عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya

شراء الكتب: تحرير للذات وشأن روحي وداخلي

من المحتم، أن معارض الكتب تُتيح لك الفرص المحسوبة بدّقة، لاختيار ما ترغب من قديم، أو جديد الكُتّاب الذين تهوى أعمالهم. بضربة واحدة، أو زيارة واحدة في عبارة دقيقة، إلى المعرض السنوي للكتاب، تضمن أو تكفل مؤونتك السنوية إن شئت ممّا ترغب وتُحب لهذا الكاتب أو ذاك.

بعض انتقاءاتي تكون خاسرة في مثل المكتبات القديمة لكنني أبداً لا أستخدم أو أُجيّر هذه الخسارات لصالح ارتياد المعارض السنوية

عملية اقتناء الكتب – بحسبي - تحرير للذات وشأن روحي وتعبير داخلي، لذلك تتوزّع وتتنوّع كيفية اقتنائه لدى كلّ منّا. لقارىء الكتب، طقوسه إذن في اقتنائها. يمكن لقارئة نهمة مثلي، أن تغفل مناسبة المعارض السنوية للكتب لأسباب لا علاقة لها بمنطق البيع والشراء وليست بالضرورة الطريقة المُثلى، لكنها طريقتي.

 عملية شراء الكتب بالنسبة لي، تتعاظم فيها فرص سوء الفهم، كما تمتزج عناصر رغبتي ب" الكتاب" بشكل عام، بعناصر لا علاقة لها بتوفّرالكتب التي تُتيحها  المعارض، ولا حتى بأسعارها المتهاودة إن صحّت هذه الأخيرة. أي بشكل أكثر  دقّة، يمتزج ما هو عادي وطبيعي- فرصة شراء الكتب من المعارض- بما هو غريب وشخصي ويعود لطبعي وسلوكي بنسب متفاوتة وبتأثيرات ونجاحات تتفاوت نتائجها.

في الغالب، أنا ممثلة صادقة لميولي ورغباتي التي تتّسم ببعض الخصوصيات الثابتة. ولعلّ طريقة بروز هذه الخصوصيات، هي تجنّبي- لأماكن تجمّع الناس في سعيها إلى الكتب- ما تمثّله وتتظهر فيه المعارض بالضرورة- واقتصار حركتي وسعيي على التردّد على مكتبات بعينها تجمعني وأصحابها علاقة ثابتة ولطيفة. مكتبات في حلّة بسيطة ، فوضوية العرض حتى وغير حداثية بالمرّة، أعني غير فسيحة وغير مرتّبة على نسق بعض المكتبات المشهورة، والبحث بنفسي عن كتاب ما لكاتب أحبّهُ، وانتشاله من بين أنقاض الكتب المبعثرة، ومن دون أن يكون إصداراً جديداً بالضرورة، وخصوصاً من دون وصاية صاحب المكتبة ومن دون أن يتابعني مطلق أحد بغية المساعدة أو سوى ذلك.

من المحتم، أن معارض الكتب تُتيح لك الفرص المحسوبة بدّقة، لاختيار ما ترغب من قديم، أو جديد الكُتّاب الذين تهوى أعمالهم. بضربة واحدة، أو زيارة واحدة في عبارة دقيقة، إلى المعرض السنوي للكتاب، تضمن أو تكفل مؤونتك السنوية إن شئت ممّا ترغب وتُحب لهذا الكاتب وذاك فلست أنتقص هنا من هذه المرونة الشرائية للكتب ولست في صدد ذمّ المعارض، فالأمر على ما ذكرت على علاقة بي، وهذه " الهبة" التي تمنحها إقامة مثل هذه المعارض لمرتاديها العاديين، لا تناسبني، ولا تناسب أو تُقيم ذلك التوازن الروحي في الغالب، الذي أتبعهُ تقريباً في كل أول شهر، وإن يكن يشتمل على أخطاء ومهارات في آن، سوى أنني أجد فيه، الفضائل التي أرجو، ومتعة عظمة أن أنتقي وأنفض الغبار عن الكتاب المنسي، بدل أن يُعرض عليّ لامعاً مُتغاوياً، مُتشاوفاً على رفوف الكتب في المعارض.

بالتأكيد ، بعض انتقاءاتي تكون خاسرة في مثل المكتبات القديمة، لكنني أبداً لا أستخدم أو أُجيّر هذه الخسارات لصالح ارتياد المعارض السنوية، بل أنني في حال الخسارة، ولأمر أجهلهُ، أزداد عناداً وذوداً عن عاداتي وطقوسي، ذلك أنني أقع لا بدّ، بفضل المكتبات القديمة التي أشرت، على كاتبي أو كاتبتي المفضّلة، فأشتري جديدهم، وأعاود شراء قديمهم ، وأسمع لدى قراءتهم ارتجاجات الكلمات العميقة التي تسكنني طويلاً ، أسمع الكلمات كما يسمع كلّ منّا في داخله، صوته ووجيب دمه وسريانه في العروق.

في المنحى ذاته،  وبطريقة أكثر صدقاً، يبدو بالنسبة لي، مشهد الناس التي تجول في المعارض، تُشبهُ رياح الخارج التي تعصفُ وتُطيح بكل ما يُمثّل لي الكتاب وكاتبه

 من قيمة ، أرى فيه- وهذه رؤيتي وليست بالضرورة، حقيقية – مشهداً استعراضياً فولكلورياً ينقصه الحب والحياة. وإذا كنتُ أجانب مثل هذه القاعدة، أي التجوال العادي في المعارض كما يفعل خلق الله، فلأن الشعور بتنّوع غريب في انتماءات هؤلاء الجوّالين، وبثقافاتهم الملتبسة والمتقاطعة في هذا المكان المقدّس بالنسبة لي. أشعر بناس المعارض، سرعة تجوالهم، عدم توقفهم أمام العناوين، تقصّدهم لأماكن التصوير والتجمّعات ، أشعر أنهم قليلو العاطفة، ويؤثرون حفلات توقيع المشاهير من الكتّاب وأخذ الصوَر معهم لمجرّد أنهم مشاهير، غافلين الكتب الواعدة وأصحابها.

حالتي، وحالة البعض على ما أعتقد، تبتعد عن إضفاء الطابع التجاري في المعارض، لترتمي في لحظات دفء قليلة أمام بعض الكتّاب الشباب الواعدين، مُتجنبين الناس التي تجول لغير غاية القراءة الحقّة، من دون أن تولي تجوالها المغزى الحقيقي من اكتشاف جهد الكثير من الشباب، فيبدو لي أنه من الصعب أن يكون غرامي في القراءة على هذا القدر من الاستخفاف بالكتاب وبجهد كاتبه.

تُحاطُ الحياة التي تدور في المعارض، بإطار غائم ينسحبُ على الناس وعلى الرفوف المكدّسة التي تحمل الكتب، وعلى الناشرين والمسؤولين، وحتى على الكلام السريع غير المُنّغم الذي يدور على ألسنة المارّة هنا وهناك.

تحّل القطيعة الكاملة بيني وبين الناس وكتب الرفوف، ما أن أصل إلى أيّ " معرض كتاب " لأمر أجهلهُ، وأخمّنهُ في آن، نتيجة لكرهي لنوع الضوء في تلك المعارض بشكل أساسي، ولعدم استعدادي لخوض أيّ نقاش مع مطلق صديق ألتقيه في ذلك المكان كما لو يعتدي على إحدى أجمل خصوصياتي، القطيعة التي تتناسب مع طقوسي في ارتياد المكتبات، في كامل الرقّة التي تستحوذني وكامل الحرية التي أحبّ أن أرمح بها من دون تريّث ولا للسلام ، تحت غبطة كامل الحياة التي تستيقظ فجأة في المكان ، وفي الكتب وفي فرسانها.

قد يكون كل ما ذكرت ، تبسيطاً موارباً للقول بأنني لا أحبّ أن يرى مطلق كائن اختياراتي من الكتب، وقد لا أجد في هذا السرد السيّىء النية عن معارض الكتب ، سوى فرصتي لتثمين اختياراتي وحدي، وحركتي القليلة الدافئة من ضمن هذه الوحدة، في اختيار ما أحبّ من دون وصاية لا شكلية ولا فعلية، من دون وصاية – ولو غير مرئية- من أحد، وربما يخطر هنا ، أن كل هذه البراءة وهذا السرد الصادق، وكل هذا الحب للكتاب والتقدير لصاحبه ، لم يكونا إلا تمجيداً للحياة البديلة التي تمنحنا إياها الكتب ، والتي بالنهاية .. تُعيننا على الحياة .


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً