علي شهاب

كاتب صحفي وصانع أفلام وثائقية. له العديد من المقالات في CNN بالعربية، "هافنغتون بوست"، "السفير" وغيرها.

البيتكوين وأخواتها..هل نحن أمام نموذج بديل للاقتصاد العالمي؟

في الآونة الأخيرة، تشهد العملات الرقمية المُشفّرة تذبذباً غير مسبوق في قيمتها السوقية، ما يطرح مخاوف بشأن الاستثمار في هذا المجال وقدرة هذه العملات على ضمان استقرار الاقتصاد العالمي البديل الذي يجري الحديث عنه.

هذه العملات التي باتت بالمئات تخرق جداراً في واقع فرضه التطوّر التكنولوجي في العقود الأخيرة

على الرغم من أن أحد المآخذ الرئيسة على التداول بالعملات الرقمية المشفّرة يكمن في أنها غير خاضعة لسيطرة الحكومات، لكن مواقف الدول من هذه العملات يؤثّر على قيمتها.
قبل أسابيع، عاد "بيتكوين"؛ أغلى العملات الرقمية المُشفّرة، وأخواته إلى الارتفاع مدفوعةً بإعلان فنزويلا عن نيّتها إصدار عملة رقمية تخترق بها العقوبات الأميركية. تبعت ذلك، الأنباء عن توجّه تركيا وإيران لإصدار عملاتهما أيضاً، وليونة أبدتها حكومة كوريا الجنوبية إزاء التداول.
غير أن هذه الاحداث جميعها، سرعان ما اختفى أثرها الإيجابي وسط سيلِ من الأنباء السيّئة بدأت بإعطاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توجّهات لتقنين معاملات العملات الرقمية، على الرقم من اعتراض المصرف المركزي في موسكو على التداول بها أساساً. ومع ذلك فإن نفس الدعوة لتقنين العملات الرقمية المُشفّرة تتعارض ومبدأ هذه العملات، ما يعني عملياً رفض التعامل بها أو التشكيك بشكلها الحالي.
وحذت اليابان حذو روسيا بمطالبات الهيئات المالية بمرور العملات الرقمية المُشفّرة ضمن آليات حكومية فضلاً عن اتخاذ قرارات بإغلاق منصتّي تداول ما ترك أثراً سلبياً على قيمة العملات عموماً.
وزادت الطين بلّة عملية السرقة الضخمة التي تعرّضت لها شركة "كوين تشيك" بقيمة ناهزت الخمسمئة مليون دولار، عبر عملية اختراق برمجية هزّت أركان ثقة المتداولين كما الطامحين إلى الاستثمار في هذا المجال. أضف إلى ذلك، يطغى موقف واشنطن من العملات الرقمية المُشفّرة على مستقبلها. فالدولة الأقوى في العالم تطمح إلى فرض رقابة محدّدة على التعاملات بهدف مكافحة النشاطات غير المشروعة، كما لاحتواء احتمال قيام الجهات أو الدول التي تفرض عليها الولايات المتحدة عقوبات بالتملّص من خلال عمليات البيع والشراء عبر العملات الجديدة.
وفي جانب تقني، من المعلوم أن المُحلّلين في الأسواق المالية التقليدية يلجأون عادة إلى دراسة سلوك السوق لتقدير واستشراف المستقبل، لكن الحال مختلفة في مجال العملات الرقمية. إذ أنّ حداثة عهد هذه العملات نسبياً يعني غياب بيانات كافية تسمح بدراسة سلوك السوق والتنبؤ بالمستقبل. على أنّ تذبذب أسعار العملات الرقمية المُشفّرة لا يعني فقط الأشخاص الذين يمتلكونها. فقد أعطت هذه العملات، بغضّ النظر عن أدائها في السوق، تصوّراً لما سيكون عليه مستقبل الاقتصاد العالمي الذي بات يتأثّر بمسار الفردانية الذي يطغى على العالم بفعل التكنولوجيا والإنترنت.
والملفت أن هذه العملات التي باتت بالمئات تخرق جداراً في واقع فرضه التطوّر التكنولوجي في العقود الأخيرة. فبعد أن تحولّ مستخدمو الإنترنت إلى مساجين داخل الشبكة العنكبوتية بفعل سقوط خصوصياتهم، ظهرت فكرة "بيتكوين" وما تلاها من عملات، لتحطّم الواقع الافتراضي القائم عبر واقع افتراضي بديل أشد تعقيداً.
للوهلة الأولى، كل مشاريع العملات الرقمية تستند إلى مبدأ اللامركزية وغياب سيطرة جهة واحدة (حكومية كانت أم خاصة) و حرية الفرد في بناء منظومته الاقتصادية إن صحّ التعبير. غير أنّ الحكومات العالمية تكاد تتّفق على ضرورة تقييد عمل العملات الرقمية ضمن إطار تشرف عليه بذرائع أمنية واقتصادية واجتماعية وسياسية. ولئن كانت هذه الذرائع مفهومة ومنطقية، لكنها تعني أيضاً سلب هذه العملات من أكثر مبادئها جاذبية لمصلحة غير صحيحة بالضرورة. فمع ظهور الحواسيب الفائقة السرعة وتقدّم فيزياء "الكوانتوم"، هل من يقدر أن ينفي حقاً أن دولًا عظمى كالولايات المتحدة لا تمتلك التقنية حقاً لمراقبة ملايين العمليات المالية المُشفّرة؟
بمطلق الأحوال، لقد بلغ الربح من العملات الرقمية المُشفّرة حداً لا يمكن معه الرجوع بالزمن لما قبل صدور هذه العملات. على الأرجح، سيظهر جيل جديد من العملات المُشفّرة التي تعالج نقاط ضعف الجيل الأول وتوفّر للحكومات حاجاتها في الآن نفسه. هذا الجيل الجديد هو ساحة الاختبار الحقيقية للإجابة عن السؤال المركزي: هل بمقدور العملات الرقمية المُشفّرة أن تشكّلّ نظاماً اقتصادياً عالمياً بديلاً؟


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً