ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

حرب اليمن ستنتهي، ولكن!

شغلت حرب اليمن والمأساة الإنسانية التي يعيشها اليمنيون حيّزاً مهماً من النقاشات وتصريحات القادة المجتمعين في باريس لإحياء ذكرى الحرب العالمية الأولى، وقد يكون ذلك مردّه إلى الإحراج الذي سبّبته قضية الخاشقجي للمملكة العربية السعودية وللدول الداعِمة لها، وأهمها الدول الغربية التي استمرت تبيعها الأسلحة بالرغم من الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي حصلت في اليمن بسبب استخدام تلك الأسلحة.

حرب اليمن ستنتهي، ولكن!
حرب اليمن ستنتهي، ولكن!

وقد تكون إدراة ترامب أرادت استباق أيّ اجتماع للكونغرس للبحث في مصير المُشاركة العسكرية (ولو الرمزية) للولايات المتحدة الأميركية في حرب اليمن، فتمّ الاتفاق على وقف خدمة تزويد طائرات التحالف السعودي بالوقود في الجو. وتشير التقارير إلى أن الأميركيين يُسهمون بأكثر من هذه المشاركة الرمزية، فيقومون بتزويد التحالف بصواريخ ذكية، بالإضافة إلى تقديم إحداثيات عن مواقع الحوثيين وتقديم معلومات استخبارية وغيرها..

وهكذا، قد تكون حرب اليمن قد اقتربت من نهايتها لأول مرة منذ اندلاعها وشنّ التحالف السعودي حربه بحجّة إعادة الشرعية، فلأول مرة تستفيق المُستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على الكارثة اليمنية فتصفها بأنها "أسوأ كارثة إنسانية على وجه الأرض"، وتحدّث الرئيسان الفرنسي والأميركي عن إمكانية أن تُتيح قضية مقتل الصحافي السعودي جمال الخاشقجي فرصة للتوصّل إلى حلٍ سياسي في اليمن. وقام وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت بزيارة إلى كلٍ من السعودية والإمارات للضغط من أجل إنهاء الحرب في اليمن ودعوة قادة السعودية للتعاون في التحقيق بشأن مقتل الصحافي جمال الخاشقجي.

قد يكون ترامب أقل المُهتّمين بإنهاء حرب اليمن، كون هذه الحرب تشكّل حافِزاً للسعودية لشراء المزيد من الأسلحة الأميركية، وباعتبار أن الدعم الأميركي والمال السعودي يستطيعان كبح جماح الانتقادات الدولية لما يُسمّى أسوأ كارثة إنسانية في العالم على الإطلاق، بحسب تعبير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش. لكن مشكلة ترامب الحقيقية تبدو في هذا الإطار مُتعدّدة الوجوه، وذلك باختصار على الشكل التالي:

أولاً، هو يريد الاستمرار بدعم الحُكم الحالي في المملكة لأنه يستفيد منه، ولكنه لا يريد لهذا الدعم أن يؤثّر على مستقبله السياسي في الداخل الأميركي، أو أن يسمح لأعضاء الكونغرس بالدخول من هذه النافذة للتضييق عليه أو إحراجه في الداخل.

ونذكر في هذا الإطار، أن أعضاء جمهوريين وديمقراطيين في الكونغرس بدأوا يتحدّثون عن ضرورة وقف الدعم الأميركي للسعودية في حربها على اليمن، كما أن ثلاثين مسؤولاً  أميركياً في إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بعثوا برسالة إلى البيت الأبيض، يقرِّون فيها بخطأ التدخّل العسكري في اليمن، داعين إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب إلى وقفه. وقالت صحيفة "واشنطن بوست" إن المسؤولين اعترفوا في الرسالة بدورهم ومسؤوليّتهم عن التدخّل الأميركي في الحرب المُدمِّرة التي يعيشها اليمن، داعين إدارة دونالد ترامب، لوقف هذا التدخّل.

ثانياً، يُدرِك ترامب أن تخليص السعودية من قضية الخاشقجي تبدو مستحيلة، لذا هو يريد على الأقل أن يمنع دول العالم من المُطالبة بتغيير في هيكلية الحُكم في السعودية، لذا أكّد لماكرون بأن السعودية مهمة لاستقرار المنطقة، ويجب العمل على حفظ استقرار السعودية الداخلي ( أي أنه يُلمّح إلى أن أيّ اتّهام لأعضاء من الأسرة الحاكِمة أو محاولة الإطاحة بوليّ العهد لن يمر بسهولة، وقد يُسبِّب اضطرابات وعدم استقرار في السعودية).

ثالثاً، إن الضغط الأميركي لإنهاء حرب اليمن، والدعوة التي وجَّهها وزير الخارجية بومبيو لوليّ العهد السعودي بضرورة إنهاء حرب اليمن، لا يعني تخلّي إدارة ترامب عن السعوديين، بل تهدف إلى حدٍ بعيدٍ  إلى الحدّ من الخسائر السعودية في المنطقة وعلى الصعيد العالمي، وذلك للتخفيف من القضايا التي يمكن للرأي العام العالمي أن يستخدمها ضدّ المملكة وداعميها الدوليين.

وهكذا، يبدو أن الحلّ السياسي بات يقترب في اليمن، بسبب الإحراج السعودي الدولي في قضية الخاشقجي، ولكن إلى أن يتمّ ذلك الحلّ وإلى أن تستطيع الأمم المتحدة جَمْع أطراف النزاع على طاولة الحوار، سيقوم التحالف السعودي بتكثيف حربه على اليمن، وذلك لتحقيق مكاسب ميدانية للمفاوضة من باب القوّة على طاولة الحوار... وعليه، قد تكون أيام ما قبل المفاوضات، أسوأ أيام يعيشها المدنيون اليمنيون، على الإطلاق، منذ بدء الحرب.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً