فيصل جلول

باحث لبناني مقيم في فرنسا

ثُلاثيةُ المقاومةِ الجولانية: العِرْضُ والأرْضُ والهوية السورية

ـَتخرجُ بعض أعمال المقاومة من أوضاعٍ شبه مُقفلة ويائِسة، لا تحملُ وعوداً وآمالاً كثيرة، فتنتزع إعجابنا. وتبدو بعض وسائل الإحتلال للوهلة الأولى، وكأنها لا تقاوم، بسبب جاذبيتها وطابعها المُحايد لكن ضعفها القاتل يكمن في لا أخلاقيّتها. يخرج المرء بهذا الانطباع لدى مُقاربته ظاهرة المقاومة السورية أو العربية (أو الوصفين معاً) في الجولان المُحتل، وهي مقاومة مدنية عموماً، ومُسلّحة جزئياً، منذ نصف قرن، لكنها لم تستأثر بما تستحق من الإهتمام. وهذا يشملنا جميعاً نحن الذين نرفعُ أصواتنا دفاعاً عن المظلومين والمُضطَهدين في العالم، فما بالك بأهلنا الذين يقاوِمون بإرادتهم الصلبة، ويرفضون الخضوع لإجراءات الإحتلال الخطيرة، والجذّابة أحياناً كثيرة، وآخرها الدعوة إلى انتخاباتٍ محلية.

التقدير الصهيوني للمزايا الاستراتيجية لهضبة الجولان استدعى مشروع اقتلاع سكاني شامل
التقدير الصهيوني للمزايا الاستراتيجية لهضبة الجولان استدعى مشروع اقتلاع سكاني شامل

أقول "جذّابة" قياساً بما جرى خلال الاحتلال الفرنسي للجزائر، حين كان الجزائريون يطالبون بحق الإقتراع يوم كانت بلادهم مُصنّفة مُقاطَعة فرنسية، بَيْدَ أن طلبهم جوبِهَ بالرفض كي لا يتحوَّل الإقتراعُ إلى وسيلةٍ لبناء سُلطة شرعية تحمي الهوية الجزائرية من محاولات التدمير الكولونيالي التي لم تتوقَّف طيلة قرن وثلث القرن.
في الجولان يُقدّم المحتل الصهيوني الإقتراع بوصفه وسيلة بريئة لتشكيل سلطة ذاتية مُحايدة للأهالي، وهو مُجرَّد خِدعة تبدو في ظاهرها ديمقراطية ، لكنها ترمي في جوهرها إلى دَمْجِ الهيئة التمثيلية التي من المُفترض أن تنطق بإسم الجولانيين المُقترعين، بنظام الإحتلال وقوانينه وشرعيته المُزيَّفة وإن تم ذلك يقع " الضمّ البشري" للهضبة السورية بعد الضمّ الجغرافي عام 1981 وهو الأخطر بكل القياسات. لذا يمكن القول من دون تردّد، إن رفض إجراءات المحتل "الديمقراطية" المُزيَّفة وجعلها وكأنها لم تكن يوازي حماية الهضبة من "التهويد". إنه ببساطة قضية حياة أو موت بالنسبة لمَن تبقَّى من الجولانيين في أرضهم.
القول إن هذه المقاومة لم تستأثر بما تستحق من الاهتمام، يشمل أيضاً كاتِب هذه السطور. كأن ما يحدث في الجولان بالنسبة لي أمراً يشبه التمرّد العابِر أو الاحتجاج الروتيني الذي ينتهي بُعَيْدَ حجب الصوَر التي تحمله على صفحات وسائل الإعلام، إلى أن دُعيتُ إلى إلقاء محاضرة بالفرنسية في المركز الثقافي السوري في باريس عن الجولان بمناسبة مرور أربعين عاماً على احتلاله، فكان عليَّ أن أدخل في عُمق هذه الظاهرة ، وأن أقف على ما يُشبه المُعجزة في مقاومة الأهالي لأخطر قوّة احتلال في هذا العصر.
بداية لا بدّ من رسم الإطار الذي استقرّ الجولان بعد احتلاله. فقد بادرتْ السلطاتُ الإسرائيلية إلى التعاطي مع الهضبة السورية بوصفها منطقة استراتيجية حيوية للغاية بالنسبة لإسرائيل. فهي توفِّر 40 بالمئة من المياه التي تحتاجها الدولة العبرية، وتبعد 50 كلم عن العاصمة السورية ، وبالتالي تجعل من الصعب على الجيش السوري خوض حرب مُفاجئة لاستعادتها، ناهيك عن إن تضاريسها الصعبة المؤلَّفة من جبالٍ وتلالٍ، لا تسمح بهامشٍ واسعٍ للمناورة لجيشٍ نظامي يهاجمها. أضف إلى ذلك إشرافها على سهل الحولة، بل موقعها المحوري كعقدةِ اتصالٍ مع الأراضي اللبنانية والأردنية والفلسطينية ومنها يمكن استهداف العُمق الصهيوني.
التقدير الصهيوني للمزايا الاستراتيجية لهضبة الجولان استدعى مشروع اقتلاع سكاني شامل وقد يكون الأخطر والأكبر قياساً بخطط الاستيطان في الأراضي المحتلة. فقد دمَّر الصهاينة 153 بلدة كبيرة ومتوسّطة الحجم ، و108 قرى مُتفاوِتة الحجم واعتمد سياسة تطهير عِرقي أدَّت إلى تهجير أكثر من 150 ألف جولاني من أراضيهم ومدنهم. ومن ثم غيَّر المحتل أسماء القرى والأماكن من عربية إلى صهيونية ، وزرعَ فيها عشرات المُستوطنات وحَصرَ ما تبقّى من الجولانيين في 5 قرى أساسية تضمّ مُجتمعة في تقديراتٍ حديثةٍ ما يزيد قليلاً عن 20 ألف نسمة، مقابل حوالى 30 ألف مُستوطِن صهيوني. وقد أدّى تدمير القرى إلى تدمير الاقتصاد المحلي ، وبالتالي تغيير شروط حياة الناس بحيث تُدين للمحتل، لا إلى سوريا الدولة والمجتمع والاقتصاد. وفي المُحصّلة عملَ المحتل على تدميرِ البنيةِ التحتيةِ لكلِ مقاومةٍ مقبلة.
تنبغي الإشارة إلى أن التطهير العِرقي للجولان، قد أصاب أهله المُتنوّعي الإنتماءات، وبدا من حصيلة التطهير، أن المحتل كان يُراهن على تقارُبٍ بين تيّار درزي إندماجي في فلسطين التاريخية وبين دروز الجولان، وإن تمّ هذا التقارُب، يقعُ الضمُّ الكامل أرضاً ومجتمعاً. بَيْدَ أن الجولانيين رفضوا تغيير هوية أرضهم ودافعوا بأظافرهم عن الانتماء العربي لهضبتهم وعن تمسّكهم بوطنهم. فشلت كل محاولات الاحتلال في قهرهم بوسائل عيشهم، ومن غير المُستبعَد أن يكون دروز فلسطين التاريخية، قد أقرّوا ما أقرَّ عليه دروز الجولان، فكان أن فشلتْ الحلقة الأخطر في الخطة الإسرائيلية، أيّ ضمّ الأرض بدمج سكانها برضاهم ومشاركتهم.
على الرغم من صعوبات المقاومة بالسلاح الحربي، بعد التطهير العِرقي الصهيوني للهضبة وحَصْر مجتمعها بخمس قرى، فقد بادر جولانيون إلى القتال حين أُتيِحَ لهم القتال المُسلّح، إلاّ أن الجانب الأساسي في المقاومة تمثّل بالحفاظ على الأرض والهوية العربية السورية وهي مقاومة ناجحة، لم تتراجع في ذروة الحرب التي شُنّتْ على سوريا وها هي تُستأْنفُ بقوّة في وجه المحتل الخائِب.
إن بعض مرويات المقاومة المدنية الجولانية جديرة بالإشارة والتنويه، ومنها مبادرة مسيحيين من فلسطين المحتلة إلى الصلاة دورياً في كنيسة عين قنية ، حيث لم يبقَ في القرية سوى أسرة مسيحية واحدة ترعى الكنيسة وذلك من أصل حوالى 15 بالمئة من سكان الجولان المسيحين الذين هَجّرتهم إسرائيل ودمّرتْ أُسُس وجودهم في الهضبة. ولعلّ الأُسرة والكنيسة المسيحية الباقية في هذه القرية، خير دليل على أن الأهالي يقاوِمون دفاعاً عن أرضهم حتى العائلة الأخيرة وحتى الرّمق الأخير.
تبقى إشارة إلى جانبٍ أساسي في المقاومةِ الجولانيةِ لا يتقدّم إلى صدارةِ المسرح، ونعني به قَداسة الأرض في عقيدة الموحّدين الذين تعرّضوا خلال تاريخهم الطويل لخطرِ الإقتلاع من قراهم ومدنهم، فكان أن وضعوا خطاً أحمرَ على حماية "الأرضْ والعِرضْ". هذا المبدأ يُعتَبر محورياً في ثقافتهم السياسية وذلك إلى جانب احترامهم، إلى هذا الحد أو ذاك، لهرميّتهم الاجتماعية والدينية، إذ يلعب مشايخهم دوراً أساسياً في تحديد مواقفهم المبنية، في لغتهم وأحاديثهم على العقلانية كما بدا في شعارهم الأساسي خلال انتفاضتهم الأخيرة "الامتناع عن المُشاركة في الانتخابات هو احترام للعقل" أو "هويّتنا سوريّة مش ناقصنا هوية".
إذا كان صحيحاً أنْ لا بديل عن المقاومة المُسلّحة لتحرير الأرض فالصحيح أيضاً أن المقاومة المدنية في الجولان العربي السوري المُحتل، ما زالت تحفظ هوية الأرض إلى أن تعود الى الحضن السوري بعد طول احتلال.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً