فيصل جلول

باحث لبناني مقيم في فرنسا

بوكر أميركي خائِب

ساد إحباط غير مسبوق للأكثرية الساحقة من دول العالم جرّاء قرار" عبَثي وخطير" اتّخذه دونالد ترامب في الملف النووي الإيراني. الوصف لـ جو بايدن نائب الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما. إذا اسثنينا إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، لا نجد أثراً لمؤيّدين لهذه الخطوة التي تُضعِف "مصداقية الولايات المتحدة وتتنشر تعاطفاً واسع النطاق مع إيران بدلاً من عزلها" على حد تعبير أحد القادة الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأميركي.

لا شيء يدعو للإحباط اطلبوا من ترامب أن يكشف عن أوراقه وسترون إنه يلعب "بوكر خائِب"

الإحباط الأكبر سبقه إحباط أصغر نجم عن المساعي الفاشلة خلال الأيام العشرة الأخيرة لحمل ترامب على التراجُع عن قراره وتعطيل فرضيّة "العواقِب الوخيمة" التي يلوِّح بها في كلِ وقتٍ. يلي الإحباط سؤال إلى أين يتّجه ترامب؟ إلى قانونٍ جديدٍ يمنع إيران من امتلاكِ أسلحةٍ نوويةٍ ويحملها على التخلّي عن برنامجها الباليستي ويُقيِّد نفوذها في المنطقة" كما يلِّوح هو ومساعدوه؟ كيف ولماذا تقبل إيران؟ بواسطة العقوبات الاقتصادية القاسية. لكن العقوبات التي جاءت بإيران إلى طاولة المفاوضات لم ينجم عنها غير الاتفاق النووي الراهِن الذي يعطي الجمهورية الإسلامية الإيرانية أفضليات لا يُستهان بها. معنى هذا إن إيران لن تقبل وستُصعِّد وستستأنف التخصيب إذا ما خذلها الأوروبيون وتسير على خُطى كوريا الشمالية. ما هو الخيار البديل للسيّد ترامب في هذه الحال غير "العواقِب الوخيمة" التي لم تكن وخيمة أبداً مع كيم جونغ أون ؟
هكذا يبدو ألا شيء غير هذا السيناريو الذي سُرعان ما سيصل إلى الحرب. وهذا يتناقض مع الخُلاصات التي توصَّل إليها الأميركيون بعد حربي أفغانستان والعراق، ومنها خلاصة يُكرِّرها ترامب كالزجَّالين "دفعنا سبعة تريلون دولار في الشرق الأوسط وكانت نتائجها هباءً منثوراً"، يُضاف إلى ذلك نتائج الحرب على سوريا وليبيا واليمن وكلها لم تفضِ إلى نجاحات أميركية باهِرة، ناهيك عن أن الرأي العام الأميركي ما عاد يريد القتال في الشرق الأوسط وربما في أي مكان آخر في العالم. وهذا ما تدركه المؤسسة العسكرية التي وقف وزير دفاعها ورئيس أركانها إلى جانب الاحتفاظ بالاتفاق النووي واعتبراه مفيداً للمصالح الأميركية. أضف إلى ذلك العزلة الدولية المُشار إليها أعلاه والتي لا توحي بقدرة واشنطن على تنفيذ التهديد ب"عواقِب وخيمة" ، وبالتالي خوض حرب جديدة ضد إيران تمتد إلى الشرق الأوسط.
سيناريو "العواقِب الوخيمة" يجب النظر إليه من الجانب الإيراني أيضاً ؟ فهل يستمر الفريق الحاكِم بالرهان على حلٍ سياسي ذي أفقٍ مسدود؟ أم يخلي هذا الشأن لمعارضي الاتفاق الذين أصابت توقعاتهم في عدم الرهان على مصداقية الولايات المتحدة والشك دائماً بنواياها الشريرة إزاء إيران ؟
ثمة من يرى أن "العواقِب الوخيمة" قد تتولاها إسرائيل المسكونة بالكوابيس الإيرانية . فهل يمكن الرهان على تدخّلٍ عسكري إسرائيلي كبير ضد إيران يخلط الأوراق ويُعيد أميركا إلى المنطقة كما تشتهي المملكة العربية السعودية والدولة العبرية معاً؟ لنختبر فرضيّة هذا التدخّل في سوريا وقد رأينا من خلال العمليات العسكرية الدورية إن الجيش السوري وحلفاءه يردّون بطريقة فعّالة من دون اعتراض روسي في الحالين ، لكن من الصعب أن تقف موسكو على الحياد إذا قرّرت إسرائيل اجتياح سوريا أو شنّ حرب شاملة عليها. إذ لا نرى مصلحة روسية في اجتياح منطقة نفوذ استثمرت فيها طويلاً. أما الحرب الإسرائيلية على إيران فهي لا تنطوي على عناصر جدية مثلها مثل الحديث عن حربٍ سعوديةٍ على إيران بدعمٍ أميركي ونحن نرى صعوبات الطرفين في الحرب على فقراء اليمن .
يوحي تقليب النظر في هذه الفرضيات بأن الرئيس الأميركي "يبلف" على غِرار لاعبي البوكر المُحترفين ، وإنه يريد استعادة ما خسره بالإيحاء لخصوصه أن لديه أوراقاً رابحة ومضمونة وأن علىيهم الخروج من اللعبة والتضحية بأوراقهم الرابحة.
في لعبة البوكر التي يُجيدها دونالد ترامب، يمكن للعامِل النفسي أن يقرّر مصير اللعبة والفائِز فيها إذا ما كان اللاعبون يحتفظون بأوراقٍ ضعيفة وبرصيدٍ متواضعٍ ويفتقرون إلى التجربة ويتمتّعون بدفاعاتٍ نفسيةٍ متواضعة. كل هذه الشروط لا تبدو متوافرة ، فلا الرئيس الأميركي يمتلك " رصيداً فائِضاً" لخِداع شركائه في اللعبة ولا هم مرشّحون للانسحاب بفعل الضجيج والتهويل.
لقد صار معروفاً أن ترامب يلعب برصيد القلّة من حلفائه ويريد القتال بأموالهم. هذا ما أدركه مبكراً الأوروبيون الذين ابتعدوا عنه لهذا السبب ولحرصهم أيضاً على احترام تواقيعهم ـ ناهيك عن أنهم لم ينسوا بعد تصريحات الرئيس الأميركي بأن عليهم أن يدفعوا ثمناً مرتفعاً لحمايتهم وأن يحترموا مصالح الولايات المتحدة فلا ينافسوا منتجاتها.
من جهتهم لا يمتلك حلفاء واشنطن العرب كميّة كافيه لتغطية حروب رجعية علّها تُعيد عقارب الساعة إلى الوراء في الشرق الأوسط وتوفّر بيئة خاضِعة لإسرائيل مُطيعة وذليلة وضعيفة تحتاج إلى بلطجي يحميها. إن الائتلاف المقاوِم الذي يريد ترامب تحطيمه بات يمتلك رصيداً مهماً على الأرض بعد أن ربح الحرب على داعش في العراق ويربح في سوريا وربح مؤخراً في الانتخابات النيابية اللبنانية.
ليس هذا الكلام مستمداً من نزعةٍ رغبويةٍ وهي لا تضير كاتب هذه السطور لجهة تمنّي هزيمة العدوان الأميركي على منطقتنا. لقد أردته مبنياً على معطيات ثابتة وجديرة بالدفاع عنها في نقاش مفتوح ، لذا أختم بالإشارة إلى مناورة يعتمدها اللاعبون الأقوياء حول طاولة البوكر: عندما يحسبون جيداً قوّة أوراقهم وقوّة أوراق خصمهم ، فيبادر أحدهم بالقول " فرجينا أوراقك " ، هذا ما فعله مؤخراً كيم جون أون الذي كشف النقاب عن "البلف" الأميركي في الملف الكوري ومثله فعل بوتين في القرم وإبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وأوكرانيا، ومثلهم يجب أن يفعل محور يتأهّب للفوز في أخطر حروب الشروق الأوسط .. لا شيء يدعو للإحباط اطلبوا من ترامب أن يكشف عن أوراقه وسترون إنه يلعب "بوكر خائِب".


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً