محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

المهجّرون الأفارقة ولعبة الرمال المتحرّكة ..؟

ما نطق به الرئيس "فرانسوا هولاند" عن سوء نيّة قبل نهاية عهدته في حق الجزائر هو نتيجة حقد دفين منه ضدّها، لأن الجزائر رفضت السير في قراءاته السياسية لإحداث مالي والحرب عليها، خاصة ما تعلّق منها بقضية الشمال أو حتى في قضية التدخّل الفرنسي في إفريقيا الوسطى .

الجزائر رفضت الدخول في حرب مالي واتّجهت إلى المُصالحة بين الإطراف المُتنازعة

ربما يودّ بعض أعداء الجزائر اللعب بالنار فيها بعد أن فشلوا في زجّها في سنوات الربيع العربي المشؤوم وفي ضمّها إلى محرقته..ربما  أيضاً يتم ذلك بدافع البحث عن النفوذ فيها من خلال ما يمكن أن توصل إليه هذه الهجرة أو على الأقل بحثاً عن ماضٍ فقدوه وعن توسّع أضاعوه، خاصة فرنسا وإسرائيل..فرنسا تعيش حال الإحباط  مما هي عليه من انكماش اقتصادي ومن تضعضع سياسي. إذ فشلت كل أحزابها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة وفاز بها من لا حزب له، إذ لا حزب أو ائتلاف فيها اليوم يحكم فرنسا، بل لا حزب فيها يملك مساحة مهمة  في الشارع الفرنسي، فالرئيس" ما نويل ماكرون" جاء من خارج الأحزاب وبدافع اليأس الذي أصاب المجتمع الفرنسي، وإسرائيل ربما وضعها الحالي مع المقاومة أشدّ وطأة عليها وعلى وجودها، فقد حوصرت بالمقاومة من الشمال والجنوب فضلاً عن تهديدات إيران المستمرة، لقد ضاقت بها الأرض وإن تسارعت إلى قضم متواصل للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية ، ثم إن فقدانها للردع بل صار توازن الردع مع حزب الله امراً مقضيّاً.

الخوف الذي يلاحق اسرائيل من إيران أو من المقاومة الإسلامية أو حتى من سوريا بات مستعصياً علاجه لأمنها وأمن سيّدتها أميركا، فالقاعدتان الروسيتان في سوريا أضحتا  تمثلان الثقل الحزين عليها..وما تردّده يومياً من أن التطبيع بينها وبين دول خليجية ما هو إلا محض افتراء، فالشعوب وليس الحكّام من يقرّ ذلك وهي تدرك ذلك جيداً، والشعوب لا يمكنها أبدا أن تتنازل عن مواقفها وإن تراخت لظروف ما، وهي ظروف طارئة، والطارئ لا يُبنى عليه الدائم كم يقول الكاتب الفرنسي " أندري مارلو" ، ولذلك تحاول وبقوة ولوج إفريقيا وزرع مخابراتها وسط اللاجئين بحثاً عن موقع قدم لها فيها ، لأن إفريقيا تمثل للعالم اليوم الأمل الجديد بثرواتها وأسواقها العذراء..من هنا فإن الجزائر أخذت الحيطة وبشكل جدّي من تسرّب عناصر الموساد مع بعض المهاجرين وهو أمر محتمل جداً بالنظر إلى تواطؤ بعض حكّام إفريقيا معها مؤخراً،.

في بداية الثمانينات التقى على غير ميعاد مدير المخابرات الفرنسية السابق ب"ألكسي  كوسيغين" في سويسرا، وفي حوار مطوّل معه أشار إلى أن انتصار الإسلام في شمال إفريقيا سيكون نهاية للحضارة الأوروبية في إفريقيا كلها ، وأن العالم سيواجه أزمة حقيقية "بالتأكيد فإن التعامل بين الغرب وهذه المنطقة سيكون وقتها تعاملاً مادياً وهذا طبعاً لا يُريح فرنسا التي بنت تاريخها على موازين الماضي الاستعماري لها، فضلاً عن النظرة الصليبية التي ظلّت تحكم سياستها. إذن الإشكالية الأولى للأزمة هي الإشكالية الفرنسية وحل هذه الإشكالية يتم بالأساس بمعرفة خطواتها في الداخل والأطراف التي تقوم برسم هذه الخطوط من مواقع صنع القرار السياسي، واليوم إذ تحاول فرنسا العودة إلى جرائم ماضيها لتصنع لغيرها الأخطار وربما الأسوأ في التاريخ.. تحاول ذلك إسرائيل وان كانت إسرائيل تحاول من الداخل وبواسطة مخابراتها ( الموساد).. أو من خلال بعض حكاّم إفريقيا المأزومين،

الجزائر رفضت الدخول في حرب مالي واتّجهت إلى المُصالحة بين الإطراف المُتنازعة، في حين حاولت فرنسا اللعب على الجيش الوطني الشعبي بقولها إنه جيش قوي ويمكنه ببساطة تطويع المنطقة ، ولكن لحساب فرنسا طبعاً، ومعلوم أن الجيش الفرنسي موجود في 13 بلداً إفريقياً، لماذا إذن، تطلب من الجزائر التدخّل في شمال مالي إن لم يكن لحماية جيشها فهو لحماية مصالحها على حساب البلدان الإفريقية..اللعبة واضحة والموقف الجزائري واضح أيضاً. وأمام هذا الرفض  لابد لساسة فرنسا من إعادة حساباتهم وبطرق ملتوية لمعاقبة الجزائر، فكانت الهجرة القيصرية وغير الشرعية من القارة الأفريقية إلى الجزائر قصد ترتيب البيت الجزائري وفق منطق الإغراق بالأفارقة واعتبارهم كلاجئين تحت حماية الأمم المتحدة !! فاستقبلتهم بدافع إنساني وعاملتهم معاملة إنسانية ولكن في نفس الوقت كانت تراقب وضعهم عن كثب، لقد تبيّن لها لاحقاً أن "الموساد" والأجهزة الأمنية الفرنسية  تلعب وسط البعض منهم وهي الفكرة  الأساس من وراء هذا التهجير، وإن كانت ظاهرياً هجرة من الحروب التي تشهدها القارة .. لقد استمر  " تصاعد موجة تدفق المهاجرين الأفارقة إلى الجزائر بشكل ملحوظ ، مؤخراً،أدّى إلى بروز مخاوف وهواجس أمنية من إمكانية تأثير هذه الظاهرة على الأمن القومي للبلاد في ظلّ التهديدات الإرهابية، وخاصة بعد بروز مواجهات متفرّقة بين المهاجرين وسكان الأحياء الجزائرية، بسبب إقامتهم العشوائية ونصبهم المخيمات في الشوارع ." لم تكن إسرائيل مجرّد اسم على طابع  سياسي  محسوس وغير ملموس بداية.

مقالات السفيرة الأميركية السابقة في الجزائر، توضح الأمور أكثر فأكثر، فالجزائر لا يمكن استهدافها الآن مادامت أوروبا تستند إليها لرسم سياساتها الداخلية كما تشير.. فالمصالح التي تحكم أوروبا الآن مع الجزائر أكبر من أن تضيّع  أوروبا هذه الفرصة، فالجزائر تضغط على العالم باللاجئين الأفارقة، لكن في حفريات التشابك الفرنسي الإسرائيلي هذا تبدو أن حرب العبيد  في أميركا تعود من جديد برداء لاجىء سياسي،"التاريخ يُعيد نفسه "ويتغذّى بمُسمّيات جديدة، هم صاروا أداة ضغط وليسوا أداة إنسانية من حيث المواقف الفرنسية والأميركية، لكن من وجهة النظر الجزائرية وتعاملها مع واقعم هم غير ذلك.. سياسة "ساركوزي" صاحب اللعبة القذرة  في مالي واضحة من بدايتها وهي تدمير الموقف الجزائري من أدعياء الربيع العربي المشؤوم وما السيّئ الذي يدعون من ورائه الخير لإفريقيا كما يدعونه للجزائر..؟ واضح ذلك، غير أن الجزائر فتحت أبوابها  للمهاجرين ليس حباً فيمن هجّروهم ولا خوفاً منهم وإنما حجّة لها أمام العالم على أنها لا تتبنّى المواقف غير الإنسانية ولا تتهرّب من مسؤولياتها الأممية.. فتحت المجال الجوّي أمام فرنسا لأن هناك ضريبة على الجزائر يجب أن تدفعها وهي الأخف وغير مؤثّرة في الوضع السياسي  لتظهر من ذلك أمام العالم وشعبها أنها تعلم ماذا تفعل.

سمحت بدخولهم إلى الجزائر بداية للسبب ذاته، وهي تعرف أنهم غير قابلين للاندماج المؤقت في المجتمع ، وفعلاً الشعب ملّ من مشاكلهم واعتداءاتهم، وحين تفاقم الوضع الاجتماعي بسبب مشاكلهم وتبيّن أن إطرافاً منهم تخضع لتوجيه خارجي وخاصة من إسرائيل قصْد خلق توتّرات اجتماعية قد تصل إلى فوضى عارمة، لذلك وجب على الدولة أن تتحرّك باسم محاربة الإرهاب والجريمة المنظّمة  لتنقلهم وتغلق ملف مالي بشكل دولي، الجزائر تورّطت لما فتحت المجال الجوّي أمام فرنسا ، أما الْيَوْمَ عليها أن تردّ على أخطائها بتوضيح للعالم بأن الجماعات المسلّحة في إفريقيا التي ضربتها المجاعة بسب أخطاء مَن يدّعون محاربة الإرهاب خارج حدودهم عليهم هم المسؤولية الكاملة في ظهور الإرهاب والجريمة المنظمة، وإذ يبدو أن إفريقيا استسلمت منذ تفكّك السودان وسيطرت جماعات التطرّف على مناطق الصراع فإنها لم تعد لقمة صعبة على أميركا وإسرائيل لكن تبقى الظروف المُتآكلة تقيّد الجميع  وتحد من طغيانهم.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً