عبد السلام هرشي

كاتب وصحافي تونسي

نهاية التوافق تُحرِج حكومة الشاهد

أصبح مُصطلح التوافق يؤرق غالبية التونسيين، مُصطلح أنجبته إلى الساحة السياسية انتخابات 2014 بعد قرار إستراتيجي لقياديي نداء تونس بالتحالف مع حركة النهضة ما سُمّي في ذلك الوقت بالتوافق، يؤرقهم بالنظر إلى ما آلت إليه البلاد على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

أصبح مُصطلح التوافق يؤرق غالبية التونسيين

كانت خلفّية القرار الخفيّة هي إيجاد أغلبية مُريحة في البرلمان لتمرير القوانين إضافة إلى توفير الدعم للحكومة في مواجهة المعارضة والمنظمات الرافضة. لكن نتائج الانتخابات الجزئية في ألمانيا التي أفقدت نداء تونس مقعداً في البرلمان أحدثت تصدّعاً في علاقة أكبر حزبين في تونس بعد أن صرّح المسؤول عن الشؤون السياسية في حزب نداء تونس برهان بسيس ولأول مرة أن التوافق مع حركة النهضة قد انتهى، لكن المجتمع السياسي لم ير تجسيداً لكلمات بسيس التي أسعدت أنصار حزب نداء تونس قبل القياديين. لكن بالنظر إلى ما يحدث اليوم على الساحة السياسية يبدو أن هذا التوافق تحوّل إلى حربٍ غير مُعلنة بين نداء تونس الذي يريد إسقاط حكومة يوسف الشاهد و بين حركة النهضة التي توفّر دعماً غير مشروط للحكومة.
كانت إطلالة رئيس الحكومة يوسف الشاهد على صفحة رئاسة الحكومة على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك بمثابة إعلان حرب على أطراف من نداء تونس، تصريح رئيس الحكومة تضمّن اتّهاماً صريحاً لنجل الرئيس الحالي والمدير التنفيذي لحزب نداء تونس حافظ قايد السبسي بتدمير الحزب، وبغضّ النظر عن الانتقادات التي طالت رئيس الحكومة والتي ركزّت في معظمها على استغلال مؤسسات الدولة لتصفية حسابات حزبية ضيّقة، فإن إعلان الحرب هكذا لا يتم إلا من شخص تلقّى دعماً قوياً، و هذا الدعم لا يمكن أن يأتي إلا من حركة لها وزن في تونس وهي حركة النهضة ، بالنظر إلى العلاقة المتوتّرة بين اتحاد الشغل والشاهد بعد رفض الأخير مقترح الاتحاد بإضفاء دماء جديدة للحكومة. و من المفارقات الغريبة في تونس أن حكومة الشاهد تواجه منذ أشهر انتقادات واسعة من حزب نداء تونس الحزب الفائِز في الانتخابات إلى حد ما دفع ببعض قياديي نداء تونس إلى مطالبة الشاهد بالاستقالة ، آخرها ما صرّح به المكلّف بالشؤون السياسية برهان بسيس من أن على يوسف الشاهد الاستقالة، مُعتبراً ''أنه لاوجود لمبرّر لتمسّك الشاهد بمنصبه وكل علامات الفشل موجودة''، هذه المرحلة التي وصلت إليها علاقة الشاهد بحزبه دفعت برئيس الجمهورية إلى الإشراف على مفاوضات ماراتونية لم تساعد في تخفيف وطأة الاحتقان إلى حدٍ دفع برئيس الجمهورية إلى تعليق المفاوضات إلى أجل غير مُسمّى. لكن ورغم كمّ الانتقادات الذي طال الحكومة إلا أن ذلك لم يمنع حركة النهضة من الإعلان عن موقفها الداعِم للحكومة بصفةٍ رسميةٍ بعدما أعلن نائب رئيس حركة النهضة علي لعريض إن حزبه لا يرى ضرورة لأيّ تعديل وزاري، وإنه يقدّم دعمه ليوسف الشاهد. لكن الملاحظة الأهم في خضّم كل هذه التطوّرات أنه و لأول مرة نجد اتحاد الشغل وحزب نداء تونس وحزب مشروع تونس المنشقّ عن حزب نداء تونس في جبهة واحدة تطالب باستقالة الحكومة، بل أن رئيس الهيئة السياسيّة لحركة تونس أوّلاً رضا بلحاج أكّد أن هناك مشاورات لبلورة فكرة تأسيس جبهة وطنية تجمع حركة تونس أولاً ونداء تونس ومشروع تونس وحركة مستقبل تونس، وذلك بهدف إعادة تنظيم المشهد السياسي. وهو ما يُحيي فكرة كان قد أشار إليها مدير حزب آفاق تونس ياسين براهيم والتي تدعو إلى عزل حركة النهضة، بمعنى أنه لا يمكن التأكّد من أن حركة النهضة حركة سياسية تؤمن بالديمقراطية وأنه فعلاً تم فصل الجانب الدعَوي عن السياسي إلا عند رؤيتها في سدّة المعارضة لكن مع اختلاف الأهداف التي تتمثّل هذه المرة في إسقاط الحكومة و استعادة حزب نداء تونس لدفّة الحُكم.
على الأرض تواجه حكومة الشاهد مشاكل إقتصادية بالجملة بعد رفع سعر الفائدة الميديرية إلى أكثر من 7% وارتفاع نسبة التضخّم إلى أكثر من 7% أيضاً، هذا إضافة إلى ما جاء به قانون المالية الجديد من زيادات في أغلب المواد الأساسية خاصة بعد تأكيد خبراء أن هذا القانون سيؤثّر بشكلٍ كبيرٍ على القدرة الشرائية للمواطن التونسي، هذا التأثير قد يصل إلى أكثر من 20 % وهي نسبة تُعدّ ضخمة للغاية. كما أن الخسارة التي تلقّاها المنتخب التونسي في كأس العالم قد ألقت بظلالها على الحكومة بسبب وجود شُبهات فساد صلب وزارة الرياضة ، ما دفع بالمجلس إلى تحديد جلسة استماع لوزيرة الرياضة. إضافة إلى ذلك يتنزّل تقرير صحيفة الغارديان البريطانية ليزيد من حرج الحكومة، التقرير يؤكّد أن الحكومة البريطانية قامت بتمويل شركة الإشهار العالمية '' Saatchi M&C'' لدعم وسائل إعلام تونسية محلية بهدف تبييض حكومة يوسف الشاهد بعد أحداث جانفي 2018، التي شهدت احتجاجات شعبية في مختلف ولايات الجمهورية ضد قانون المالية الحالي، تقرير الغارديان جاء مُدجّجاً بالوثائق ورغم اعتراف السفيرة البريطانية في تونس بالأمر إلا أن الناطق بإسم الحكومة إياد الدهماني يُصرّ إلى الآن على نفي الأمر.
رغم نهاية التوافق على الأقل الجزء المعلن منه، و رفض غالبية الأحزاب السياسة لبقاء الشاهد، إلا أن حركة النهضة اختارت الاصطفاف إلى جانب رئيس الحكومة الشاب، لكن هذا الدعم ماكان ليُبقي على منصب الشاهد لولا أن دعماً غربياً تلقاه حركته أهداف بعينها، و يقول السفير التونسي السابق في الإمارات أحمد بن مصطفى معلّلاً سبب حصول رئيس الحكومة يوسف الشاهد على الدعم الغربي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2019، في ظل تنامي الأزمة الحكومية ووصولها إلى شبه طريق مسدود، ارتأت مجموعة السبع أن تراهن على مساعدة يوسف الشاهد على الاستمرار في الحُكم مقابل اعتماده خارطة طريق 2018 – 2020 تتضمّن التسريع بإنهاء المفاوضات حول «آليكا» واتفاقية الهجرة السرّية «في أفضل الآجال» مع إدراج الملفين ضمن «الأولويات الإستراتيجية».


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً