علي أبو الخير

كاتب مصري.

الشيخ القرضاوي مفتي الجماعات أفتى بالقتل

ما بين فتوى القتل وفتوى المدح، يقف القرضاوي طائفياً في فكره، لا سنيّاً ولا أزهرياً، لأنه إذا كان يعارض الرئيس بشّار الأسد لكونه من الطائفة العلوية، فهو الذي أفتى بقتل الرئيس الليبي "معمّر القذافي"، والمُفترَض أنه من "أهل السنّة"، فقال "من استطاع أن يقتل القذافي فليقتله ومن يتمكّن من ضربه بالنار فليفعل، ليريح الناس والأمّة من شرّ هذا الرجل المجنون".

الرجل إذن يفتي من موقع الطائفية، لأنه عندما تأكد أن الثورات العربية ستكون ضمن صفوف المقاومة
الرجل إذن يفتي من موقع الطائفية، لأنه عندما تأكد أن الثورات العربية ستكون ضمن صفوف المقاومة

عقد "اتحاد علماء المسلمين"، اجتماعاً في مدينة "إسطنبول" يوم 3 تشرين الثاني|نوفمبر 2018، وألقى رئيس الاتحاد الشيخ "المصري" أصلاً، "القطري" بالجنسية يوسف القرضاوي خطاباً أسماه لقاء الوداع، مُتنحياً عن رئاسته للاتحاد، الذي أُسّس أصلاً من أجل التقريب بين أبناء الأمّة، ولكنه اليوم يتّخذ موقفاً طائفياً، يتبنّاه الشيخ القرضاوي، ففي كلمته في الاجتماع، قال ضمن مما نقتطف منه عن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان،: "تركيا برجولتها وقوّتها، يحاول أن يكيد لها الذين لا يحبّون أن تعود هذه الأمّة أمّة كبرى، والغرب من وراء ذلك، وكادوا ينتصرون، لولا أن الله مع الرئيس رجب طيب أردوغان وإخوانه، الله هو الذي شدّ إزرهم، وكتب نصرهم، وأنقذهم من شرور الآخرين.. سينصر الله أردوغان ما دام المسلمون الصادقون معه... كانت تركيا تقود العالم الإسلامي، أخذت منها الراية وتعود إليها... إسطنبول من فتوح الأتراك المسلمين الذين حملوا رسالة الإسلام.. ستعود راية الإسلام، نَصَرَ الله أخانا الحبيب المُجاهِد الزاهِد الذي حمل هذه الراية للعالمين، الطيب أردوغان، حمل راية الإسلام ولم يكن عنده مال ولا عنده رجال.. الله مع أردوغان وإخوانه،..."، هذا بعض ما قاله الشيخ القرضاوي عن مُبايعته لأردوغان، الذي وصفه بالمُجاهِد، على غرار فتاويه عن المُجاهدين الأفغان من قبل، عندما خدم الاستخبارات الصهيونية الاستكبارية بفتاويه (ربما من دون أن يعلم) ، عندما حرّض الشباب المسلم لإسقاط الاتحاد السوفياتي والعالم الإسلامي معه، ثم إننا لا نعلم أين يُحارب الأتراك الآن في كل مكان، اللهم إلا في سوريا، حيث تحتل تركيا بعض أراضيها بتعاونٍ مع الأميركان والصهيونية، وتقتل الحكومة كرد تركيا، ولا تسمّيهم الكرد، فالإسم الرسمي لهم "أتراك الجبل"، وأردوغان هو الذي درّب وموّل مع النظامين السعودي والقطري الإرهاب الداعشي في سوريا وليبيا، وتتدخّل تركيا في الشأن العراقي، واشترى أردوغان النفط المسروق من الدواعش، فأين هي القوات التركية التي تُدافع عن الإسلام، كما يروّج الدكتور القرضاوي، وكذلك تركيا تتعامل مع الكيان الإسرائيلي، وتعترف به منذ عام 1948.
وحتى في قضية قتل النظام السعودي للصحافي "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية في تركيا، لم يُعلِن أردوغان بصورةٍ واضحةٍ عن كافة أركان الجريمة، فقط يُلاعِب الدولة السعودية، من أجل المكاسب السياسية فقط، ولا شأن له بالدين الإسلامي، والقرضاوي هو مَن قال من قبل "إن الله وجبريل عليه السلام مع رجب أردوغان"، وهو الذي يعيش في دولة "قطر"، يهاجم كل الأنظمة، ولا يجرؤ أو حتى يحدّث نفسه عن أي نقد للنظام في "قطر"، وهو أمر معروف، السياسة السلطانية القديمة، التي تُعطي الشرعية الدينية لأيّ حاكم، طالما يعيش رجل الدين في سُلطانه، فقد مدح القرضاوي السعودية وشيوخ الوهّابية، كثيراً من قبل، ولكنه انقلب عليها، عندما سمحت السياسات الغربية، وهو تناقض نفهمه، ولكننا لا ندافع عنه، بقدر ما نهاجمه، لأنه يقنّن للفتن..
لقد اعتقد كثيرون أن الشيخ القرضاوي من المُجدّدين المُجتهدين في الإسلام، ولكنه كشف نفسه، عندما انطلق ما يُسمّى بالربيع العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، اعتقد القرضاوي أنه صاحب الثورة أو مُفجّرها مع الجماعة الإخوانية، وعندما نجح الثوّار المصريون في خلع الرئيس حسني مبارك يوم 11 شباط|فبراير 2011، اعتقد الإخوان المسلمون والوهّابيون ومَن تابعهم، أن مصر سقطت في أيديهم، فقام الشيخ القرضاوي بزيارة ميدان التحرير في القاهرة يوم الجمعة 18 شباط|فبراير 2011، وأمّ المسلمين في الصلاة، وفي الجمعة التالية خطب في "الجامع الأزهر"، فاعتقد واعتقد أصحاب التيارات الإسلامية السياسية، أن الخلافة ستعود قريباً، واعتقد القرضاوي أنه يقوم بنفس دور الإمام "روح الله الخميني"، مُرشد الثورة الإسلامية في إيران، وتناسى القرضاوي أن الإمام الخميني هو المُمهِّد والمُجهِّز والمُشعِل للثورة، فاختاره الشعب الإيراني رمزاً وقائداً له، فنجح في طرد الشاه وأميركا وإسرائيل دفعة واحد، عام 1979، ولكن القرضاوي استدعى في مخيّلته الخلافة، وأنه يمكن تواجدها، تحت القيادة التركية الجديدة، فزار رجب أردوغان مصر، وذهب إلى ميدان التحرير، وكأنه أحد ثوّار مصر، ورحَّب به القرضاوي عبر خطبه في مسجده في العاصمة القطرية "الدوحة"، وعندما انهزم الإخوان في مصر، كانت الفجيعة للقرضاوي وأردوغان معاً، وهو سرّ الاتفاق بينهما، خليفة يحكم وشيخ يُبرّر، وليفعل السلطان ما يشاء..
وعندما انتقلت المؤامرة إلى سوريا عام 2011، انتهز القرضاوي الفرصة، وأفتى بقتل الرئيس بشّار الأسد، بل وأفتى بجواز تدخّل حلف شمال الأطلسي "الناتو" لقتل الرئيس بشّار، رغم أن القرضاوي زار سوريا عام 2006، ومدحَ الرئيس بشّار الأسد، وقال : "زيارتنا لسوريا طبيعية لنتحدّث مع الرئيس بشّار الأسد ، ونرى ما يجب أن يفعله قادة الأمّة، فتحيّة إلى الشعب السوري وتحيّتنا إلى القائد بشّار الأسد ... سوريا هي التي وقفت لأميركا وقالت "لا" ، لذلك قنّنوا لها القوانين من أجل عقوبتها، ولكن إن شاء الله ستظلّ سوريا مرفوعة الرأس قوية الأساس"، ثم أشاد بحزب الله وقال : "قاد حزب الله في لبنان حرباً، كان بحمد الله هو المُنتصِر فيها، على ما يُسمّى القوّة التي لا تُقهَر والشوكة التي لا تُكسَر، وقد كُسِرَت هذه الشوكة أمام حزب الله ومَن أيَّده"،.
ما بين فتوى القتل وفتوى المدح، يقف القرضاوي طائفياً في فكره، لا سنيّاً ولا أزهرياً، لأنه إذا كان يعارض بشّار الأسد لكونه من الطائفة العلوية، فهو الذي أفتى بقتل الرئيس الليبي "معمّر القذافي"، والمُفترَض أنه من "أهل السنّة"، فقال "من استطاع أن يقتل القذافي فليقتله ومن يتمكّن من ضربه بالنار فليفعل، ليريح الناس والأمّة من شرّ هذا الرجل المجنون"، ثم قال مؤكّداً أن دم القذافي في رقبته، أيّ رقبة القرضاوي، وقتل حلف "الناتو" بالفعل القذافي، كما طلب القرضاوي، الذي زار ليبيا عام 2003، وقابل القذافي، ومدحه، وأشاد بنشر القذافي للإسلام في ليبيا، وتناسى وقتها مأساة إخفاء وقتل الإمام "موسى الصدر" عام 1978، ولكن الغرض مرض، ولذلك وعلي النقيض، كانت ردود أفعال القرضاوي من ثورة البحرين، فقد اعتبر الثورة في البحرين ثورة طائفية وليست ثورة شعب، بحجّة أن معظم القائمين عليها من أهل الشيعة، وكذلك راح يمدح "صدّام حسين"، وهو الذي أفتى بكفره عندما غزا "الكويت"، القرضاوي يهاجم شيعة العراق، فقط لأن منهم رئيس الوزراء، وخطب كثيراً طالباً منع الشيعة من السيطرة على عراق ما أسماه "عراق هارون الرشيد"، وتبعه الشيخ العراقي "حارث الضاري" ومعه شيوخ الوهّابية السعودية، فقام "أبو مصعب الزرقاوي" وجماعات التكفير بشنّ حملة إبادة ضدّ الشيعة والسنّة المُخالفين لهم من 2004 – 2007، فعاثوا فساداً في الأرض، وكان داعش أحد نتائج فتنة العراق، التي أجّجها القرضاوي ورفاقه.
الرجل إذن يفتي من موقع الطائفية، لأنه عندما تأكد أن الثورات العربية ستكون ضمن صفوف المقاومة، والمقاومة تقودها "إيران"، فُجِع الرجل، وصار يهذي، فادّعى عام 2012، وأثناء حُكم الإخوان المسلمين أن الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الراحل "محمود شلتوت"، لم يفتِ بجواز التعبّد على المذهب الجعفري، ولكن شيوخ الأزهر كذّبوه، وقالوا له إن الفتوى في مكتبة وثائق الأزهر، فصمت على مَضَض، ولكنه عاد يهاجم الدولة المصرية، جيشاً وشعباً، فالمصريون "سنّيو المذهب ... شيعيّو الهوى"، ولكن القرضاوي يريد أن تكون مصر ولاية تابعة لتركيا في دولة خلافة مزعومة، حتى لو سقط وطنه الأصلي "مصر"، وهي طائفية تؤكّد للناس صدق مقولة الإمام علي بن أبي طالب عن بعض الشيوخ"يتفقّهون لغير الله، ويتعلّمون لغير العمل، ويعملون للدنيا بأعمال أهل الآخرة"، صدق الإمام وكذب مخالفوه...

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً