قاسم عزالدين

كاتب لبناني وباحث في الشؤون الدولية والإقليمية

الحريري سجين "سفربرلك" السعودي؟

يبدو أن الحكم السعودي الذي يؤرقه إحساس عميق بخسارة حروبه ضد إيران وفي اليمن وسوريا والعراق، يستلهم "سفربرلك" العثمانية في مسعى تجنيد ما يراهم رعاياه وسوقهم إلى الحرب. ولا ريب أن ابن سلمان الساعي إلى وراثة عرش الرجل المريض، يرى الرئيس الحريري أحد رعاياه المحظيين الذين يخرجون عن "البيعة على السمع والطاعة" لحظة إعلانه الحرب ضد إيران وحزب الله.

الحريري المتآلف مع السياسة السعودية في المنطقة تعرّض لانتقام ابن سلمان قبل إلقاء القبض عليه

في ذاكرة رعايا السلطنة العثمانية من اللبنانيين والسوريين وغيرهم، أن السلطنة شرعت "بسفربرلك" حين باتت على قاب قوسين أو أدنى من الانهيار في الحرب العالمية الأولى وعرضة لوراثة تركة الرجل المريض.

وعدا عن منهبة القمح والبغال وأرزاق الأرياف التي تجنّد فيها الجيش "الإنكشاري" العثماني، صادر العثمانيون الشباب والرجال لسوقهم إلى الحرب وأذاقوا الأهالي في ملاحقة أولادهم إلى الجبال الوعرة مرّ القهر والعذاب.

يبدو أن الحكم السعودي الذي يؤرقه إحساس عميق بخسارة حروبه ضد إيران وفي اليمن وسوريا والعراق، يستلهم "سفربرلك" العثمانية في مسعى تجنيد ما يراهم رعاياه وسوقهم إلى الحرب. ولا ريب أن ابن سلمان الساعي إلى وراثة عرش الرجل المريض، يرى الرئيس الحريري أحد رعاياه المحظيين الذين يخرجون عن "البيعة على السمع والطاعة" لحظة إعلانه الحرب ضد إيران وحزب الله.

فالرئيس الحريري المتآلف مع السياسة السعودية في المنطقة تعرّض لانتقام ابن سلمان قبل إلقاء القبض عليه، بنيّة تصفيته سياسياً وبخلفية تصفيته جسدياً على الأرجح بحسب ما تطول يده. فقد عمل وليّ العهد جلّ ما يستطيع لتقزيم الحريري في أعماله وموارده ولم يرعوِ الحريري بل تمرّد بهدوء على وليّ الأمر في محاولة انفتاحه على قطر وعلى تركيا وفي مساعي استعادة نفوذه السياسي في التسوية الداخلية اللبنانية وتبوئه رئاسة الحكومة.

الحريري لم يقبل على ما يبدو ما يصبو إليه ولي العهد وعادل الجبير الضغوطات لدفع الحريري على الانتحار، في سوقه على رأس ميليشيات خلفية لقتال حزب الله في شوارع بيروت. وما لا يقدر عليه الرئيس الحريري وراء ظهر المقاومة من إشعال فتنة طائفية وتفجير الاستقرار الأمني والسياسي، حاول ثامر السبهان أن يأخذه على عاتقه من دون جدوى بارزة طوال أشهر تحرّكه مع الوزير السابق أشرف ريفي وبعض أعضاء صقور كتلة المستقبل.

فالتحولات الإقليمية الكبيرة وفي صلبها تحرير الجرود اللبنانية، التي أنتجت التسوية السياسية برئاسة الجنرال ميشال عون، تُفضي إلى نواة وحدة وطنية داخلية أكثر صلابة من أن تفجّرها مراهنات مزاجية عبثيّة.

الحكم السعودي الذي يستلهم "سفربرلك" العثماني، يخطر له ملاحقة اللبنانيين في أرزاقهم وملاحقتهم إلى الجبال لسوقهم إلى الحرب كما جاء على لسان السبهان في تهديده كل اللبنانيين بتهمة دعم الإرهاب إذا لم يحملوا السلاح ضد المقاومة.

وهو دليل على أن الحكم السعودي يحاول أن يغطي قشرة الحكم في قرع طبول الحرب وخبطه خبط عشواء على غير هدى. فالمراهنة على تمهيد الطريق في الشوارع اللبنانية أمام عدوان إسرائيلي ضد المقاومة، لا تبدو محسوبة بالحد الأدنى وفق حسابات موازين القوى الفعلية ووفق الظروف والمتغيرات الإقليمية. ولا تبدو محسوبة في التوقيت وبالتوافق الحاسم مع الدول الغربية وإسرائيل.

وربما تؤكد ردود الفعل على طبول الحرب السعودية وعلى اعتقال الرئيس الحريري، أنها مراهنة أمنيات مشبعة بالثأر والانتقام الذي يغذّيه صهر ترامب جاريد كوشنر بأحلام العظمة في سهرات عمل ليلية في الرياض.

الرئيس عبد الفتاح السيسي كان السباق في نبذ هذه المغامرة في إعلانه عن رفض أي اجراء انتقامي ضد إيران والمقاومة. وسرعان ما لحق به الاتحاد الأوروبي ثم وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون وجيفري هاريجيان ممثلاً وزارة الدفاع الأميركية وكبريات الصحافة الأميركية كواشنطن بوست ونيويورك تايمز.

وها هي باريس تنتهز الفرصة لتوجيه ركلة قويّة لابن سلمان في تصدّر المساعي الأوروبية لإطلاق سراح الرئيس الحريري وحماية الاستقرار في لبنان، على الرغم من وعد بن سلمان في لقائه مع ماكرون تمويل القوات المشتركة لدول غربي أفريقيا في الساحل.

بينما تسعى إسرائيل إلى استخدام ابن سلمان كأداة في حملتها الإعلامية والسياسة عبر توجيه سفاراتها لتعميق اتهامات الحكم السعودي ضد المقاومة وإيران في الدول الغربية.

ترامب لا يخفي عزمه على تفليس السعودية مقابل دغدغة أوهام ابن سلمان بأحلام النفوذ والمكانة وفي آخر المطاف يضغط لتحويل شركة آرامكو إلى بورصة نيويورك بحسب غاي كاروسو المسؤول السابق في وزارة الطاقة الأميركية. وبموازاة نصائح كوشنر ومبعوث ترامب جيسون غرينبلات يصفي ابن سلمان منافسي الشركات الأميركية في السعودية ومنافسي ابن سلمان في الحكم إذا لم ينجح في تحقيق انتصار"بطولي" ضد إيران وفي المنطقة.

لكن مغامرات ابن سلمان في داخل السعودية ومحيطها الاقليمي تتجاوز خط العودة عن حافة الهاوية. لعله يمنّي النفس بضجيج طبول الحرب فالغريق لا يخشى من البلل.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً