيراتها، هي ما نحملهُ في دواخلنا،
الأوطان في النهاية، مع تحذير السفارات أو من دون تحذيراتها، هي ما نحملهُ في دواخلنا،

إن لدى اللبنانيين على وجه الخصوص، عبقرية التأقلم مع الخطر، والخسارات، وهضمها في مجريات أيامهم المُثقلَة بالهموم، كما المُراهنة على فَرَجٍ ما في آن. جميع الناس هنا عباقرة ما عداي. إنني أتظاهر باستئناف الأيام في ظلّ هذا الدمار الكبير المُحدِق بنا. أُصرّف هذا العيش كيفما اتّفق لأنني عاجزة عن فعل أيّ شيء. أستمّر في أيامي، أنفقها، ولا أعلن رغبتي ببلاد أكثر أمناً، لأنني في الحقيقة أسيرة لبيروت، فراشتي الثمينة، رغم أنني أرزح كما سواي من اللبنانيين، تحت إحساس خديعة كبرى، أو طعنة في الظهر. الحرب تؤذيني، دمعي سهل وقلبي طرّي، ولسوء الحظّ فإن صانعي الحروب لايقابلونني بعرفان الجميل.

 

لو إن الأمر يقتصر على تلك التحذيرات – صادِقة أو خبيثة – لكان إصراري العنيد على القلق، هو إصرار أيّ لبناني يعيش هنا، سواء بسواء. لكن الأمر في حالتي يبدو مختلفاً، إذ يروح قلقي يتفاقم عمْداً، أغذّيه بنفسي، أضفرّهُ بالحلكة والموت ، بدلاً من إسكاته أو مجرد قبوله كأمر مُعذّب وواقع اعتدناه. أنشط إلى تغذية شعوري بالقلق مُدرِكَة مدى الفتنة المريضة التي يُشّكلها الموت بالنسبة لي، فأنا حقاً وفي أكثر الأحيان، أرض خصبة لمثل المشاعر المتراوحة بين أقصى الغِبطة لدرجة الرعونة، وأقصى الحزن الذي ألقاهُ صاغِرة، مُستبعِدة أيّة بادرة إنفراج أو تفاؤل، في غِمار استنبات هواجس شيطانية وتغذيتها، لأكثر بكثير مما تستدعيه أية مصيبة، أمنية أو غير أمنية .

 

في التهديدات الأمنية، وفي كل ما يمّس جهازي العصبي، ألوذ بالكتابة. فعل الكتابة بحّد ذاته ليس مجرّداً، ولا يتنفّس في الظلام. كل كتابة مهما بدت بريئة ومُحايدَة، غاطِسة لابدّ في هذه القضية أو تلك، في ما يهّم فكرة الوطن أو يناكفها، حتى لو ابتعدت عن تناول الشأن العام، وحتى لو تناولت الأزهار أو الطيور أو الكائِنات الهشّة غير ذات علاقة بما يجري في عالمنا " المُكهرَب " هذا. الهروب من الخوض في السياسة، إلى الكتابة عن الطبيعة مُتناسيين " الفخّ " الإنساني الواقعين فيه جميعاً، لا يعني بالضرورة تمجيد الطبيعة أو الوقوع في غرامها ومن ثم هَجْر الكائن البشري المُتألم وعدم التفاعُل مع آلامه، قدر ما يعني حال " اليأس" التي وصلها الكاتب، ومحاولته عبر الكتابة، إيجاد بدائل تُعلن انصرافه القسري عن الخوض في متاهات ما يحدث على الأرض، كما وتُعلن استقالته مما يحدث، نافِضاً يديه – مُكرهاً – من عُقْم ٍعظيم يُصيب إنسانيّته في صميم قلبها.

 

كل كتابة، مهما بدت مُتوارية، هشّة وخالية من العبارات الغاضبة أو المُهلّلة، هي ضوع مسكين، في التعبير عن الانسحاب من مقتلّة كبيرة تدور رُحاها في هذا الوطن العربي، أو في سواه من أمكنة البؤس في العالم الفسيح. الكتابة في الحب، في زمن الدم هذا، هي صرخة استغاثة، وإشارة مُبطنّة إلى حاجتنا إلى هذا الحب، لدَرْء الكراهية المُتفشّية، والبرد الآخذ بروحنا. الكتابة في السلم وفي التسامُح والمحبة، لاتعني غيابنا عن روح الشّر والانتقام الناصبين أوتادهما في قلب نهاراتنا وليالينا، بل تعني حاجتنا إلى السلم والتسامُح والمحبة، كخشبة خلاص أخير.

 

إذا شعرنا بقدر من الهول والوحشة نتيجة ما يجري، وقدر أكثر من القلق المُعتاد، ذهبنا إلى الكتابة ليس لإصلاح العالم الذي فسد وانتهى أمرهُ، بل لنعلن تنصّلنا من هذا الفساد، في السؤال الخالد بين حنايا الكتابة : " ولكن ما الذي تسعون إليه بالضبط؟ كما لو نتكلّم إلى كائنات بشرية، مُسترسلين في احتجاجات ساذِجة وبريئة." نكتب في محاولاتنا إلى إيجاد تبريرات، إلى تقديم تنازلات عبر الحبر الرخيص، ونكتب كأدلّة أو وصايا تثبت براءتنا، وضرورة شرعية لاستمرار بقائنا، ونكتب لنكسر هذه الحلقة المُفرغة. يكون الأمر صعباً – نقول في الكتابة – لفَرْط ما يبدو العنف عادياً ومُبتذلاً.

 

نكتب في الأرق، انشغال البال، فقدان الوزن، قلّة الشهيّة إلى أيّ أمر أو مُتعة، فقدان الثقة بالآخرين، والأقراص المُنوّمة والكوابيس، ويكون وصف مثل هذه الأمور مُتاحاً في الكتابة لأنه موجود وحقيقي وليس أحجية كالسياسة. مع ذلك نسأل : ما الجدوى حتى من الكتابة ؟ في العالم ثمة الموت اليومي، أبرياء وغير أبرياء.. وثمة فظاعة موت الأطفال الذي يتخطّى الكتابة، ويدفعها إلى التساقُط حرفاً حرفاً حيال رهبة الواقع. موت الأطفال لا تفيه الكتابة، موتهم يجعلها مهدورة في بطالة عبثية، تُفضي هذه إلى إصابتنا بنوع نادر من الإحباط، كما لو نغرف آخر ما تبقّى من الجمال بجماع أناملنا التي نكتب بها،  ونرميه بتلذّذ كبير في عملية تعذيب الذات.

 

الأوطان في النهاية، مع تحذير السفارات أو من دون تحذيراتها، هي ما نحملهُ في دواخلنا، وليست مناطق و"مولات" وأماكن تجمّع وسوى ذلك. الأوطان هي كلّ يسكننا، هي حبنا وشوارعنا وعاداتنا الأليفة وناس البلد، فلا تُحِدث التحذيرات سوى مزيد الانتماء . التحذيرات تُشعرني بنوع من الإهانة الشخصية من مُجرّد أن دولة أجنبية تُحّذر رعاياها على أرضنا نحن من التجوال والسهر، كما لو إنهم ضيوف شرف أتونا ليشرّفونا، وآن أوان أن نحميهم من شرورنا وموبقاتنا وتفجيراتنا وأماكننا السياحية وغير السياحية واقعين في فخّ حضورهم المُشرّف، مؤتمنين على سلامتهم وسياحتهم وزرقة أعينهم، نحن الذين عانينا أرَقاً طويلاً من مكائدهم ومن فنون مؤامراتهم علينا.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً