عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya

عندما لا تعتقد بجدوى الاحتجاج

أن نتجمهر، أن نحتشد وندعو إلى التظاهر والمسيرات لغرض ما ، فليس هذا بالضرورة كل ما يجب علينا فعلهُ، وليست الحشود وحدها مَن تنقلنا من عصر إلى عصر، ولا الشعارات من زمن إلى زمن.

علمتّنا حروبنا العربية أن الشعارات المرفوعة كيفما اتفق غرقت مع الوقت وسقطت في الأعماق
علمتّنا حروبنا العربية أن الشعارات المرفوعة كيفما اتفق غرقت مع الوقت وسقطت في الأعماق

عندما أرى على الشاشات الصغيرة، خروج الناس في مسيراتهم، وتجمهرهم في سبيل مطالبهم، يبدأ ما يُشبه الحماس يأخذ بي ويدعوني لأكون معهم، سوى أنني دائماً، أُسكتُ هذا الحماس – وهذا تعلمّتُه من حياتي اللبنانية – وأبذل كل قوّتي لئلا أفقد السيطرة على نفسي وأخرج إلى الشارع على نحو مُدّو.

مُحصّنة من إغواء شعاراتنا اللبنانية، وعندي القَدْر الكبير من التحفّظ حيال الإرتماء في أحضان فئة أو جهة سياسية بعينها مع مُراعاة قواعد وطنية ثابتة ليست تدعو إلى التظاهر من أجلها.

أمتلكُ ما يكفي من الحسّ النقدي تجاه المراحل التي تبدو وضّاءة في البداية، إلى أن تفضحها أو تُذبلها نهاياتها المُرتبِكة.. أعرف العطب الأساسي الطائفي الذي يحكم البلد وناسه، ومن هذه المعرفة أُشهر تحفّظي الذي يحميني. كما أن أموراً قد تبدو تافهة لسواي، تُشغل بالي وتمنحني السلام الداخلي ، وتُعفيني من الإنخراط في التظاهر ورفع الشعارات ذات الجذر البيزنطي الجدلي، الذي لم يستقم حتى اللحظة على بديهة المواطنة الحقّة.

أمور تافهة تبدو، تُشغل بالي وتُلهيني: الكتب التي أقرأها، القصائد التي أكتبها، الهوَس بتنظيف البيت وحُبّ الأشياء، الغرام الذي أكتنزهُ لمدينتي الجميلة، سماع الموسيقى، الغناء، الوقوع في حبّ الضعفاء والمُعذبّين والمرضى وفاقدي الرجاء، البساطة في كل شيء، ورياضة المشي، وقراءة وجوه الغرباء وحركة أجسادهم. أمور تافهة جداً تبدو، يمكن تأجيلها أو تحييدها والانخراط مع العالم في حراكه الإحتجاجي.. لكن لا. لاأثق بأيّ أمر خارج إتّساق حَدسي وخارج ما تعوّدت الوثوق فيه.

على كل حال الذين يخرجون إلى التظاهر، لا يحتاجونني. أمكنني التثبّت من عدم حاجتهم إلى آلاف المرّات، ذلك ألا أحد يُنادي على إسمي بالميكروفونات أو يسأل عنّي أو ينتبه إلى غيابي. عندما تنفّض تظاهرتهم ويؤوبون إلى بيوتهم، لا يتفقّد أحدهم مَن غاب عن التظاهر أو مَن حضر. أثق أنهم لا يحتاجونني ، وأرتاح إلى فكرة أنني " كبرّت عقلي" وعزفت عن المشاركة وجنّبتُ روحي أمراً ثقيلاً، فأفرح وأروح أعبّ الهواء نقيّاً، أزفرهُ ببطء وبجرعات مدروسة. لا أثق بالحشود وأخشاها فلا أندّس بينها ولا أرفع شعاراتها مهما كنت مؤمنة بها.

من الصعب جداً أن أنضوي تحت يافطة أعرف سلفاً اضطراب تعبيرها والشرخ الأساسي الذي يعتريها.

صعبٌ جداً في لبنان أن أتفيّأ ظل يافطة تبدو في الشكل مُحقّة ومُتزّنة، بينما مع قليل الإنتباه والتأمّل، تكون في الحقيقة تئن من ضوضاء شعارها المُبهم. أشعر بقدر أكبر من الإطمئنان لو كتبت بنفسي ما أؤمن به، وأنا أفعل ذلك غالباً. الكتابة تعفيني من ثقل كبير، وتُخلصّني من المُحاباة بوجهٍ عام، وفي الكلمات أحيا بمثل خفّة لمعان البلور.

مع ذلك أحترم، بل مفتونة بالجماهير التي تخرج إلى الشوارع وتُعبّر عن مطالبها بإيمانٍ كبير. لقد اختاروا مصائرهم، وأخلصوا لآمالهم، وارتضوا كل أذى يلحق بهم جرّاء تظاهرهم، عارفين مسبقاً بل موقنين أنهم يكونون ضحية اعتداء وحشي ربما، وإنهم قد يُنتزعون من الحياة نفسها، وأن كل واحد منهم مُهدّد بالفناء جرّاء شعاراته المرفوعة وحريته الموعودة.

أنا عادية جداً، واهتماماتي عادية بحجم عصفور، وأكثر إضجاراً من أن أهتف أو أتظاهر، وليس لغرابة موقفي أهمية في نظري على الأقل، سوى أنني أستميت في الدفاع عن عاديتي وضجري.

أحبّ أن أعبّر عن إنسانيتي على الأقل ولا أقول سياستي ، من خلال الكتابة ومن دون أيّ هتاف مسموع، وأميل إلى صبّ أحلامي وآمالي وحسّي الوطني والأخلاقي ، في حروف مسبوكة بصدق، تاركة للكلمات الحلول بدل الصراخ والضوضاء. أكتب في رغبة أن أكون أنا نفسي وما أكتبهُ، فكرة مُلحّة عن الجنس البشري النقّي، وأكتب ليأتي خطابي مُعبّراً عنّي، وليس تحت لواء الآخرين في أغلب ما يرفعونهُ من شعارات. طبعاً ، ليست الكتابة هنا من أجل مجد الكتابة ، ولكنني أكتب لكي أنحت عذابي وعذابات الآخرين بكلمات صنعتها وفكّرتُ فيها وأخلصت لها حرفاً حرفاً .

علمتّنا حروبنا العربية، هزائمنا وسقطاتنا وإنكساراتنا، أن الشعارات المرفوعة كيفما اتفق ومن دون أفكار قوية، وبرغبة رفعها ليس إلا، أنها إنما غرقت مع الوقت وسقطت في الأعماق.

يغمرُ العالم اليوم، النفاق والكذب والمعصية، الى إدعاءات النصر من دون كثير تبّصر، فيما الزوال يأخذ هذه الشعارات ، يُبللها ويمحيها بعد هدوء أسبابها.

انتهى على ما أحسب، عصر التجمهر ورفع الشعارات، فالحياة تبدأ من كلمة غير مرتهنة إلى جهات مشبوهة، غير مرتهنة وغير مأجورة ولا تهاب.

كان التجمهر ممكناً في الماضي، يُنّجي ويُطّهر، لكننا الآن لا ننجو من تداخل اللاعبين الكثر، في تشابك مصالحهم وفي أسبابهم الريبية وفي التناقض بين ما يرفعون وما يُضمرون، كما في غفلة الجماهير عن السبب الكبير الكامن وراء هذا الترّدي المُخجل في ترّديه وفي عفونته.

آن لنا أن نتصالح مع أنفسنا فلا نُساق كالقطعان، نتصالح مع أنفسنا ونُعفيها من الأوهام ما دمنا في قلب هذا العالم الجديد على ما هو عليه ، الممسوخ بالكذب والوعود الساقطة.

آن لنا أن نرفع عن كواهلنا رعب الثقة بالتجمهر لأمر ، لشعار، لشخص لا يستحق الثقة، وآن أن نذهب إلى مستقبلنا بقلب أقّل ثقلاً، ذلك أن الخلاص لم يفت ولا يزال في وسعنا النهل من بعض ماضينا المشرق والتعلّم منه وقراءة تاريخنا، نبني على ذلك الإشراق ونعمل عليه، جاهدين إلى نقل حياتنا البائسة هذه، إلى مطهر جديد وخلق جديد وأفكار جديدة وصادقة يخوض صدقها في جياتنا.

أن نتجمهر، أن نحتشد وندعو إلى التظاهر والمسيرات لغرض ما ، فليس هذا بالضرورة كل ما يجب علينا فعلهُ، وليست الحشود وحدها مَن تنقلنا من عصر إلى عصر، ولا الشعارات من زمن إلى زمن. هكذا نرى إلى الأمر، وهكذا يسعنا أن نضع من دون رعب قدمنا في عالمٍ أكثر نقاء، فالحياة الكريمة لاتزال تستحق أن تكون غرضنا..


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً