عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya

حين كانت روما أمامنا منذ اللحظة الأولى

ليس صحيحاً بالمرّة أنك حال تعتلي خشبة المسرح وتشرع في الغناء تنسى الناس والدنيا بما فيها. تبقى تراقب كل نأمة وكل حركة وكل شخص مستمع مع أنك توحي بإستغراقك التّام بالغناء. المهّم هذه حالي، ربما لأن الغناء هوايتي وشغفي وليست مهنتي. المشرفون على الحفل عمدوا إلى تهدئتي وقالوا إن القليل من التجوال في المدينة كاف لإراحتي وطرد كل هواجسي. قالوا أنها مدينة تُحب الغناء وتُحب الغرباء والتعرّف إلى فنون العالم كافّة وإلإ لما كانت الدعوة في الأساس.

داخل إحدى كنائس رافينا

بدت الدعوة إلى رافينا في إيطاليا مفرطة الرومانسية. دعوة إلى الغناء العربي عندهم في محاولة إلى "تلاقح" الحضارات. الغناء في إحدى كنائس رافينا، (على غرار الغناء في الأسمبلي هول - الجامعة الأميركية في بيروت) شأناً باهظ الرهافة من شفافية المكان وجودة تجهيز الصوت من كون المكان كنيسة في الأساس. قبلت الدعوة من دون تردّد.

بعد المطار فوراً بدأت البنايات بالتتابع على جانبي الشارع، لم نقطع دقيقة واحدة في الخلاء الذي إعتدنا أن نتدّرج فيه من المطارات إلى المدن. كانت روما أمامنا من اللحظة الأولى. في ما بعد، إثر وصولنا إلى رافينا على مبعدة لست أدري من الكيلومترات، علمت أن فكرة الضواحي مجرد فكرة جغرافية.

ليست البلدة ضاحية، فكل ما يُحيط بروما هو روما. كنت في رافينا قليلة الحسّ بأنني بعيدة عن بيروت، قليلة الحسّ بأنني مسافرة. نظرت بعين شبعانة إلى البلدة، كانت بالطبع فاتنة لكنني لم أكن جائعة لأرى أكثر من ذلك. ما كان يُقلقني شيء واحد، هو كيف يكون صدى غنائي العربي في آذان وأفئدة الغربيين؟

أسباب كثيرة جعلتني متوتّرة، لكن المدينة، اللغة، الناس، انقذوني من العجز وإنقطاع الشهية.

ليس صحيحاً بالمرّة أنك حال تعتلي خشبة المسرح وتشرع في الغناء تنسى الناس والدنيا بما فيها. تبقى تراقب كل نأمة وكل حركة وكل شخص مستمع مع أنك توحي بإستغراقك التّام بالغناء. المهّم هذه حالي، ربما لأن الغناء هوايتي وشغفي وليست مهنتي. المشرفون على الحفل عمدوا إلى تهدئتي وقالوا إن القليل من التجوال في المدينة كاف لإراحتي وطرد كل هواجسي. قالوا أنها مدينة تُحب الغناء وتُحب الغرباء والتعرّف إلى فنون العالم كافّة وإلإ لما كانت الدعوة في الأساس.

مدينة قديمة فيها آثار كثيرة على علاقة بفناني هذه المدينة وفلاسفتها وكتّابها وأشهر عاشقيها كذلك قديسيها، لكنني وجدتُ _ بسبب من قلقي _  مشقّة في تتبّع معالمها وحفظ الأسماء، كما أنني وجدت _ بسبب من تعرّج الدروب وإنحداراتها _  كأني أنظرها وأنا في وضع جسماني غير ملائم.

لم أعرف تماماً مشاعري تجاه حفلي المقرر في مساء الغد، كنتُ في "البرزخ" بين القلق والفرح. نمتُ في ليل إيطالي يعملُ كالساعة دون خلل أو جهد أو أحلام، ودون صوت خصوصاً، وها هو الصبح يعترض أيّ أفكار سوداء.

في "البروفات" التي إستغرقت النهار حتى آخره، إحتفظت بكامل خصوصيتي "الشعورية" أثناء التدّريب مع الفرقة الموسيقية، وقلت أن التركيز على الخصوصية سوف يُنجي، وسأرى إلى جمهور الصالة، كما لو أراهم من الجوّ، وتلك حكمة أبي لي في كل حفل أحييته.

في المساء، كان الجمهور يملأ الصالة، لكنني أنا أضعت خصوصيتي التي إحتميت بها طوال النهار. ففي إيطاليا، وفي حفلة غناء عربي لجمهور أجنبي كان الأمر مُرهقاً لي إلى حدّ، وأحسست أنني أرتجف كورقة. ببساطة أرتجف كورقة في مهب الريح أمام ناس غرباء. ثم أتت تلك اللحظة غير المفهومة، فوقفتُ مشدودة القامة وقلتُ في سرّي أن هؤلاء الناس الذين تكبدوا مشقة الحضور في البرد، يستحقون سماعاً جيداً على أقلّ تقدير، وإنني أنا نفسي أستحق أن أغنّي من كلاسيكيات مطربينا ومطرباتنا وعليّ أن أُسمع "الطليان" كل جميل من كنوزنا العظيمة. "ما دام تحّب بتنكر ليه" و"ليه تلاوعيني" و"حيرانة ليه" للست، ثم كرّت باقي الأغنيات التي أتت على الأمسية بالشكل المرسوم لها.

يُقال أن الجمهور الغربي لايُبذخ في مظاهر الإحتفاء والـ"التهييص" والـ"الآه" وسوى ذلك من التفاعل الذي يُشيدهُ مع المغنّي سواء كان عربياً أو أجنبياً. البذخ الحقيقي وجدتهُ، في الإستماع العميق، في الدواخل، في قسمات الوجوه، في الإنتباه إلى الموسيقى المرافقة، في الإغماضة الخفيفة أحياناً لتذوّق اللغة.. وأخيراً في التصفيق المتواصل في آخر الحفل.

كان الإستحسان يُحلّق في فضاء الصالة عمودياً، ويتعمّق في جوانبها الرحبة والمضاءة بشوع تُضفي الكثير من الأجواء العاطفية. هذا التزويق وتلك البهرجة اللونية هما بطبيعة الحال ليسا غريبان عن "الطليان" المصبوغين بكل أنواع الرومانسية التي تميّزهم عن باقي شعوب الغرب.

أحببت الإصغاء العميق كما لو أغنّي لكل واحد على حدة، ثم فاجأني التصفيق المتواصل الذي لم أعرف من أين نما. ليس الترحيب بـ"الآخر" المختلف في إيطاليا وبلاد الغرب على وجه العموم مجرد طلاء خارجي (نتكلم في الفنون هنا وليس في السياسة) الترحيب موجود في توازنات المجتمع نفسهُ، في ثقافته، في أخلاقياته، وخصوصاً الترحيب "الثقافي" على وجه الخصوص، والترحيب بما يعني الفنون "الأخرى" على وجه أخّص.

يُحب العرب أن يُقارنوا الطليان بهم، يقولون أن عواطفهم جيّاشة على غرارنا، طريقة عيشهم، طعامهم والوقت الفسيح الذي يفردونه لتناول الطعام، حبهم للكسل، حبهم للتمتع بنهاراتهم ولياليهم وعموماً فن العيش عندهم وتسييد "الغرام" والمرح والتخاطب بنبرات غاضبة أو فرحة بصوت عال، كذلك إعتبارهم للعائلة الكبيرة ولكثرة الأولاد فيها والتعاضد الأسري في ما يُشبه "المافيات" بالمعنى الإيجابي للكلمة.. هذا صحيح إلى حدّ. ربما يصّح الشعور بأننا نشبههم ويشبهوننا، لكنهم وهم يستمتعون بالحياة يصنعون مستقبلهم في آن. يأخذون حيّزهم على خارطة العالم وبين الشعوب المتقدمة.  إنهم يُشبهوننا أو نشبههم هذا صحيح لكن في القشور التي لاتصنع حياة عادلة بالنسبة لنا. مصائر العرب ومصائر الطليان وكل الغرب منسوجة من وقائع مختلفة والتزامات مختلفة وثقافات مختلفة، ومن المؤكد أن تلك الوقائع ليست في صالحنا أبداً.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً