أحمد فال السباعي

باحث متخصص في الدراسات الاستراتيجية في المغرب

السعودية من الملكيةِ القبليةِ إلى الملكيةِ العسكريةِ

النظام العسكري الجديد لا ينقلب على حُكمٍ قائمٍ ولا على جيشٍ عسكري نظامي، بل ينقلب على شرعيةٍ موروثةٍ تحالف فيها أحفاد الأمير مع أحفاد الشيخ. إنقلاب ضدّ داعمي الدور الإقليمي السعودي التقليدي في صراع القوميين والإسلاميين والسلفيين، وفي الحفاظ على الوضع القائم statu-quo الذي أنهاه الربيع العربي. لا تريد السعودية اليوم أن تكون وسيطاً ولا داعماً للإسلاميين، كما أنها لا تريد أن تكون قائدة نشر المذهب الوهّابي السَلَفي في العالم. من جهةٍ أخرى لم تحسم دولة 2030 رؤيتها الإقتصادية الليبرالية بعد.

هل يمكن أن يتأسّس نظام الحزب العسكري الواحد في السعودية اليوم؟
هل يمكن أن يتأسّس نظام الحزب العسكري الواحد في السعودية اليوم؟

تنتقل السعودية اليوم بعد أزيد من قرنٍ من نظام السلطنة إلى النظام العسكري الذي لمس أغلب دول العرب في القرن الماضي، بعد أن قاومت دولة الريع أشكال التغيير السياسي التي طبعت دول الجوار منذ انسحاب الاحتلال الغربي المباشر للدول العربية. قاومت دويلات الخليج التي استأثرت بمواردها الشركات البريطانية ثم الأميركية بعد ذلك، قاومت المدّ الناصري والبعثي وحاولت على كراهة منها أن تدمج الحركات الإسلامية منذ انفصال الضبّاط الأحرار عن الإخوان المسلمين. لقد تأسّست الدولة السعودية الأولى على "تحالف الشيخ والأمير" على المذهب الوهّابي الحنبلي وعلى السيادة لآل سعود، وعلى هذا المسار تأسّست الدولة الثانية والثالثة.

أعلنت المملكة البترولية عن "مشروع 2030" ومن أمامه ومن خلفه تبدّى انتقال جديد للسلطة من الإخوة إلى الأبناء. السلطة الفعلية اليوم تمارس إعادة هيكلة للحُكم السُلطاني القبلي مُستبدِلة إياه بحُكمٍ عسكري عاشته وتعيشه كثير من دول العرب إبان زمن الانقلابات السياسية القومية في عهد ميشيل عفلق وجمال عبد الناصر ومعمّر القذافي. لكن إزاء الطابع القومي الإشتراكي الذي سارت عليه عسكرتارية عرب القرن الـ20، تتّجه الأنظمة العسكرية الجديدة في السعودية والإمارات نحو نمطٍ جديدٍ من التسلّط العسكري الخارجي الذي يتأسّس على الجيوش الأجنبية للدولة وعلى الجيوش الخاصة وعلى شركات البلوك ووتر.

بعد الربيع العربي، لم تصمد تحت إمرة حكّام الخليج وسائر الديكتاتوريات العربية إلا مجموعة خاصة من فُقهاء الجامية الجبرية التي رضيت بالحاكم السلطان قدراً لا يجوز الاعتراض عليه. هذه النزعة التي لا زالت وستظلّ ضعيفة التأثير في مجتمعات الإتصال والتواصل، لا تمتلك أن تحقّق تجديداً حقيقياً لموارد المشروعية في دولة القرن الـ21، حيث الشرعية يتنازعها مع القادة المحليين الدينيين والسياسيين قادة إقليميون وعالميون. إردوغان اليوم يبحث عن سلطنةٍ عثمانيةٍ جديدةٍ يوفّرها له النموذج الإقتصادي السياسي الناجح، وإيران توسّع من حلفها المقاوِم، ودُعاة الإنترنت يغزون السياسة والفتوى والمجتمع، ويمارسون تأثيراً بالغاً في ما تسمّيه بحوث عِلم السياسة المعاصرة بقنوات التنشئة السياسية والاجتماعية.

يراهن الممسكون بزمام الإقتصاد والسياسة السعودية على إنجاح مشروع صفقة القرن في هذا السياق، وعلى مواجهة الحركات الإسلامية التي وقع معها حكام آل سعود الطلاق البائن في مشروعها الجديد، الذي عنوانه الأساس الإنقلاب العسكري السريع والبات على المجتمع الديني وعلى المجتمع السياسي والإقتصادي لأجل تأسيس الحُكم الجديد.

في ظلّ حُكم ترامب البرغماتي اللجوج، تتناغم القسوة التي واجه بها النظام السعودي خصومه من المثقّفين والعُلماء مع توجّهات الإدراة الأميركية الجديدة التي لا تحرّكها إلا مغانم الحرب الإقتصادية ومكاسبها. حرب وجود إقتصادي تقودها ضدّ الصين وأخرى مع حلفائها وثالثة مع إسرائيل حيث تختلط رائحة العقيدة الإنجيلية بطعم الدولار اليهودي السائد في بلاد العمّ سام وخارجها.

النظام العسكري الجديد لا ينقلب على حُكمٍ قائمٍ ولا على جيشٍ عسكري نظامي، بل ينقلب على شرعيةٍ موروثةٍ تحالف فيها أحفاد الأمير مع أحفاد الشيخ. إنقلاب ضدّ داعمي الدور الإقليمي السعودي التقليدي في صراع القوميين والإسلاميين والسلفيين، وفي الحفاظ على الوضع القائم statu-quo الذي أنهاه الربيع العربي. لا تريد السعودية اليوم أن تكون وسيطاً ولا داعماً للإسلاميين، كما أنها لا تريد أن تكون قائدة نشر المذهب الوهّابي السَلَفي في العالم. من جهةٍ أخرى لم تحسم دولة 2030 رؤيتها الإقتصادية الليبرالية بعد.

نزول أرامكو إلى سوق البورصة العالمية يمثّل مرحلة جديدة من مراحل تغوّل المنظومة المالية الدولية تجاه الإقتصادات القومية الفاقِدة لليوم لقرارها المالي والإقتصادي والسياسي تبعاً لذلك. النظام العسكري الذي يجلد خصومه بسياط غيره، لا يمتلك من السيادة إلا ما يمتلك المضاربون في سوق الأسهم العالمية.

هل يمكن أن يتأسّس نظام الحزب العسكري الواحد في السعودية اليوم؟ الإجابة عن هذا السؤال تخطّها اليوم سياسة صانعي القرار في دولة الحرمين، حيث لا يتقبّل الكثير من المسلمين سياسات دولة "التوحيد" تجاه الكثير من القضايا العربية، وحيث يراهن أولئك الذين زيّنوا لحكّام آل سعود هذا المسار بمؤشّرات حال الضعف العربي العامة التي انشغلت فيها الحركات الإسلامية بقضاياها الداخلية والمحلية، وتوسّع فيها مجال النفوذ الإسرائيلي، وزادت فيها حدّة الضغوطات على إيران وتركيا.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً