فيصل جلول

باحث لبناني مقيم في فرنسا

من ناصر والخُميني إلى ميشال فوكو "الروحانيّةُ السياسية" ل "إقليم" خالٍ من الإمبريالية والَتسلُّط الأجنبي

ربما اختار الأمير السعودي أن يُبعِد تركيا الإردوغانية عن لائحة أعداء بلاده لأسبابٍ تكتيكيةٍ مُتّصلةٍ بقضية خاشقجي، لكن الحُكم الراهِن في بلاد العثمانيين اليوم أصابه مسّ من "الروحانيّة السياسية" هي التي أدّت الى جَمْعِ الشعب والجيش معاً في مُكافحة انقلابٍ مدعومٍ من الغرب، وبالتالي دعم حزب العدالة والتنمية الذي يعمل على تفكيك الإرث الأتاتوركي بهدوء وبعيداً عن الأنظار مُتذرّعاً بحركة فتح الله غولن أو بمُكافحة الإرهاب أو بضروراتٍ اقتصادية.

ما كاد أثر الناصرية يتراجع بعد رحيل الرئيس جمال عبدالناصر حتى نهضت الخُمينية في إيران لتُحطّم الحلقة الأقوى في الشرق الأوسط
ما كاد أثر الناصرية يتراجع بعد رحيل الرئيس جمال عبدالناصر حتى نهضت الخُمينية في إيران لتُحطّم الحلقة الأقوى في الشرق الأوسط

لا نعرف مدى صحّة الكلام المنسوب إلى الأمير محمّد بن سلمان حول مسؤولية الرئيس المصري الراحِل جمال عبد الناصر والزعيم الروحي الإيراني آيةالله الخُميني في "تدمير المنطقة والتسبّب بمشاكل للمملكة العربية السعودية" وحول تعيينه "إيران والإخوان المسلمين وحماس وحزب الله وداعش والقاعدة" في خانة "أعداء المملكة". أقول لا نعرف بدقّة لأن شيئاً من هذا القبيل لم يُنشَر في وسائل الإعلام السعودية، لكن في الوقتِ عينه لم يصدر نفيٌ من الرياض لِما نُشِر ما يوحي بأن الكلام المنسوب للأميرِ السعودي يُعبّر عن قناعته وقراءته لتاريخِ المنطقةِ واستنتاجه لِما ينبغي أن تكون عليه "رؤيته" الشهيرة للعَقْدِ القادِم.

 لكن لعبة التأكيد والنفي والغموض تتراجع أمام هوية الوفد الذي استقبله وليّ العهد السعودي، برئاسة جويل روزنبرغ الكاتِب الإنجيلي المُتعصِّب المُقيم في القدس المُحتلة وعضويّة مُمثلين لِما يُعرَف بالصهيونية الإنجيلية وجماعة الصلاة في القدس وآخرين من التيار الأكثر تشدّداً في تأييده لإسرائيل في الولايات المتحدة وذلك إلى حد رفدها بحركةٍ صهيونيةٍ مسيحية. هذا فضلاً عن استقبال الوفد للمرة الأولى  في الرياض وهو تطوّر غير مسبوق في تاريخ المملكة.

ثمة مَن لا يرى ضرورة لهذه المُقدّمة في الحديث عن الموقف السعودي من الثُنائي العربي الإيراني ناصر والخُميني، فالمملكة خاضت صِراعاً طويلاً مع  الرئيس الراحِل جمال عبد الناصر، وكانت حليفاً قوياً لشاه إيران الذي خلعته الثورة الإيرانية، وبالتالي من الطبيعي أن يرى وليّ العهد السعودي في الزعيمين الراحِلين، ما رآه من قبل أعمامه فيصل وخالد وفهد وعبدالله الذين كانوا مُخلصين لموقعهم في خريطةٍ سياسيةٍ شرق أوسطية استقرّت بعد الحرب العالمية الأولى وفق شروط "سايكس ـــــ بيكو" وترسّخت بعد الحرب العالمية الثانية.

لم يُخطىء الأمير السعودي في وصفه لأثر الناصرية والخُمينية في "تدمير المنطقة" مع فارِق جوهري في أن ما يُسمّيه "دماراً" هو في الواقع ثورة شاملة لتدمير البنى السياسية التي نشأت أو استقرّت على مبنى  سايكس ـــــ بيكو. وقد رأينا نتائج هذا الدمار في قلب الأنظمة المَلكية في مصر والعراق وليبيا واليمن وفي تحرير الجزائر وجنوب اليمن من استعمار دام لقرنٍ وثلث القرن وطَردْ المستعمرين من إفريقيا والضغط عليهم للرحيل من الخليج، لا بل وصل الأمر بالرئيس المصري الراحِل إلى حدّ الدعوة لإسقاط النظام في المملكة العربية السعودية نفسها ، ولعلّ هذه الدعوة ما زالت حاضِرة بقوّةٍ في الثقافة السياسية للأسرةِ السعودة الحاكِمة.

وما كاد أثر الناصرية يتراجع بعد رحيل الرئيس جمال عبدالناصر حتى نهضت الخُمينية في إيران لتُحطّم الحلقة الأقوى في الشرق الأوسط ونعني بها نظام الشاه الذي لم يكن فقط "دركيّ الخليج" وحامي إمدادات النفط إلى الأسواق العالمية، وإنما أيضاً الحليف الأكبر لإسرائيل ويُشكّل معها ومع النظام التركي الكمالي الأركان الثلاثة لحراسة الشرق الأوسط  والحؤول دون تغيير أنظمته ودوله.

ولو أراد الأمير السعودي أن يُفاضِل بين الناصرية والخُمينية لربما اختار الناصرية ليس لأنها عروبية وإنما لكونها مبنية على ثقافةٍ سياسيةٍ كلاسيكيةٍ نجد جذورها في الوحدتين الألمانية والإيطالية في القرن التاسع عشر ، وفي الثورة الفرنسية البرجوازية والعِلمانية ضدّ المَلكية وفي الاشتراكية الفرنسية تارة والماركسية تارة أخرى. وعلى الرغم من إنجازاتها الهائلة في العالم العربي والعالم الثالث خلال 15 عاماً، هي فترة حُكم ناصر، إلا أن العودة عنها في منشئها كانت مُيسّرة بصورةٍ مُفاجئةٍ، من ضمن لعبة الانتماء إلى المدارس السياسية الحديثة التي استخدمها خليفة عبد الناصر ومساعده الراحِل أنور السادات بانتهازيةٍ مَقيتة ، إذ قال إن الاشتراكية جاءت بهزيمةِ حزيران ــــ يونيو 1967، وإن الليبرالية هي الحل خصوصاً "أن 99 بالمئة من أوراق حلّ الصراع مع إسرائيل موجودة في البيت الأبيض الأميركي" على حد تعبيره. لقد انتصر السادات على الناصرية سياسياً، لكنه هُزِمَ أخلاقياً، لأن الناصرية تنطوي على ما يُسمّيه الفيلسوف الفرنسي الراحِل ميشال فوكو ب "الروحانيّة السياسية" وهي التي أتاحت للمصريين والعرب تحقيق إنجازات قرنيّة خلال أقل من عقدين ، لكن "الروحانيّة السياسية" الناصرية ما كانت تتمتّع بالقَداسةِ كما هي حال الخُمينية التي بقيت في الحُكم بعد الخُميني بل لربما ستُساهم في قلب الشرق الأوسط بحيث يصبح منطقة خالية من الإمبريالية الأميركية.

ولربما اختار الأمير السعودي أن يُبعِد تركيا الإردوغانية عن لائحة أعداء بلاده لأسبابٍ تكتيكيةٍ مُتّصلةٍ بقضية خاشقجي، لكن الحُكم الراهِن في بلاد العثمانيين اليوم أصابه مسّ من "الروحانيّة السياسية" هي التي أدّت الى جَمْعِ الشعب والجيش معاً في مُكافحة انقلابٍ مدعومٍ من الغرب، وبالتالي دعم حزب العدالة والتنمية الذي يعمل على تفكيك الإرث الأتاتوركي بهدوء وبعيداً عن الأنظار مُتذرّعاً بحركة فتح الله غولن أو بمُكافحة الإرهاب أو بضروراتٍ اقتصادية.

إن وجه الشبه بين النظامين الشاهنشاهي والأتاتوركي واسعٌ للغاية: هما ينتميان إلى توجّهٍ واحدٍ يقوم على فَرْضِ قواعد الحَداثة الغربية الصارِمة على مجتمعٍ غير قابل للتكيّف ويأنف من فرضها بطريقةٍ صارِمةٍ ومن تعميقها للتبعية، وهو مجتمع يمتلك في الحالين الإيرانية والتركية  ثقافة تاريخية تُتيح له مقاومة تحديث بلا روح أو بروحٍ أخرى غريبة واستتباعيّة لا تنتمي إلى المكان وأهله. ليس رجب طيب أردوغان زعيماً روحياً فهو يسير على رؤوس أصابعه على خُطى آيه الله الخُميني تارة وفلاديمير بوتين تارة أخرى ودونالد ترامب تارة ثالثة من دون تأنيب ضمير.

لم يُدمّر آية الله الخُميني وقبله الرئيس جمال عبدالناصر الشرق الأوسط وإنما "الروح السياسية" المهزومة التي استقرّت بعد الحرب العالمية الثانية في منطقتنا وصارت محميّة باستعمارٍ استيطاني في فلسطين المحتلة. ولعلّ الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو الذي يُعَدُّ في بلاده آخر الفلاسفة الكِبار، قد قرأ بعينٍ ثاقبةٍ  قبل 30 عاماً ظاهرة "الروحانيّة السياسية" في منطقتنا بوصفها مُحرّكاً لكل الانتفاضات وحركات التمرّد في العالم. وقال إنها لن تقف عند الحدود الإيرانية بل ربما تسبّبت في تغيير المشهد العام في كل الشرق الأوسط وصولاً الى أوروبا.. ومعه نتساءل عن خطاب دونالد ترامب الذي يتحدّث عن "خنق" إيران  بواسطة العقوبات حتى تُغيّر سلوكها، أي تتخلّى عن "روحانيّتها السياسية" ، في حين أنها مع حلفائها تخوض بحماسٍ معركة شاملة كي يصبح الشرق الأوسط منطقة خالية من الإمبريالة والتسلّط الأجنبي.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً