فيصل جلول

باحث لبناني مقيم في فرنسا

غزَّة تُقاتِل حتى لا تمرّ صفقة القرن وتختم القضية بالشمع الأحمر

لا نعرف بعد التفاصيل السرّية لمُداولاتِ مجلس الوزراء الإسرائيلي التي امتدّت إلى 7 ساعات لكننا نعرف نتيجتها الأساسية إذ أفضت إلى استقالة أفيغدور ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلي. أتخيَّل أن ليبرمان طلب مواصلة المعركة وتحطيم القِطاع مهما كان الثمن. ردّ نتنياهو بأن الأمر ينطوي على مُغامرةٍ وخيمةِ العواقب، وإن حرباً جديدة تعني فشلاً جديداً وانكشافاً عسكرياً جديداً، وتصدّعاً مضطرداً في الرّدع الصهيوني.

في غزَّة يُقاتِل الفلسطينيون حتى لا تمرّ صفقة القرن فينام العالم على أجسادهم ويختم قضيّتهم بالشمع الأحمر
في غزَّة يُقاتِل الفلسطينيون حتى لا تمرّ صفقة القرن فينام العالم على أجسادهم ويختم قضيّتهم بالشمع الأحمر

لم تصمد المُجابهة الإسرائيلية الفلسطينية في غزَّة أكثر من يومين، سارعَ بعدها بنيامين نتنياهو إلى طلب وقف إطلاق النار، بشروط هدنة العام 2014. الأنباء الإسرائيلية في ساعات المُجابهة الأولى كانت تتّجه نحو "إخضاع غزَّة" بحربٍ طاحنةٍ والثأر للفشلِ الذي نجمَ عن إكتشاف مجموعة التسلّل إلى خان يونس ومقتل قائد المجموعة.

لا نعرف بعد التفاصيل السرّية لمُداولاتِ مجلس الوزراء الإسرائيلي التي امتدّت إلى 7 ساعات لكننا نعرف نتيجتها الأساسية إذ أفضت إلى استقالة أفيغدور ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلي. أتخيَّل أن ليبرمان طلب مواصلة المعركة وتحطيم القِطاع مهما كان الثمن. ردّ نتنياهو بأن الأمر ينطوي على مُغامرةٍ وخيمةِ العواقب، وإن حرباً جديدة تعني فشلاً جديداً وانكشافاً عسكرياً جديداً، وتصدّعاً مضطرداً في الرّدع الصهيوني. ولربما عرَضَ نتنياهو لزوَّاره فيديوهات العمليات العسكرية التي نفَّذها المقاومون وهي أشبه بتلك التي حملت الجيش الإسرائيلي على الإنسحاب من جنوب لبنان تحت جَنْح الظلام في أيار ـــــــ مايو من العام 2000 مع فارِقٍ مهم هو أن المقاومة الغزَّاوية، لا عُمق لها إلا شعبها، وبالتالي لا خيار لها إلاّ القِتال حتى آخر طلقة. هذا يعني حرباً طويلة ومجازر مؤكَّدة وعُزلة إسرائيلية دولية أعظم، وإصابات كبيرة في صفوف "تساحال" ومدنيي الدولة العبرية ، واحتمال توسّع الحرب ليشترك فيها محور المقاومة أو بعض أطرافه وذلك للمرة الأولى منذ زمنٍ طويل، وأخيراً مواجهة الحال نفسها تقريباً بعد نهاية الحرب، أي قضية فلسطينية عصيّة على التصفية وشعب فلسطيني لا يخضع ومحيط شعبي عربي لا يستسلم. كل ذلك أدّى إلى الإسراع في طلب وقف النار تفادياً لتدهورٍ مُتزايدِ الخطورة في صورة الجيش الذي أمسى لا يَقَهرُ إلا المدنيين العُزَّل.

لقد بات لدى الفلسطينيين في غزَّة بُنية تحتية صلبة لمقاومةٍ ناجِحةٍ تعزَّزت مع اختيار يحيى السنوار مسؤولاً عن القطاع ومُحاطاً بفريقِ عملٍ جديدٍ واستئناف دور حماس والفصائل الأخرى في المقاومة المُسلّحة والمدنية جنباً إلى جنب، في ظروفٍ مهيأة أكثر من أيّ وقتٍ مضى لانقلاب موازيين القوى في فلسطين لصالح التيار المُقاتِل، بعد وصول السلطة الفلسطينية وحل الدولتين إلى طريقٍ مسدود.

أزعم أن ما جرى خلال اليومين الماضيين هو محطة سيكون لها ما بعدها. وذلك انطلاقاً من المؤشّرات التالية :

أولاً: أعاد السنوار، الذي عاش في السجون الإسرائيلية عشرين عاماً، امتلك خلالها خبرةً لا تعوَّض في معرفة نُقاط قوّة وضعف الإسرائيليين وفي اختبار ردود فعلهم وتكوين ثقافتهم وطُرقهم في اتّخاذ القرار، أعاد التيار الفلسطيني المُقاتِل إلى الموقعِ الذي كان يحتلّه قبل "الربيع العربي" ورمَّم علاقات "حماس" السابقة مع محور المقاومة. إن تَبْحيص السفير القطري على خطوط المواجهة مع إسرائيل بعد عرض مُقايضة 12 مليون دولار بالتزام الهدوء، وردّ فعل خليل الحيّة الساخِر منه، كما بدا في شريطٍ مصوّرٍ، يحمل هذا المعنى.

ثانياً: لقد بدا جلياً من خلال مسرح العمليات خلال الأيام الماضية أن الفصائل الفلسطينية باتت تمتلك وسائل قِتال متنوِّعة وفعّالة ليست كلها في حوزة حماس رغم غلبتها، وهذا من شأنه أن يُعزِّز التيار المُندمِج مع محور المقاومة، كما بدا في نتائج انتخابات الحركة الأخيرة. إن تجمع الخبرات وتعدّد الوسائل القتالية في القطاع المُحاصَر تحت سقفٍ سياسي أعلى من حل الدولتين، يُتيح للشعب الفلسطيني هامِشاً أكبر للمُناورة وتفادي المآزق القاتِلة كما هي الحال لدى ضمّ القدس رغم أنف الشريك الفلسطيني في مشروع الدولتين.

ثالثاً: إن الظروف المُحيطة بفلسطين الآن تميل بوضوحٍ إلى الإستسلام لصفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية حتى من دون حفظ ماء الوجه. لقد أغرق دونالد ترامب العالم بفوضى لا سابق لها ووضع حلفاء بلاده أمام طريق واحد التبعيّة للولايات المتحدة على كل صعيد أو اللعب بعيداً عن واشنطن. لقد اختار الأوروبيون البحث عن وسائل حماية أوروبية بعيداً عن واشنطن. في منطقتنا اختارت الدول الخليجية إيران عدواً لها وإسرائيل صديقاً وحليفاً. في هذا الوقت تبدو مصر مشلولة بسبب إضطراب الأمن ومصاعبها الاقتصادية ، ويعيش الأردن قلق "الوطن البديل" وتنشغل سوريا بتصفية الفصل الأخير من الحرب الدولية التي شُنَّت عليها ، وبالكاد يلتقط العراق أنفاسه من الحرب على داعش حتى يغرق في مُحاصصةٍ بلا حدود تُعطّل وسائله وقدراته. وتتعرَّض إيران لحِصارٍ خانقٍ ، وتبحث تركيا عن أفضل الوسائل لاستعادة نفوذها "العثماني" في عالمٍ عربي مشلول، سواء عبر الاصطفاف مع  أصدقاء إسرائيل أو مع أعدائها لا فرق. هذه الأوضاع لا تُتيح للفلسطينين، كل الفلسطينيين، خياراً آخر غير القتال حتى لا ينام العالم على صدورهم ويختم قضيّتهم بالشمع الأحمر.

رابعاً: على الرغم من تفوّقها العسكري الكاسِح، تعاني إسرائيل من تصدّعٍ مُتزايدٍ في قوّتها الرادِعة ومن انحسار هامش المُناورة في محيطها إلى حدودٍ غير مسبوقة، بخاصةٍ بعد الحماية الروسية للأجواء السورية. فهي غير قادِرة على العمل في لبنان وتتعرَّض لضغوطٍ  أسبوعيةٍ في غزَّة  وتحتاج دائماً إلى عرض عضلاتها في الإقليم لتسويق جدوى التطبيع معها. وأتخيَّل أن هذا ما حمَل أفيغدور ليبرمان على الصُراخ بوجه نتنياهو كأنه يقول له : إسرائيل قائمة بفضل قوَّتها العسكرية وتعرض هذه القوّة على محيطها للعداء أو للتحالف وترسم بواسطتها موازين القوى فما جدواها بعد طلب فشل المُجابهة في غزَّة؟ أحسب أن نتنياهو أكثر خُبثاً من "بلطجي مولدافيا" فهو يُراهِن على نتائج  الضغط الأميركي على إيران وعلى تقاتُل الفلسطينيين وعلى قطيعةٍ خليجيةٍ مع التيار الفلسطيني المُقاتِل وعلى تنازُعٍ داخل غزَّة وعلى موتٍ بطيء لهذا القطاع بفعل الحِصار وصعوبات الحياة اليومية.

يُدرِك نتنياهو حدود القوّة العسكرية في مُجابهةٍ مفتوحةٍ مع قطاع غزَّة  تكرَّرت 3  مرات وكانت على الدوام تأتي بنتائج عكسية لصالح الفلسطينيين ومن الصعب أن تأتي اليوم بنتائج أفضل بل يمكن أن تؤدِّي إلى انكشافٍ استراتيجي أخطر بما لا يُقاس مع انكشاف جنوب لبنان .

بكلامٍ آخر يُراهِن نتنياهو على تصدّع الحضن الإيراني لمحور المقاومة وعلى حَشْرِ أطرافه في صِراعات محلية لا مُتناهية تشدّها إلى الأرض ، وعلى تنازُع الفلسطينيين وعلى مُقاطعة خليجية لحماس وعلى تجويع القطاع وحمله على ارتكاب خطأ قاتِل يُبرِّر تدميره  أو القبول بمُعادلة حقائب الدولارات لسدّ رمَق الأهالي مقابل الهدوء والسكينة .

لكن مشكلة نتنياهو أن استراتيجيته مبنية على تقديرٍ للوعي الفلسطيني ما عاد قائماً ، اليوم ذلك أن التيار الفلسطيني المُقاتِل يُدرِك تماماً أن التفوّق العسكري الإسرائيلي يتصدَّع على الحدود، ولا يضمن أمن إسرائيل ناهيك عن وجودها . ليست إسرائيل أقوى من أميركا وفرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفياتي وقد هُزِمت كلها في حروبٍ طويلةٍ وغير مُتناسبةِ القوَّة فلماذا تكون إسرائيل استثناء؟ إنها قابلة للهزيمة كغيرها من الدول المحتلة مع فارِق أن المُحتلين يرجعون إلى بلدانهم بعد هزائمهم .

في غزَّة يُقاتِل الفلسطينيون حتى لا تمرّ صفقة القرن فينام العالم على أجسادهم ويختم قضيّتهم بالشمع الأحمر.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً