محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

الثقافة المظلومة؟

إن الجغرافيا ليست لأميركا وحدها، وإن الحضارة ليست للغرب وحده، كل العالم له نصيب في الإثنين، تلك هي حقائق التاريخ وحقائق الجغرافيا. نحن إذن، في حاجةٍ إلى مؤسّساتٍ إعلاميةٍ مثل الميادين في توجيه المُشاهِد والقارئ كيف يتعامل مع عصره ومُنتجاته الفكرية، وكيف يبدأ من البسيط إلى البناء المركّب والمُفيد.

طه حسين حمل تاريخاً من الثقافة رغم الاتهامات التي رُميَ بها زوراً
طه حسين حمل تاريخاً من الثقافة رغم الاتهامات التي رُميَ بها زوراً

ربما لن أكون مُنصفاً لو أكّدت فقط بأقل مما هو أكثر على أن قناة الميادين هي شعاع آمل لأمّةٍ ضاعت منها بوصلة الفهم الواقعي لما يدور حولها من أحداث هي لغير صالحها، بل هي أكثر من ذلك. ربما أيضاً لست مُبالغاً إن أكّدت على أننا وجدنا في الميادين، الكتّاب والإعلاميين، الذين يؤمنون بأن الحقيقة هي وليدة الكلمة الصادقة وأن الثقافة السياسية هي رأس مالهم. صحيح أن قواعد اللعبة تتغيّر من حينٍ إلى آخر والكاتب هو وحده القادر على توجيهها صوب الشدّ التاريخي للأمّةّ وما يميّزها تاريخياً وحضارياً.

إن التبعيّة ثقافياً أو سياسياً هي بداية الانتحار بل خلاصة الاستسلام لفكر الآخر، والمقاومة بالكلمة كالمقاومة بالبندقية كلاهما من صُلب الواقع، وكلاهما مساحة أمل للذين لعبت بهم سياسة الولاء الأعمى لغير واقعهم وتاريخهم، عن فَهْمٍ مُسبَقٍ أملاً في البقاء في السلطة (حال حُكّام الخليج) أوعن جهل مُطبَق. بتعبيرٍ آخر نحن في مساحة الميادين أحرار بمعنى الكلمة، وصادقون وإن ظنّ البعض إننا متحزّبون لغير المقاومة وفي غير مواجهة الآخر الذي لازال يؤمن بأنه الوحيد على أرض الواقع سياسياً وثقافياً.

إن الجغرافيا ليست لأميركا وحدها، وإن الحضارة ليست للغرب وحده، كل العالم له نصيب في الإثنين، تلك هي حقائق التاريخ وحقائق الجغرافيا. نحن إذن، في حاجةٍ إلى مؤسّساتٍ إعلاميةٍ مثل الميادين في توجيه المُشاهِد والقارئ كيف يتعامل مع عصره ومُنتجاته الفكرية، وكيف يبدأ من البسيط إلى البناء المركّب والمُفيد. وإلا فإننا سنبقى نتعامل مع قشور الحضارة وفتاتها وغيرنا يأخذ خاماتنا بثمنٍ بَخْسٍ ثم يعيدها إلينا مُصنّعة وبثمن أضعاف ما أخذه خاماً. أكيد، الكتابة محنة إذا شئت،أو متعة إذا أردت، لكن بين مَن يكتب للمحنة ومَن يكتب للفرحة مساحة، هي مساحة الحَدَث أو التصوّر، وإذا شئت التأمّل، وهناك كتابة تحت الطلب، "وهي شائعة اليوم" وهي لا تدخل في أيّ منهما، إنها كتابة لا تُعبِّر إلا عن غرضٍ موصَى به أو موحَى به، وهي بالتالي كتابة تأخذ طابع الحِرفة مثلها مثل كل مَن يوصيّ النجار بتجهيز مكتبٍ أو غرفةِ نومٍ.

سقُنا هذا الكلام لا حباً فيه ولا رجاء في مَن يريده، بل لأننا نعرف أن الكتابة، صحفية كانت أمْ أدبية أو سياسية هي عملية بناء وترميم لواقعٍ يحتاج إلى ذلك، وإعادة البناء هي عملية توجيه صوب الممكن والمُتاح وليست عمامة يلبسها الناس لحظة ويدعونها لحظات.. وهي بالتأكيد قاعدة الارتكاز في أيّ بناءٍ حضاري، وقاعدة التكوين لانطلاق أية ثورة في الإصلاح أو في المواجهة(النموذج ثورة الجزائر)...الكتابة أياً كان نوعها - بشرط ألا تكون حرفة للكتابة- هي خلاصة فكر ورأي،غير ذلك يجعلها مدار فَهْمٍ تجاري أو حتى انتحاري، ولعلّ ساحتنا العربية هي أكثر المساحات امتلاء بالكَتَبة من الصحافيين والإعلاميين، يُملى عليهم ومن أطرافٍ عدّةٍ مُلخّص تقاريرها وقد تكون خاصة وربما سرّية لتُنشَر كعملٍ صحفي، يجري ذلك من أجل غذاء فاخِر أو دولارات تُوزَّع عليهم في المناسبات. في هذا الجو الذي تحوّل فيه الصحافي والأديب إلى "كَتَبة"، وتحوّلت فيه صيحات النقد إلى مُبهمات لا تدقّ مسماراً في نعشٍ ولا تصلح سفينة أصابها العطب، جاء الغموض والجري وراء المُصطلحات بعيداً عن أيّ مفهوم أو منهج تقويمي فأصاب المساحتين معاً. في الأدب تفرَّغ الكَتَبة في أطروحاتهم شتّى الفروع وأضحى الواحد منهم لا يفهم في الأدب إلا ما كتبه في أطروحته، وبالتالي دخلت الأميّة الثقافية الطبقة التي تدّعي الأكاديمية والبحث العلمي وصارت مجرّد طبقة أخذت من التهميش للهوامش صرخة ومقصداً، ولا تفقه حتى ما كتبته ..إنها المصيبة وإنه العمى الفكري الذي أطلّ علينا بأنيابه فأكل الماضي الثقافي لأمّتنا بالحشو والهوامش، وحَصَد الحاضر باسم التخصّص الدقيق والمُصطلحات المُبهَمة..هناك إذن، ثقافة جادّة وقد تصنع الحدث وتفيض بالإحساس وتؤسّس لبناء أمّةٍ فضلاً عن بناء المجتمع، وهناك ثقافة عابِرة لا تصلُح لأن تكون حتى لغواً، ما يطرح الآن وعلى مدار الأيام، والأسابيع، والسنين ويدّعي أو ينتسب للثقافة ما هو في واقع الأمر إلا مجرّد استهلاك للوقت فضلاً عن المال العام .. الثقافة لا تُصنَع خارج الأدمغة المولَعة بها والمُتفانية في خدمتها، والمُلتزمة قضايا أمّتها، والثقافة أيضاً ليست ورشات فنية عابِرة تدعو أحياناً إلى الرثاء.

الثقافة السطحية مثل الثقافة المُسطّحة تمرّ فوقها العقول ولا ترى إلا ما يُمليه عليها الخيال للحظات. المُثقّف"أندري مالرو" وقف على حياة صديقة "الجنرال ديغول"و سجّلها خطوة، خطوة، بأسلوب يجعلك تحبّه حتى وأنت تكرهه. طه حسين حمل تاريخاً من الثقافة رغم الاتهامات التي رُميَ بها زوراً وظلّ شامخاً ومتربّعاً على عرشها لأنه سجّل بوعي حياته الثقافية وما توصّل إليه من فَهْمٍ للثقافة والتجديد فيها، وآخرون أيضاً .. اليوم تسمع جعجعةً ولا ترى طحناً بتعبير أبو الطيّب المتنبي، ذلك أن مَن يتولّى اليوم الثقافة بالمسؤولية أو بالتوجيه هو أكيد عنها بعيد ، إلا إذا استثنينا تلك الكلمات التي تُقال في مُقدّمات اللقاءات وهم في الأصل جزء من الإدارة و ليسوا جزءاً من الثقافة، جزء من مُترادفات القراءات الفرعية للحدث الثقافي ـ وليسوا من عُمقه، والذين يحملون على ظهورهم الهمّ الثقافي والإعلامي هم بالتأكيد خلف جُدران من زجاج في انتظار المواقف.
ثقافتنا تحتاج إلى نهوضٍ وإلى مُثقّفين يؤمنون بها ويمارسون حيّزاً مهماً فيها، الثقافية ليست منظّمات نائمة تنتظر الإعانات من الدولة أو توجيهاً منها، وأغلب ما يُعطى لها من الإعانات إذا تمّ فعلاً يتمّ صرفه في الأكل والشرب والمُلصقات، والحضور للمُثقّف أو المُتلقّي لا يوجد أصلاً، فالكل فيها تقريباً يعيش حالات الاسترخاء حتى وإن بدت الجدران كلها مُلصقات لأسماء مغنيين وأدباء.

الثقافة إحساس خاص يُلازِم أصحاب الهمّ الثقافي وإن لم يكن هناك مقابل، أعتقد أن أغلب المهرجانات التي تُقام هنا وهناك هي مجرّد "صيحة في واد ونفخة في رماد" كما يقول الكواكبي، إن الأمّة العربية ليست بلا أدباء ولا شعراء وكتّاب بل العكس هو الصحيح، لكن البيروقراطية الإدارية ومَن يتولّون أمرها هم في حاجةٍ إلى تكوين، فالكراسي الفخمة والمكاتب المُزركشة لا تصنع إلا الكسالى وأصحاب "ألهف" على حساب مبدأ مقدّس تصرف فيه الدولة المليارات سنوياً للظهور الإعلامي  وكفى.. لقد حضرتُ عدّة مهرجانات للثقافة وخرجت منها باكياً على ما آلت إليه الثقافة والذين يسيّرونها.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً