محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

ترامب وجنون العَظَمة أولاً..؟

من الممكن أن نتعلّم كثيراً عن المجتمع والاقتصاد والسياسة، ولكن في إطار الفهم الواقعي للعالم المُتغيّر وفي إطار عالم مُتعدّد الأقطاب..القطبية الواحدة حاولت من خلال العولمة إيجاد مفهوم موحَّد لعالم متنوِّع فأوقعت أصحابها في الفخّ الإيديولوجي المتمرّد على الإصلاح وعلى حركية المعرفة في إبعادها  الإنسانية.. ربما ترامب حاول تكسير هذا المنحى بعفوية أو بحهل إيماناً منه بأن "أميركا أولاً" والعالم من خلفها مجرّد مساحة لنفايات السياسة..!!

هل ينتحر ترامب في نهاية المطاف أم يشعلها حرباً عالمية ثالثة
هل ينتحر ترامب في نهاية المطاف أم يشعلها حرباً عالمية ثالثة

يقول الأكاديمي عبد الخالق عبد الله "يبدو أنه"ترامب" في ورطة لم يحسب لها حساب ويناجي ربّه الذي هو ربّ الجميع، لكن يبدو أنه حتى الله قد تخلّى عنه"...الأسبوع الماضي تميّز بآراء سياسية مُتضاربة وفي محفل الأمم المتحدة ، بين الولايات المتحدة الأميركية ودول العالم..آراء بعضها هجين حد العظم، وبالتالي غير قابل للفهم خارج الفوضى التي تمارسها أميركا بقيادة ترامب، وبعضها ردّ واقعي على تلك الفوضى.. يبدو إن السياسة الأميركية في مرحلة حرِجة وإن رئيسها يعاني من سوء الفهم للواقع  وماذا يجري فيه سوى قوله إنه الوحيد الذي ينشد السلام ويحقّقه بسرعة قصوى ، لعله يؤمن بأن الخطأ هو بداية الحل وأن السلام العالمي هو وحده الحامل لمفتاحه والباقي مجرّد أتباع !!.

والواضح أنه لا يُدرك ما يقول ولا يتأمّل فيه ولو لحظات لما هو عليه من القول، وكأنه يُطبّق المثل القائل "كلام الليل يمحوه النهار"  وبالتالي، هل لرئيس دولة مثل الولايات المتحدة رئيسها لا يعرف أين تقع محافظة إدلب وجيشه متمركز فيها من خمس سنوات بل وبها مطارات عسكرية أميركية..!!

ويؤكّد ذلك على أن من عرّفه بها مند أقل من شهر"هي امرأة"(لعلّها  الهندية هيلي نايكي) قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب،"إنه لم يسمع من قبل بإدلب، إلى أن تحدّثت عن قضيتها امرأة خلال لقاء حاشد مع مناصريه قبل شهر."بل الأسوأ من هذا إنه - ورغم عدم معرفته بإدلب- ينسب إلى نفسه ما تمّ إنجازه مؤخراً لصالحها، وإن ما أنجزه اجتماع سوتشي  بين بوتين وأردوغان لا وجود له قي نظره، إنه مَن خطّط لحماية المدنيين من حربٍ كانت مُقررة وتأسيس ما عُرِفَ بالمناطق الآمنة وخروج الإرهابيين منها  يقول"  خلال مؤتمر صحفي في نيويورك إنه نفسه مَن أقنع روسيا وإيران وسوريا ، بعدم تنفيذ هجوم على المدينة، مشيراً إلى أنه فعل ذلك بواسطة تغريدة على حسابه في تويتر قال فيها:

"سترتكب خطأ إنسانياً فادحاً بالمشاركة في هذه المأساة الإنسانية المحتملة"، وهنا يمكن توصيف أقوال ترامب بأنها مجرّد حكايات القواعد من النساء، لكن الغباء المؤلم فيها هو أن رئيس دولة عظمى يخاطب العالم بهذا الهجين من الأفكار، ربما لأنه فاقد للحقائق أصلاً ولا يفكّر فيها بتاتاً ، ويعتمد على اللغو في الكلام استناداً إلى مقولته "أميركا أولاً" أو إلى مقولة سابقة ردّدها قبله رؤساء أميركا وبعض سياسييها " نحن الأمّة"  أيّ  نحن العالم، وربما إلى التصوّرات الوهمية  ل:"فوكو ياما " نهاية التاريخ" أي إن التاريخ الأميركي وحده الباقي والواجب عالمياً الأخذ به.. لقد حاول  في دعوته لعقد جلسة مجلس الأمن الدولي إلى عزل إيران والذين يتعاملون معها في خطاب لا دبلوماسية فيه على الإطلاق، فإذا به يجد نفسه وحيداً في قناعته حتى خليفته تريزا ماي ردّدت على مسمعه ترحيبها بالاتفاق النووي مع إيران،"لا يزال أفضل طريقة لمنع إيران من تطوير سلاح نووي، ونحن ملتزمون بالحفاظ على الاتفاق ما دامت إيران تواصل احترام التزاماته".

أما حليفه الثاني ماكرون فقد أسمعه نفس الموقف :"يجب احترام بنود الاتفاق النووي مع إيران، فرغم الخطوات الأميركية لا زالت إيران ملتزمة بالاتفاق النووي الذي يشكّل خطوة في الاتجاه الصحيح". ووراءهما بالطبع أوروبا بكاملها.. فضلاً عن روسيا  والصين ومجموعة عدم الانحياز، لكن المؤسف لهم أولئك الذين مازالوا بعد يصدّقون أن أميركا لازالت حامية لعروشهم، فقد أزاح الستار عن مواقفه وقالها  أمام العالم في الجمعية العامة ومجلس الأمن الدوليين لا مجال لحمايتهم ما لم يدفعوا الثمن، وفعلاً قرّر سحب منظومات صواريخ متقدّمة من الشرق الأوسط.

ذكرت صحيفة "وول ستريت جور نال" نقلاً عن مسؤولين عسكريين أميركيين أن الولايات المتحدة تسحب بعض بطارياتها المضادة للطائرات والصواريخ من الشرق الأوسط." وقال التقرير الذي نشرته الصحيفة الأميركية، إن البنتاغون سيزيل أنظمة الصواريخ من المنطقة خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر  الحالي ، بل قال الأسوأ من هذا حين طلب من حكاّم الخليج  بداية خفض أسعار البترول.. ليهدّد لاحقاً منظمة الأوبك وكأنها منظمة تابعة للبيت الأبيض الأميركي وهو يعلم يقيناً أن فيها أكبر دولة منافسة له" روسيا".. وحتى إسرائيل والتي طالما مدحها وأعطاها ما لا يملك بل قال ذات مرة إن زوج  إبنته"كوشنير" يهودي وبالتالي فهي منا ونحن منها ، تراجع وأقرّ بحل الدولتين في فلسطين وأقرّ بذلك في الاجتماع السنوي لزعماء العالم في الأمم المتحدة قائلاً "يروق لي حل الدولتين.هذا ما أعتقد إنه الأفضل... هذا شعوري".

وأضاف "إذا كان الإسرائيليون والفلسطينيون يريدون دولة واحدة فلا بأس بذلك بالنسبة لي. إذا كان هذا يرضيهم فهو يرضيني". وقد فهمت إسرائيل اللعبة من فشل ترامب ومزاجه المتقلّب  وموقف روسيا وتزويدها سوريا "إس00 3"وهو ما دفع ليبرمان إلى القول"إسرائيل لم ولن تتدخّل في الحرب في سوريا، وكل ما يهمّها هو ضمان أمن مواطنيها". إذن المزاج السياسي ل "دولاند ترامب لا يمكن فهمه إلا في حالٍ واحدة هي النظر إليه  على أنه يتصرّف وكأنه نيرون روما والذي أحرق روما في نهاية المطاف.. المشكلة  أنه يتصرّف  كمقاولٍ في ورش البناء يبني ويهدم وفقاً لمزاجه..

والسؤال هل الدولة العميقة التي طالما تغنّى بها هي هذه الفوضى المترامية الأطراف التي يبشّر بها والمؤدّية في نهاية المطاف إلى الخراب أم أن ما يصدر منه هو مجرّد كلام عابر ولأغراض غير واضحة..؟ وهل الفريق الذي يعمل معه ويردّد أنغامه الجنائزية هو أيضاً بهذا المستوى أم أنه مجرّد فريق انتهازي لأن غالبيته جاء به من الأرشيف العسكري..؟ قد يكون لليل ضوء آخر منقذ للبشرية من شر ترامب وحاشيته لا يعرفه إلا هم وبالتالي ينسجون من الأخطاء المواقف ظناً منهم أن العالم هو الولايات المتحدة الأميركية  والباقي مجرّد عميان بقمصان سود أوكلهم "محاصرون في رقصة قاتلة" كما يقول غراهام فولر ( مسؤول سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية)، وتقول الصين- نيابة عن مؤيّدي الاتفاق النووي وميثاق الأمم المتحدة - رداً على تلك الاتهامات المجانية في كلمته في جلسة بمجلس الأمن، الذي دعا إليه ترامب"الصين احترمت دائماً مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية لدولةٍ ما".وتابع "إننا نرفض الاتهامات الموجّهة للصين ونطالب الدول الأخرى باحترام ميثاق الأمم المتحدة وعدم التدخّل في شؤوننا الداخلية".

مؤكّداً خطأ الموقف الأميركي تجاه إيران قائلاً، "إيران ما زالت تفي بالتزاماتها ضمن الاتفاق النووي"، واصفاً ذلك الاتفاق بـ"الناجح"والـ"المثالي". إن ترامب كما مؤكّد فشل في جرّ دول أخرى إلى سياسته العدوانية تجاه إيران  والعالم، فشل أيضاً  وفي محاولات عدّة خلق نزاع بين الصين وروسيا ، يؤكّد ذلك الفشل  المتحدّث الرسمي باسم وزارة الدفاع الصينية، جين هوتسيان،" إن واشنطن لا تملك أيّ حق في التدخّل في التعاون العسكري بين بكين وموسكو"وأضاف " : "ترتبط الصين وروسيا بعلاقات شراكة استراتيجية شاملة، والتعاون العسكري الثنائي، هو تعاون معتاد بين دولتين تتمتعان بالسيادة"  و" يهدف لحماية المصالح المشروعة لكلا الدولتين وضمان السلام والاستقرار الاقليميين، وكل ذلك في إطار معايير القانون الدولي" والسؤال هل ينتحر ترامب في نهاية المطاف أم يشعلها حرباً عالمية ثالثة بواسطه جون بولتون وبومبيو وهيلي نيكي..؟

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً