فيصل جلول

باحث لبناني مقيم في فرنسا

عن التفسير البائس لظاهرة "السترات الصفر" في فرنسا

هل يمكن لقطاعاتٍ واسعةٍ من فئاتٍ إجتماعيةٍ مُهدَّدة بانخفاض مستوى معيشتها أن تنظّم تمرّداً للدفاع عن مصالحها وأن تكون حركتها عفوية ومحلية لا تُديرها عقولٌ وقوى تعمل في الظلام؟

ماذا تُدبّرُ أميركا مؤامرةً ضدّ فرنسا حليفتها في كل عصرٍ وفي كل قرنٍ وشريكها الغربي الأهم؟
ماذا تُدبّرُ أميركا مؤامرةً ضدّ فرنسا حليفتها في كل عصرٍ وفي كل قرنٍ وشريكها الغربي الأهم؟

لا يمكن أبداً بنظر بعض المُحلّلين في العالم العربي، ممَن فُطِروا على تفسير الوقائع الثورية بالتآمُر. هؤلاء وهم كُثر فسَّروا حركة "السترات الصفر" في فرنسا بوصفها عملاً أميركياً دُبِّرَ بليلٍ وخلال أقل من شهر.

لماذا تُدبّرُ أميركا مؤامرةً ضدّ فرنسا حليفتها في كل عصرٍ وفي كل قرنٍ وشريكها الغربي الأهم؟ لأن ترامب طالب أوروبا بتحمّل نفقات حمايتها من طرف الولايات المتحدة وعَبْرَ الحلف الأطلسي فردَّ عليه ماكرون بوجوب إنشاء جيشٍ أوروبي يُدافع عن القارّة العجوز وبذلك يدفع الأوروبيون أموالاً لبناء جيشهم وليس جيش ترامب.

سببٌ آخر ذكره المُحلّلون أنفسهم ومفاده أن أميركا صنعت "الثورة" الفرنسية المطلبية الصفراء ردّاً على افتراق باريس عن واشنطن في الملف النووي الإيراني وفي إتفاقية المناخ. هذا فضلاً عن أن ترامب "لا صاحِبَ له" يمكن أن يلعبَ باستقرار دولةٍ حليفةٍ له لكي يخضعها ويجعلها تحت إِمرته فتعود القهقرى إلى الوراء وتتخلّى عن الاتفاقيتين المذكورتين.

يذهب بعض أصحاب نظرية المؤامرة في تفسير الاحتجاجات الفرنسية إلى أبعد من ذلك. هي عندهم ناجمة عن تحرّك ضواحي المُهاجرين ذات الأغلبية المسلمة ثأراً لطارق رمضان حفيد مؤسّس حركة "الإخوان المسلمين" المُتّهم بأكثر من عملية إغتصاب في فرنسا. ويمكن أن نعثر على أسبابٍ للحركة الفرنسية تتّسم بخفّةٍ أكبر إذا ما أجرينا جولةَ استطلاعٍ سريعةٍ في وسائل التواصل الإجتماعي.

ليست المرة الأولى التي يتمّ فيها إسقاط "نظرية المؤامرة" على حدثٍ ثوري أو على تَمرُّدٍ إجتماعي أو على أحداثٍ تاريخيةٍ فاصلةٍ لتُجَرِّدُها من معانيها ودوافعها الواقعية وتنسبها إلى عقول وأدوات تُفكّرُ وتعمل في الظلام. ولعلّ من سوء حظ هذه الفئة من "المُحلّلين العرب" أن النظرية نفسها وُلِدتْ في فرنسا البلد الذي يُرادُ تحرير رئيسه من مسؤولية ما يجري في الشارع، عِلماً أنه هو نفسه كان مُتّهماً بأنه دَلفَ إلى قصر الأليزيه بفعل مؤامرةٍ أميركيةٍ على فرنسا.

في ردّه على وقائع الثورة الفرنسية البورجوازية للعام 1789 م والتي استهدفت النظام المَلَكي المُستند إلى الكنيسة والنبلاء، قال الراهِب الفرنسي الأُصولي أوغسطين دو بارويل "إن الثورة من صُنع الماسونيين والمُتآمرين في بافاريا وإن هؤلاء يُحيكون مؤامرتهم في النوادي والحلقات السرّية"، في إشارةٍ إلى نادي اليعاقبة الثوري بزعامة روبسبيير. وبالتالي ليست انتفاضة شعبية ناجمة عن إرهاق الشعب بالضرائب وحاجته الماسّة إلى بعض المواد الأولية.

من فرنسا انطلقت نظرية المؤامرة في كل الإتجاهات واستخدمت حتى في النقاشات الفكرية. فقد نُسِبَ إلى المفكّر ميخائيل باكونين (لا نعرف مدى دقّة هذه النسبة) وهو خصم عنيد لكارل ماركس إنه قال بأن "دعوة ماركس اليهودي لتأسيس الدولة المركزية تخدم غرَض اليهودي روتشليد في إقامة مصرف مركزي فيها". وترافقت كل الثورات الكبرى مع تفسيراتٍ مُستمَدّةٍ من نظرية المؤامرة، فقد اتّهم لينين قائد الثورة البولشفية بالولاء لألمانيا لأنه أخرج بلاده من الحرب العالمية الأولى وكانت حليفاً لبريطانيا وفرنسا. وبُنيتْ الدولتان الفاشية والنازية على التحذير من المؤامرة الخارجية. كل معارضة وكل اختلاف في الرأي في الدولتين هو فعل ماسوني أو يهودي مُتآمِر. وبالعودة إلى فرنسا في أواخر القرن الـ19 يمكن اعتبار قضية الضابط اليهودي الأصل الفريد دريفوس النموذج الأبرز لنظرية المؤامرة. فقد اتّهم لأنه اليهودي الوحيد في هيئة الأركان الفرنسية، بتسريب معلوماتٍ إلى المُلحق العسكري الألماني في باريس حول أسلحة جديدة صنعها الجيش الفرنسي الساعي لردّ الإعتبار لهزيمته المُنكَرة بمواجهة بيسمارك عام 1870 م. جُرِّدَ دريفوس من رتبته العسكرية وأُهينَ أمام الملأ، لكن صرخة الكاتب إميل زولا المعروفة بـنصّ "إني أتَّهم" مهّدت لتبرئته في ما بعد وسمحت باكتشاف خيانة الضابط الفرنسي "المسيحي" المدعو استيرازي الذي سرَّب المعلومات لأسبابٍ نسائيةٍ ومالية.

في نُظم الاستبداد والديكتاتورية تكاد نظرية المؤامرة أن تكون المُعين الأبرز للحاكِم الذي يستعين بها على مُعارضيه وخصومه فهي قائمة على الظنّ وليس على القرينة والحجّة الثابتة. وكلُّ ظنّ يُتيح إلغاء الخصم من دون الحاجة إلى فحص أدلّته واختبار حِججه.

لا حاجة لتبرئة الحركة المطلبية الفرنسية من تدخّل ترامب وأنصاره، فهي كما يؤكّد الباحِث الفرنسي اللامِع إيمانيوال تود، مُتجذّرة في ما يمكن تسميته بـ"الحوض الباريسي" حيث الناس كانوا يتمتّعون منذ المَلكية، أي ما قبل الثورة البورجوازية، بخاصّيتين أساسيتين في ثقافتهم السياسية "المساواة والليبرالية" وبالتالي القدرة والدوافع على التحرّك في كل مرة يتعرّضون فيها لتهديدٍ قد يُطيح بمرتبتهم الاجتماعية.

وإذا كان صحيحاً أن تصريحات صَدرتْ عن دونالد ترامب بشأن الحركة المطلبية الفرنسية فهي اقتصرت على الإستنتاج بأن ما يدور في فرنسا يعني أن الفرنسيين لا يريدون التمسّك بإتفاقية باريس حول المناخ، في حين أشار ستيف بانون الأب الروحي للترامبية إن جاز التعبير إلى أن الإحتجاجات الفرنسية تُبرْهِنُ أن الفرنسيين يريدون العودة إلى نظام "الدولة الأمّة" والخروج من الإتحاد الأوروبي كما فعل البريطانيون. وفي الحالين مرَّتْ هذه التصريحات على المُتمرّدين الفرنسيين مرور الكِرام.

ما من شك في أننا لا نعيش في عالمٍ تسكنه الملائكة وتحكمه قلوب مفطورة على الحب وتمنّي الخير والسؤدَد والعيش الرغيد لكل بني البشر. هذه النظرة الساذِجة لا قيمة لها، بل هي خطيرة للغاية في عالمٍ يحكمه الغرب ولا تأكل فيه الذئاب الغربية بعضها البعض، فهي تأكل العالم الثالث إن جاز القول وتعيش على نَهْب موارده على كل صعيد. نعيش في عالمٍ تأسّس على الظلم والعدوان وفيه يمكن أن نتوقّع دائماً خططاً ومُفاجآت من دول الغطرسة والطغيان.

إن الإحتراس من خطط ومُفاجآت ذئاب النَهْب يبدأ بعقلَنة فكرنا السياسي وتحريره من منطق التبعيّة ومن الفقر الثقافي. لقد تعوّدنا أن تصنع الولايات المتحدة في بلداننا التابعة ما تشاء. وتعوّدنا أن يتحكّم الغرب في فضائنا بالصحو والشتاء ويسيطر على كل الفصول، حتى بتنا نُقيم التماهي بين ما يدور في العالم وما يدور عندنا. فإن صنعت أميركا حكوماتنا فهي تَصنعُ أيضاً الحكومة في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وسائر الدول الغربية ناهيك عن روسيا واليابان والصين. وإن مانعت إحداها صنعتْ أميركا ثورةً وتمرّداً فيها. هذا المنطق المبني على الظنّ والمُستمَد من نظرية المؤامرة يُلحِق أكبر الضَرَر بثقافتنا السياسية لأنه ببساطة يُطيح بقدرتنا على الشكّ النسبي وعلى القياس العقلي وعلى إهمال الحجّة والقرينة والاستسلام للظنّ... وفيه إثم وبلاهة لا شفاء منها.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً