عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya

ضوضاؤنا ... وصَمَم بيتهوفن الخلاّق

عملاق عازفي البيانو، لازمتهُ عادة المشي طوال حياته، فكانت هذه رياضته المُفضّلة، البدنية والعقلية على السواء. في جيب معطفه كان بيتهوفن يحتفظ بورق لتدوين أفكاره الموسيقية أثناء توّغله في غابات فيينا التي عاش فيها شاباً. تسويداته وتدويناته غدت المرجع الرئيس لأعظم أعماله، وتضمنّت بعد وفاته أضعاف ما خلّفهُ من تراث موسيقي نادر.

في سيمفونيّة بيتهوفن التاسعة – على صَمَمه – نرى إلى هذا العمل كما لو يؤرّخ علاقة أو يُحدّد عهداً رائداً لم يُعرف قبلاً في فن الموسيقى العالمي

جحيم هذه الضوضاء التي تصرعنا – لست في وارد تعداد مصادرها، فاللبنانيين على دراية موجعة بها وبأسبابها وأذاها – تجعلني أحسد بيتهوفن، ليس على ريادته الموسيقية، بل على صَمَمه.

الضوضاء ليست موضوع مقاربتي هنا، بل هي الموسيقى المتعلقّة بالأحلام والرؤى والأخيلة، بعد أن أصاب الصَمَم سيّدها. " لودفيغ فان بيتهوفن (المولود في مدينة بون في ألمانيا ) القميء – على ما كانوا يصفونه – المغلوب على أمره، الخالية حركاته من الرشاقة، والذي نادراً ما يُمسكُ شيئاً من دون أن يُوقعهُ ويكسرهُ " كسرَ جدار الصوت بينه وبين العالم ودخل إلى عالمه ليمحضنا جمالاً خالداً .

اللبنانيون على وجه العموم، بعد أن استعبدتهم الأصوات الشيطانية التي تصّم الآذان، وملكت نهاراتهم ولياليهم، ولم يعودوا إلى السؤال عن مصادرها بحكم العادة واليأس الآخذ بهم، نرى في المقابل أن بيتهوفن لم يتبع أيّ أمر من دون سؤال، ولم يُطبّق أيّة قاعدة موسيقية من دون السؤال عن ماهيّتها ومصدرها:  "لماذا " و " كيف " .

عملاق عازفي البيانو، لازمتهُ عادة المشي طوال حياته، فكانت هذه رياضته المُفضّلة، البدنية والعقلية على السواء. في جيب معطفه كان بيتهوفن يحتفظ بورق لتدوين أفكاره الموسيقية أثناء توّغله في غابات فيينا التي عاش فيها شاباً. تسويداته وتدويناته غدت المرجع الرئيس لأعظم أعماله، وتضمنّت بعد وفاته أضعاف ما خلّفهُ من تراث موسيقي نادر.

في عام 1798 بدأ بيتهوفن يشعر بالصَمَم – كصَمَم معظم اللبنانيين اليوم- وهو التاريخ الذي حدّدهُ بنفسه لبداية الكارثة. وكحالنا أيضاً، لم يأخذ أعراض صَمَمه مأخذ الجّد في بادىء الأمر، حتى بدأت الحقيقة تتأكّد له، فأخفى مرضه عن أقرب الناس إليه من شعوره بالمهانة والقهر، مهانة الاعتراف التي نُخفيها بدورنا.

في تفاقم أحوال صَمَمه، اعترف يوماً لصديقه :" إن أذني تُصفّروتؤلمني ليل نهار وبشكل دائم ، وإن الله وحده يعلم ماذا سيؤول إليه أمري " .

أمّا كيف قُيّضت له كتابة الموسيقى، واستلهامها، وعزفها على الرغم من صَمَمه الكامل، فذلك أمر أعزوه إلى خياله المُتحرّر من سيطرة العقل ومن الاهتمام بالاحتمالات. مجازفات في فكرة ما، مشهد في الذاكرة ، شعور ما يرقد عميقاً، بالنهاية حالة مُتعذّرة على التفكير العقلي ورغبة في عدم الاعتراف بإعاقة تهدر في دمه خذلاناً وخيبة.

في سيمفونيّة بيتهوفن التاسعة – على صَمَمه – نرى إلى هذا العمل كما لو يؤرّخ علاقة أو يُحدّد عهداً رائداً لم يُعرف قبلاً في فن الموسيقى العالمي. في هذه المقطوعة تحديداً قال فاغنر : " عاش العالم ظاهرة نادرة قلّما يجود التاريخ بمثلها في أيّ زمان أو مكان، ولعلّ الله قد خلق العالم – على ما قال الناقد سنتيانا – حتى يكتب بيتهوفن سيمفونيّته التاسعة.

أستمع إلى " ضوء القمر" سوناتا للبيانو، تتسّم بالشاعرية والثورية الجمالية وبشخصية بيتهوفن الرومانتيكية.... إلى أن تتخطى ذاته نحو شعور أعمّ وأعمق، في وحدة إنسانية ذاهلة عن التشوّش وأصوات الخارج، متألّقة بصفاء وسلام بين كل البشر ( ليحتويكم الحب يا ملايين البشر .. ها هي قبلة لكل العالم ).

الحلم هو النموذج لنوع الخيال الذي أعتبرهُ الاكتشاف الأكبر لبيتهوفن بسبب من صَمَمه وبفضل هذا الصَمَم، كما أسأل آن أستمع، كيف يمكن للخيال الجامِح غير المُسيطر عليه أن يبني مؤلفاً ذا بنية متماسكة، والتي بتعريفها من المفترض أن تكون استنطاقاً واضحاً للحياة بكل جزئيّاتها ومشاهدها وأصواتها ؟ كيف يمكن لمثل عناصر الحياة المتشعّبة والكثيرة، أن تتحدّد في قطعة أو سوناتا أو مؤلّف لرجل أصَمّ ؟

تلك كيمياء حقيقية بين مشاعر هذا الموسيقي وبين العالم، أفضت إلى ثورة جمالية هائلة. الأسئلة هنا بعيدة عن كونها علمية بالمرّة، سوى أنني أحسب أن " الداخل " الغني لبيتهوفن أعطى أعماله وحدة متماسكة مستندة أيضاً إلى ذاكرة جبارة ومُلونة بكافة التفاصيل التي تمنح الموضوعات وحدة .

هل هي الموسيقى بشكلها الأعظم ؟ بشكلها الصحيح؟ بالنسبة لي نعم، الموسيقى هي تأمّل في الحياة من خلال ما يُسمّى بالسماع الشخصي حين يختفي السماع الذي نعهده لدى العاديين . سماع شخصي " عبقري" ، مُتوّهم وفائض عن عادية السماع.

الحياة الموسيقية لبيتهوفن على الرغم من عدم الإجماع على توصيفها من قِبَل النقّاد، تتسّم بمراحل ثلاث : الأولى، أعماله المدموغة بالطابع الكلاسيكي لهايدن وموتسارت، وتشهد هذه الفترة ما يقرب من خمسين عملاً موسيقياً. الثانية معجونة بمشاعره ويغلب عليها ميله إلى أن يكون إنساناً محبوباً سيّما وأنه إنسان مُحب . لقد عانى بيتهوفن بعض الشيء من عدم وسامته ومن نفور الجميلات منه رغم موسيقاه العظيمة. الجميلات اللواتي أحبّهن لم يُحببنه، وتشهد فترته الموسيقية الثانية على رغبته العميقة إلى الحب. الفترة الثالثة التي شملت السنوات العشر الأخيرة من حياته تضمّنت بالإضافه إلى مجده الخالد بتحقيق سيمفونيّته التاسعة، سوناتات بالغة الثراء اللحني إلى رباعيات وتريّة ، مُتوّجة كلها بـ: " القدّاس الكبير" حيث نلمس ونحسّ، بل نرى في هذا التأليف الشاهق ذروة الصراع الشخصي لبيتهوفن، مع مرضه وقدره ، كما يتجلّى تعبيره عن فرديّته وشاعريّته وفلسفته، وفيها يتخطّى الموسيقي نفسه إلى شعور أعمّ وأعمق.

مرض " الصفراء " لازمهُ منذ يفاعته، وبقي يُهدّده طوال شبابه وعطاءاته حتى تمّكن منه وقتلهُ.

على فراش احتضاره، وصلتهُ هدية من صديق ، هدية من نبيذ " الراين" الذي كان مولعاً به فعلّق قائلاً : " وا أسفاه .. لقد وصلت مُتأخّرة " . في لحظة احتضاره هَمَسَ للمُحيطين به : " هلّلوا أيها الأصدقاء ... فقد انتهت المهزلة".  ليأت وليشهد مهازلنا وضجيجنا الفارغ الذي يصمّنا .. صاحب المهزلة الأنبل والأجمل في العالم.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً