د. عبد العزيز بن حبتور

رئيس حكومة الإنقاذ الوطني في اليمن. سياسي وأكاديمي تولى مناصب حكومية عديدة.

70عاماً من نكبة الشعب الفلسطيني معمدة اليوم بدماء أكثر من 50 شهيداً وألفي جريح

في الوقت الذي يعقد فيه حفل التدشين بين الأمريكان واليهود الصهاينة في سفارة الولايات المتحدة الأمريكية الجديدة في القدس الشريف، انتفض الشعب الفلسطيني برمته من قطاع غزة إلى الضفة الغربية إلى مواطني الـ (48)، جميعهم ثار وزأر في مسيرات احتجاجية نتج عنها هذا السيل من الشهداء والجرحى.

انتفض الشعب الفلسطيني برمته لمواجهة القرار الأميركي (أ ف ب)

تعود ذكرى النّكبة المشؤومة على أهلنا بفلسطين إلى المرجعية غير القانونية وغير المنصفة للقرارات الأممية العديدة بحق شعبنا الفلسطيني، وكان أبرزها قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (181) في 29 نوفمبر 1947، الذي منح ما نسبته 55% من الأرض الفلسطينية لليهود، والقرار رقم (186) بتاريخ 14 مايو 1948، تلك القرارات تعد جريمة كاملة الأركان بحق القانون الإنساني الدولي والعرف الأخلاقي؛ فقد صنعت وطناً لليهود في العالم من العدم، وشردت وطردت الشعب الفلسطيني - صاحب الحق في الأرض والتاريخ - إلى كل نقطة من بقاع العالم تقريباً.

 

للتذكير فحسب، فإن اليمن في حكم المملكة المتوكلية الهاشمية قد صوتت ضد هذا القرار واعتبرته مخالفاً للمنطق والشرع ويتعارض مع القيم العربية والإسلامية والإنسانية. ومنذ ذلك الحين تجد أن اليمانيين بمختلف أطيافهم وطبقاتهم الاجتماعية ومنذ ذلك التاريخ المشؤوم إلى يومنا هذا يقيمون الفعاليات الشعبية والرسمية الاحتجاجية بهذه المناسبة، كالمسيرات والندوات والمناظرات وبرقيات الشجب والاستنكار ضد الوجود اليهودي الصهيوني في أرض فلسطين.

أتذكر أنني اشتركت وشاركت أيام التلمذة في مثل تلك الاحتجاجات في مدرسة غرير وعزان ونصاب وعتق في محافظة شبوة، في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن العشرين. كنّا مجموعة نشطة ننظم تلك الفعاليات التضامنية الأخوية مع فلسطين وشعبها البطل، وإذا عدت إلى الذاكرة في ذلك الزمان فأني أستحضر أسماء طلابية قيادية لامعة من زملائنا منهم د/ أحمد الجربا، د/ مقطن باقطيان، أ/ بافخسوس، أ/ الواحدي، م/ ذيبان، أ/ ربيع الخليفي، أ/ فدعق، د/ الأحمدي، د/ باعوم، د/ ثابت المدحجي، الأخ/ صالح الدويل باراس وأخاه محمد، أ/ السدلة الخليفي، د/ أحمد حبتور، د/ الخليفي، د/ الغيثي، الشهيد/ باعينين بن فهيد ، أ/ عبدالله بن فهيد، أ/ عمر حنتوش، أ/ مبروك عبدالله، د/ بارحمة، م/ بلعيد و أ/ مهدي القباص ........ الخ، من طابور طويل من النشطاء لمعت شخصياتهم منذ تلك الفترة، وليعذرني العديد من الزملاء الذين لم أتذكرهم هنا بسبب بعد المسافة الزمنية، والتجريف الجائر للذاكرة بسبب الأحداث والتحديات العديدة.

أتذكر أيضاً أسماء كبيرة من أساتذتنا الفلسطينيين الأجلاء على سبيل المثال: جودة أبو العون، يوسف شراب، أبو طه الفوال، رمضان، حيدر، فهمي، ياسين، والعديد من الأسماء التي تركت أثراً جميلاً في نفوسنا كطلاب في أرياف اليمن، وكذلك لم تعد تحضرني بقية الأسماء مع تذكري وجوههم البهية التي كانت تطل علينا كل صباح لتقديم الجديد من دروس العلم والمعرفة التي ساعدتنا كثيراً في رحلة حياتنا حتى اللحظة. إنهم رُسل علمٍ وثقافة امتلكوا وعياً قومياً عروبياً رفيعاً في ذلك الزمان، وكانوا بالنسبة لنا عبارة عن قناديل مشعة ساهمت إلى حدٍّ بعيد في إنارة دروب مستقبل تلامذتهم جميعا.

كنّا نقيم في كل عام بهذه المناسبة احتفالات احتجاجية واسعة تصل حدود المجتمع بكل فئاته ويتضامن الناس بطواعية وإحساس تفاعلي بأن فلسطين حق عام يجب عدم التفريط فيه، وأن هؤلاء اليهود الصهاينة ليسوا سوى مستوطنين مؤقتين تم تجميعهم من شتى بقاع الأرض تحت شعار: أن أرض فلسطين ليس بها شعب، وأن اليَهُود المشردين هم شعب بلا وطن، إذاً فالمعادلة الاستعمارية القذرة هي في توطين الشعب اليهودي في أرض الميعاد فلسطين، هكذا تفلسف ونَظر جهابذة وأحبار اليهود في أوروبا وأمريكا وساعدهم في ذلك المشروع السياسي الاستعماري للأوربيين المتصهينين.

فالحكاية المعروفة للجميع أن النظام النازي الألماني والفاشي الإيطالي الأوروبييّن، اضطهدا اليهود بقسوةٍ شديدة، ومارسا ضدهم ممارسات لا إنسانية، حيث نصبوا لهم خيام معسكرات الاعتقال النازي في ألمانيا النازية وتحديداً في معسكرات (داخاو، بوخن فالد، رافنس بورك، ساكسن هَوازن، أورانيون بورغ)، وأطلق عليها معسكرات "الهولوكوست" الشهيرة التي احتوت على غرف الغاز ومحارق للجثث وغيرها من كل أساليب التعذيب الوحشية، ولا شك في أنه تم التنكيل بهم، إذ تقول المصادر بأنه تم قتل مليوني يهودي، وبعض المصادر تقول 6 ملايين يهودي تعرضوا للإبادة اللاإنسانية، ومهما اختلف المؤرخون في تحديد عدد الضحايا إلا أن ما حصل لليهود هي جريمة وحشية غير إنسانية ستظل عالقة في وجه الإنسانية جمعاء. وبعد هزيمة النازية والفاشية من قبل الجيش السوفياتي الأحمر والذي ضحى هو الآخر بـ (26.6) مليون مواطن سوفياتي مدنيين وعسكريين والذي احتفلت شعوب روسيا الاتحادية وكل شعوب الأرض من مناهضي الفكر الفاشي والنازي قبل أيام بالذكرى الـ (73) ليوم النصر العظيم، ذلك الاحتفال المهيب الذي احتضنته الساحة الحمراء في قلب موسكو له دلالاته السياسية والتاريخية والعسكرية الكبيرة بالنسبة لروسيا كقوة عظمى ناهضة من جديد.

 

لكن ما حدث لليهود من قبل الأوروبيين لا يمنحهم الحق القانوني والشرعي والأخلاقي بالمطلق في مصادرة وتأميم أرض فلسطين وتسليمها لليهود المجمعين من كل بقاع الأرض، وبالتالي فإن مقاومة هذا المشروع الغربي الاستعماري الصهيوني أصبح واجباً مقدساً، لأن الاستعمار الغربي أراد أن يعالج مشكلته الأخلاقية ومصالحه على حِسَاب الشعب الفلسطيني، ولذلك أصدروا قرار التقسيم وما نتج عنه من معاناة التهجير والتدمير وسفك دماء الفلسطينيين.

والمشهد الْيَوْمَ لم يتغير بعد مرور (70) عاماً على صناعة النكبة للأمة برمتها وعلى أهلنا الفلسطينيين على وجه الخصوص. وإليكم أبرز معالم المشهد في الآتي:

أولاً: تم قتل وترويع آلاف الفلسطينيين من القرى والبلدات الفلسطينية وتهجيرهم إلى معسكرات لجوء في الداخل والخارج، وتشير الإحصائيات إلى أن العصابات اليهودية المَحمية من بريطانيا "العظمى" قد دمرت أكثر من (500) قرية في السنوات الأولى للاستيطان، وواصلت تدمير المنازل وتهجير السكان، وبناء أطول سُور بالتاريخ يفصل ويمزق القرى والبلدات والمزارع والحقول الفلسطينية.

ثانياً: هناك محوران أساسيان في عالمنا العربي في الموقف والفكر والرؤية بشأن فلسطين المحتلة:

أ - رأي له موقف ثابت من القضية الفلسطينية بأنها قضية شعب ووطن وهوية والدفاع عن هذه الفكرة أمر مقدس ولا مساس أو تكتيك سياسي بشأنه، ومن أبجديات تجليات ذلك الموقف ثبات المقاومة بالرأي، بالقلم، بالبندقية. يتمثل هذا المحور في إيران والعراق وسوريا والمقاومة الفلسطينية من مختلف التيارات السياسية والحزبية ويقودها حركة حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وحزب الله وحلفاؤه السياسيون من الأحزاب اللبنانية، وحلف واسع وكبير من اليمنيين يقودون المقاومة ضد دول العدوان السعودي الإماراتي يتقدمهم حركة أنصار الله والمؤتمر الشعبي العام وطيف واسع من الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج.

 

ب- رأي آخر تبرز معالمه حول القضية الفلسطينية المحورية بأنها لم تعد أولوية في خياراته، وبالتالي تم خلق وهم جديد للأمة العربية والإسلامية بأن هناك عدواً آخر هو جمهورية إيران الإسلامية وليس دولة الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني، وهذا المحور تقوده إعلامياً الدول الغربية الاستعمارية وحليفتها الاستراتيجية عدد من دول مجلس التعاون الخليجي، ومن يدور في فلكها (المالي) أكانوا مثقفين أو كُتاباً أو إعلاميين.

ثالثاً: تم الترويج لحكاية (صفقة القرن) على قاعدة تصفية القضية الفلسطينية ومنح الصك الأبدي لدويلة يهودية دينية وعرقية وعنصرية على ما يزيد عن 80% من الأراضي الفلسطينية، وخلق كيان عربي صغير ومجزأ للفلسطينيين، ولهذا سارعت عدد من دول مجلس التعاون الخليجي وبالذات المملكة السعودية والإمارات المتحدة ومملكة البحرين (العظمى)، وربما إمارة قطر، إلى البدء بالتطبيع التدريجي تمهيداً لنفاذ بنود صفقة القرن.

رابعاً: حَشدت غالبية دول مجلس التعاون الخليجي إمكاناتها المالية والإعلامية والتسليحية ما سُمِّي (بثورات الربيع العربي)، وجهزت "ثوارها و مناضليها" في العام 2011 بالإمكانات اللازمة لإسقاط حكومات كلٍّ من سوريا وليبيا ومصر والعراق واليمن، والخلاصة من كل هذا العمل هو إخراج جيوش هذا البلدان من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، وخدمةً للمشروع الصهيوني.

خامساً: لم تتعلم وتتعظ الحركة الصهيونية العالمية ولَم يتعلم بعد القادة اليهود المتصهينون من محارق (الهولوكوست) ولا من دروسها العميقة، بل أن حكومة إسرائيل ومتطرفيها الكثر مارست وتمارس أقبح الأعمال الإرهابية الوحشية بحق الفلسطينيين، ولم يسلم من جرائمهم الوحشية الأطفال والنساء والشيوخ والشبان، وهم وببلادة مفرطة يتوسعون في بناء المستوطنات، ويشيدون أعلى الأسوار في السجون، ويمارسون القتل للمتظاهرين السلميين، ويدوسون بأقدامهم النجسة أرض صحن المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة وغيرها من الأماكن المقدسة؛ إذ يبدو أن اليهودي المتصهين لا يستطيع أن يتعلم من عِبر ودروس التاريخ.

 

في الوقت الذي يعقد فيه حفل التدشين بين الأمريكان واليهود الصهاينة في سفارة الولايات المتحدة الأمريكية الجديدة في القدس الشريف، انتفض الشعب الفلسطيني برمته من قطاع غزة إلى الضفة الغربية إلى مواطني الـ (48) كما يسمونهم، جميعهم ثار وزأر في مسيرات احتجاجية نتج عنها هذا السيل من الشهداء والجرحى، وشن الجنود اليهود عمليات متوحشة لتفريق المتظاهرين حول السفارة الجديدة في القدس الشريف، وكانت أصوات المُحتجين تعلو فوق أسوار السفارة وصدى صوتها يخترق الجدران العالية ليصل إلى شُلة المحتفلين، ونقلت كاميرات المصورين أن هناك نواباً في الكنيست اليهودي من الكتلة العربية حاضرة تتضامن مع أهل القدس وتعرضوا هم أيضاً للضرب والتعنيف، فالجندي اليهودي لا يهمه رأي العالم اعتقاداً منهم أن أمريكا هي العالم وما دونه لا يضعون له حساب، والله أعلم منا جميعاً.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً