عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya

كيف الأحوال بالبلد؟

كيف تردّ على سؤال أحد الأهل أو أحد الأصدقاء على الهاتف، حين تُباغتك العناوين التي تجعل أيامك اللبنانية مُعتّلة، ومُرّكبة، فلا تستطيع معها بالتالي سوى ترديد عبارة واحدة:"ماشي الحال" وذلك رأفة بالسائل، ورأفة بك أنت نفسك بالدرجة الأولى.

تروح تُقرن الجنون الدائر في لبنان، بكل الأشياء الجميلة الباقية فيه
تروح تُقرن الجنون الدائر في لبنان، بكل الأشياء الجميلة الباقية فيه

"كيف الأحوال بالبلد" يسألك أحد من الأهل عبر مكالمة هاتفية من أحد أصقاع الغربة، فتحار في ما تُجيبُهُ. لاتملك بالطبع، جواباً تحليلياً شافياً، ولا ميدانياً تفصيلياً، ولا حتى جواباً رومنطيقياً أو عاطفياً مبنياً على محاكمة صلبة للفكر والواقع، فيما تتأصّل عذابات اللبنانيين، وتُراكمُ أوجاعاً. ما من إجابة لسائلك لا بشأن الأحوال بالبلد ، وبالتالي بشأنك أنت شخصياً ، من كونك مُنجزاً لوضع مُحيّر فتكتفي بهمهمة غير مفهومة، فيما تتأصل الحيرة، وتُراكم مزيد الحيرة كما لا تفعل في أيّ بلد آخر.

 "كيف الأحوال بالبلد؟" تصمت لأنك لا تعرف جمع شتات ما يتناتش البلد، وينتهبهُ في صوَر كثيرة متنوّعة. تردّ في أحسن الأحوال : " ماشي الحال "!! ولا تعرف أيّة حال هذه التي تمشي، ويفوتك أن الحال اللبنانية لم تكن في يوم من الأيام ماشية، ولن تكون ماشية تحت هذا الهراء الأيديولوجي، وتحت التجزئة الطائفية، والتدخلات الأجنبية، والبنية المتداعية، والخدمات المعدومة والفساد، والتنافر والتناحر بين مختلف القوى السياسية.

كيف تردّ على سؤال أحد الأهل أو أحد الأصدقاء على الهاتف، حين تُباغتك العناوين التي تجعل أيامك اللبنانية مُعتّلة، ومُرّكبة، فلا تستطيع معها بالتالي سوى ترديد عبارة واحدة:"ماشي الحال" وذلك رأفة بالسائل، ورأفة بك أنت نفسك بالدرجة الأولى. ثم أنك بعد برهة على الهاتف، وفي لحظة سماح ورحابة وعطف، تندم على قسوتك فتنتقل من "ماشي الحال" إلى تعداد ما تراهُ يثيرُ شهية السائل إلى بلده، فتروح تُعدّد أماكن يُحبها، وأكلات لبنانية يشتهيها، مُظهراً نوعاً من الشجاعة والترفّع عن المنغّصات التي تعانيها كمواطن لبناني، فتُذكرّهُ بالشاورما والفول والحمّص والفلافل والتبولة والمناقيش.. بالنزهات البحرية، والأماكن والأحياء التي شهدت طفولة وصبا السائل، متناسياً "قصة" الكهرباء والمياه والسلوكيات المرورية، والفوضى والصخب وانعدام اللياقات على مستوى الأفراد والساسة والإعلام والمرافق الاجتماعية وسوى ذلك. تتناسى في لحظة حنينه إلى البلد وسؤاله عن أحواله، فتقول له بأن الكلّ هنا ينتظرهُ، وبأن أوان زيارته أكثر من ضروري. تروح تُقرن الجنون الدائر في لبنان، بكل الأشياء الجميلة الباقية فيه. تروح تستبعد الخطر من دائرة الحديث، وتُظهر الحب بكل تجلّياته لكي تستميل ذلك البعيد في لحظة ضعفه إلى وطنه.

الأرجح أن موجة من التهكّم على البلد تستبطن حديثك إلى السائل من خلف البحار والمحيطات، غير أنك تحاولُ جاهداً التركيز على الوطن المتحوّل المتبّدل المليء بالأحداث غير السعيدة، إلى وهم الوطن، ومحاولة تخليصه من تقاطع الآخرين على أرضه والغرباء في تشاحنهم على كامل مساحته. أنت إن خلصت الى إغراء المتكلم البعيد في نهاية المكالمة بزيارة ولو خاطفة إلى بلده، فإنك تشعر في قرارة نفسك بأنك أوقعتهُ في مكيدة من نوع ما، وأنك أنت نفسك غير مقتنع بما انتهت إليه المخابرة التلفونية، وعليك أنت وحدك أن تتحمّل تبعات مطلق كائن يعيش في الغربة في حال مجيئه إلى لبنان ومشاركتك الأفخاخ اليومية التي أصبحت ماهراً بفعل العادة في التعامل معها، فيما هو لا يُجيد هذه المهارة ولا يفقه فيها شيئاً.

يسألك بكل بساطة: "كيف الأحوال بالبلد؟" كما لو أنه لا يعرف، كما لو أنه يتقّصد توريطك، كما لو ثمة عداء بينه وبين الأخبار التي تتناقلها التلفزة وسائر وسائل التواصل الاجتماعي عن أحوالنا، وعمّا آلت إليه حياتنا اللبنانية التي دربّتنا على أن نكون حذرين، وعلى أن الموت يتربّص بنا عند كل زاوية، وعلى أن هناءة العيش التي ننعم بها ظاهرياً، هي مجرّد خطأ ولا تعني شيئاً وليست من سيرورات حياتنا.

 يتحرّش بك السائل على التلفون، ويُغريك بشكل غير مباشر لتقول له شيئاً مُهدئاً، شيئاً واعداً عن رغد العيش ولطفه في بلد مثل لبنان، فتمتثل مُرغماً للعبة وتتحدّث إليه بلغة مُشوّشة عن أماكن اللهو والسهر، عن الداون تاون وجونية وجبيل والجنوب الذي عرف في غيابه عمراناً ورفاهية غير مسبوقين.

"كيف الأحوال بالبلد؟" فتجيب كالمسرنم بأن الأحوال عال، والبلد مأهول بسكانه وبالمغتربين والأجانب، بالسيارات والأرصفة العريضة والمحلات المزدهرة والحدائق العامرة . تتوقف للحظة عن الجواب، مُفسحاً للواقع الذي يقول بأن البلد يشكو من شيء يُشبهُ اليُتم ، وبيروت ضحية سوء حظ غير مفهوم، وتُفكرّ في ما ينتظر السائل على الهاتف، ما إذا كانت هذه بيروت التي يعرفها، أم هي أصبحت شيئاً فشيئاً مدينة أخرى سوف لن يتعرّف إليها في حال نصحته بالزيارة والمجيء.

ثمة حيّز زمني مضى ، جعل من تكوينها الجغرافي والمدني، شيئاً مفارقاً عمّا يظنّهُ السائل، شيئاً مفارقاً يتحدّى السائل والمجيب وسائر ناس البلد ولا سبيل إلى شرحه بكلمات بسيطة على التلفون.

لا سبيل إلى بيروت التي يعرفها، لا الشكل الهندسي ولا الأشخاص، ولا التكوين البانورامي، الزوايا والتربيعات ، الشواطئ ، والأحياء تحوّلت اإى أوتار مشدودة تسكنها ناس متوتّرة مفعمة بتوتّرها وعدائيتها وصرير أسنانها وسكاكينها وباختصار هي قسوة اللحظة وعنفها.

قلت له أخيراً: الأحوال جيّدة، نحن بانتظارك. أقفلت الخط. قلت في نفسي لعلّ في مجيئه شيئاً من تبديد ظلمة المكان. قلت أن في حضوره تغييراً لما يُطبق على عقلي وروحي ويدفعني كثيراً إلى انفراد وانفصال غامرين لا نفاذ بالهيّن إليهما. ولعل في زيارته أيضاً بعض التخفّف من الوحشة وفي حضوره ذلك الانتقال إلى الضوء، والتخلّص من الإنفراد الصارم، فتغدو الأيام سهلة، والنفوس طلقة ومفتوحة وجاهزة لاستقبال الآخر. قلت له الأحوال جيّدة ، ولعلّها تكون أكثر من جيّدة حين يأتي فنتبادل الهموم، والذكريات ، وكذلك الآمال التي لا بّد منها.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً