عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya

فلسطين وسيرتها التاريخية والراهنة

لكل بلد في العالم سيرتان: تاريخية وحاضرة، والحديث في الغالب عن فلسطين (على الشاشات أعني) لا يجري إلا في سيرتها الراهنة التي تتناول قائمة مذابحها الطازجة، وعمليات تقويض بيوتها التي لا تنفكّ، وبناء الجدران، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس في المحاولة إلى هدم ذاكرتها ونسف حضورها من أية مُراهنات مقبلة تطال وجودها.

عليّ الاعتماد على حدسي بأنها فلسطين، سوف تسطع كما أوقِن وآمل، ليس بفعل سنوات أربع بل لأن وجودها حق مُطلَق
عليّ الاعتماد على حدسي بأنها فلسطين، سوف تسطع كما أوقِن وآمل، ليس بفعل سنوات أربع بل لأن وجودها حق مُطلَق

تلك الحياة التي يُجرجرها الفلسطيني يوماً بيوم، تكاد لا تُلحَظ في البلدان العربية المحيطة، المجاورة والبعيدة. كأنما هو القرار/ الحسم، وقد أخذهُ العالم قاطبة، بنكران هذا البلد، وجعل أمكنته اللطيفة مسكونة بالأشباح والذكريات. كأنما فلسطين، صخرة ثقيلة على صدر العالم وقد قرّر أخيراً إزاحتها عن صدره.

ما يأسرني في التحدّي الفلسطيني اليومي الذي أراه على الشاشة، ليست العَظَمة ولا القوة ولا البطولات، تأسرني بساطة لا زمن لها، فهي دائماً بنت يومها، أو هي كل صباح تبدو مستعدّة لتُجدِّد إيمانها بمكانها وذاكرتها. بساطة بدائية، برّية إذا جاز القول، تسبغ جمالاً إضافياً على المشهد. لا تكلّف ولا ادّعاء بطولي بل قدر من 

تفوحُ في غرفتي رائحة مستكة خفيفة وبرتقال بعيد، وعلى الشاشة مُتحدّث ذو رأس بيضاوي أصلع، طرح عليه مذيع حلقة "التوك شو" الجارية أمامي، سؤالاً في الهياج الإسرائيلي المحموم ذو السَنَد الأميركي الترامبي والسَنَد الخليجي العربي أيضاً، الآخِذ في ألفة العلاقات الإسرائيلية / العربية، وبناء المستوطنات والمزيد منها كل يوم في القدس تحديداً، في صياغة للسؤال بدت مرتبكة ومُبهمة.

كان الأمر يتعلق ببرنامج سياسي أسبوعي، يُحاور فيه إعلامي معروف، ضيف حلقته في أحداث الساعة، عربية أو أجنبية، وإن بدت في حلقاتها منذ ورود خبر نقل السفارة الأميركية إلى القدس، تُراوح في ذلك النقل، حتى حفظنا تماماً ما قيل عن كافة المشاركين، وما قيل فيهم وفي الحدث وفي ترامب وفي البلدان المؤيّدة والمعارضة، كما علقت بصدورنا اللحظة التلفزيونية التي أعلن فيها الرئيس الأميركي قراره هذا، وبدا كما لو هوّة انفتحت في تسلسل الحكاية منذ النكبة وما تلاها من نكبات. ما علينا، حلقة الليلة بدت خائضة في محاولة المشاركين تدارك ما يجري في فلسطين - عبر الكلام طبعاً – وما يجري في القدس تحديداً حول الهوية الفلسطينية ورموزها الدينية.

لكل بلد في العالم سيرتان: تاريخية وحاضرة، والحديث في الغالب عن فلسطين (على الشاشات أعني) لا يجري إلا في سيرتها الراهنة التي تتناول قائمة مذابحها الطازجة، وعمليات تقويض بيوتها التي لا تنفكّ، وبناء الجدران، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس في المحاولة إلى هدم ذاكرتها ونسف حضورها من أية مُراهنات مقبلة تطال وجودها.

الأهمّ برأيي – قلت وأنا أتابع – هو تناول سيرة فلسطين الأخرى، فلسطين التي لم تُعرَف، وعلى الرغم من عدم معرفتنا بها، بماضيها قبل نكبتها، رغبناها وتشهيناها لنا وطناً رمزاً إلى جانب أوطاننا، فلسطين التي أفلتت منّا وأفلت منّا تاريخها لأنه لم يكن فينا وفي وعينا أو ذاكرتنا. أفلت التاريخ المؤلم لفلسطين - قلت – ولم يتحقق لا في الواقع ولا في الخيال بالنسبة للكثيرين منّا.

سأل المذيع ضيفهُ أن كيف تأتّي لإسرائيل إهانة ضمير العالم – إن كان قد وُجد – عبر بناء المزيد من المستوطنات في القدس ونقل السفارة الأميركية إليها في الوقت الذي ...! إبتسم الضيف ذو الرأس العارية الضخمة وقاطع المذيع بابتسامة واثقة: لا شيء وليد الصدفة. لا نَقْل السفارة ولا بناء المستوطنات، فبناؤها ليس جديداً، وعلى كلّ يا أخي .. ليبنوا ما شاء لهم منها فالأمر في النهاية مجرّد حساب دقيق: إحسب معي (قال الضيف للمذيع) سوف تنتهي وتزول إسرائيل هي ومستوطناتها في سنة 2022 بشكل أكيد، أي بعد أربع سنوات من الآن على أكثر تعديل – أردف مُفاخراً – كما أن هذا التاريخ لم آت به من "بيت أهلي" وبمجرّد العودة إلى كتب الدين والأحاديث الشريفة سوف يتّضح لك وللمشاهدين أمر هذا الزوال بشكل جليّ، ثم التفت الضيف بكليّته إلى الشاشة مُخاطباً جمهورها ومنهم أنا: ليثق المشاهد أن إسرائيل زائلة لا محالة في الـ 2022، بَنَت مستوطنات أم لم تبن !!! حسناً – قلت – لعلّ ما بقي من أعمارنا يسمح لنا بمثل تلك "الفرجة" ، وإن بنظر شحيح. قلت أنه زوال غير مُكلِف، وما علينا سوى عدّ السنين وانتظار الوقت الموعود.

في الحقيقة أيها السيّد الضيف – قلت في سرّي – أن زوال إسرائيل أو عدمهُ ليسا من صلب اهتماماتي. ما أريدهُ فعلاً أيها السيّد الضيف هو بقاء فلسطين. أريد بقاء فلسطين وطناً للديانات كافّة . أريد فلسطين بناسها جميعاً، بكل ما فيها ومن عليها.

على كنبتي، مضيتُ أهزّ رأسي برزانة مُستحسنة تسامحي وطيبة قلبي، مُتخيّلة في آن فلسطين وليدة، وجديدة كل الجدّة.

أطّل وجه على الشاشة مستاء، ومضى يُعبّر عن استيائه من عملية احتساب السنوات الأربع الكفيلة ما أن تنقضي، بزوال إسرائيل. سأل المذيع الرجل: ما الذي يُغضبك هكذا؟ ردّ الغاضِب أن أمر وقف إسرائيل عن بناء المزيد من المستوطنات في القدس مهّم جداً ولا يحتمل التأجيل لا سنة ولا سنوات أربع، ولقد شرحت هذا – مضى يقول – في مقالتي التي صدرت في جريدة كذا، يوم كذا، قلت فيها ما معناه إن على العرب، والفلسطينيين على وجه الخصوص، توحيد كلمتهم والاصطفاف جميعاً للدفاع عن القدس، وليس انتظار نبؤة الـ 2022 هذه لكي تزول إسرائيل من تلقائها! المراسل من واشنطن بدا على حيرة من أمره أمام لعبة الأرقام، هو الموكلة إليه مهمة نقل ألأجواء المعقودة في البيت الأبيض. لون وجه المراسل من أمام البيت الأبيض صار أصفر، ثم أخضر، ثم أزرق حتى خلت لوهلة أنه ساقط لا محالة من الشاشة إلى أرضية غرفتي في عملية هي الأولى من نوعها لزوال مراسل.

يُستحسن ألا أتابع برامج الـ "توك شو" هذه ، حتى لو كانت تخوض شأناً فلسطينياً أو حتى يمنياً أو سوى ذلك.. عليّ الاعتماد على حدسي بأنها فلسطين، سوف تسطع كما أوقِن وآمل، ليس بفعل سنوات أربع بل لأن وجودها حق مُطلَق.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً