علي أبو الخير

كاتب مصري.

بعد أن جفّت دماء خاشقجي.. مصير التحالف الاستراتيجي

خفّ الحديث كثيراً عن الصحافي السعودي "جمال خاشقجي"، الذي تمّ قتله وتقطيعه في قنصلية بلاده في مدينة "إسطنبول" التركية يوم 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، وخرجت (مؤقتاً) السعودية من مأزقٍ سياسي صعب، وتنازلت تركيا وأميركا عن دماء المغدور، وقبض الجميع ثمن السكوت، وصار مُباحاً ومُتاحاً الحديث من جديد عن الحلف الاستراتيجي للشرق الأوسط.

جمال خاشقجي
جمال خاشقجي

جاءت زيارة وزير الخارجية الأميركي"مايك بومبيو" إلى المنطقة اعتباراً من يوم 9 كانون الثاني|يناير 2019 ، وزيارة 8 دول هي العراق ومصر والسعودية وقطر والإمارات والبحرين وعُمان والكويت، والهدف من الزيارة هو ما أعلنته الخارجية الأميركية لبحث "القضايا الإقليمية الحيوية، وبينها ملف إيران ووضع غزّة ومحاربة الإرهاب والتعاون في مجاليّ الطاقة والاقتصاد، وبحث الإستراتيجية الأميركية في المنطقة، وخُطط واشنطن مع حلفائها وشركائها لزيادة الضغط على إيران"، وأعلن "بومبيو" من "القاهرة" ضرورة التصدّي لإيران وحماس وحزب الله، أي محور المقاومة، وهو الهدف الحقيقي لتشكيل التحالف الشرق أوسطي الاستراتيجي، والذي كان المُفترض إعلانه في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2018، لولا قضية مصرع خاشقجي وما تلاها من تداعيات، فأخّرته، ليتمّ بداية تدشينه في كانون الثاني/يناير 2019 بداية من زيارة "بومبيو"، وفكرة التحالف نفسها، هي التي جاءت بموافقة 55 دولة شاركت في قمّة "الرياض" في السعودية، بين الدول العربية والإسلامية والولايات المتحدة الأميركية، في شهر أيار/مايو 2017 والتي تمّ وصفها آنذاك بـالناتو العربي على غرار "حلف شمال الأطلنطي" أو "الناتو" الأوروبي.

قبل ذلك حدث أن طلب الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسى" من "جامعة الدول العربية" في 29 آذار/مارس 2015، الموافقة على فكرة إنشاء "قوّة عربية مشتركة"، هدفها حفظ وصون الأمن القومي العربي، ولكن الخلافات العربية/العربية حالت دون استكمال المشروع المصري، والأهم هو مُراوغة أميركا وسعيها لضمّ دول غير عربية للتحالف، فالهدف القديم الجديد هو حماية الدولة الصهيونية، خاصة بعد أن انتصرت سوريا على المؤامرة الكونية الإرهابية، ومن ثمّ عودتها لمحور المقاومة، بالتالي نبتت فكرة التحالف الشرق أوسطي الاستراتيجي، والمقصود منها دمج الدولة الإسرائيلية في التحالف، ولو ضمنياً، أما تركيا، رغم تدخّلها السلبي في الدول العربية، ودعمها للإرهاب في سوريا ودخولها العسكري في الشمال الغربي العراقي والشمال الشرقي السوري، من الممكن دمجها داخل الحلف الجديد مستقبلاً، خاصة بعد تحسّن علاقتها مع أميركا، هذا وقد مدح "دونالد ترامب" الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، وقال له نصّاً في مكالمة هاتفية جرت بينهما يوم 14 كانون الأول/ديسمبر 2018 "سوريا مِلك لك لقد أنجزنا المهمة"، أي يفعل بها ما يشاء من تدخّل عسكري، وبعدها بخمسة أيام أعلن "ترامب" عن سحب قواته من سوريا، بما يعني وجود تفاهم أميركي تركي سابق، وأن هذا التقارُب هو سبب التراخي التركي عن قضية "جمال خاشقجي" بعد أن كانت مُتحمّسة لتدوليها وإسقاط وليّ العهد السعودي "محمّد بن سلمان"، وهو بما يُظهِر أن السياسة فوق كل الأخلاق والمبادئ.

الواضح أن الولايات المتحدة صمتت عن الحديث عن "الناتو العربي" منذ عام 2017، ولكن سُرعان ما أُعيد طرحه مُجدّداً وبسرعة بداية من جولة الوزير الأميركي "بومبيو"، وذلك تنفيذاً لرغبة الرئيس الأميركي، في تقليل تكاليف أعباء حماية الحلفاء، والحلفاء هنا هم دول الخليج والكيان الصهيوني، ولكن الحماية لا تكون بالمال الأميركي، فمثلما طالب "ترامب" أعضاء حلف "الناتو" الأوربيين بزيادة الإنفاق الدفاعي على الحلف مقابل حمايتهم، طالب كذلك حلفاءه الخليجيين أيضاً بالأمر نفسه، ويهدف التدخّل الأميركي بجانب الدول العربية من أجل عرقلة محور مُمانع في المنطقة بأسرها، من خلال تشكيل جبهة عربية أو "محور الاعتدال" ضد المقاومة، وبالتالي تكون خطوة تمهيدية لتسهيل انضمام إسرائيل لهذا التكتل ضمن ما عُرف إعلامياً بـ "صفقة القرن"، والمُعلَن أنه من المُقرّر أن تكون "مسارح العمليات" الخاصة بتحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي، في مناطق الخليج وبحر العرب، والبحرين الأحمر والمتوسّط، مع التركيز على تأمين المعابر المائية الإستراتيجية، خاصة مضيقيّ "هرمز وباب المندب"، وقناة السويس، وكذلك تشكيل قوات بريّة موحّدة، تلك هي الأهداف الحقيقية للتحالف الاستراتيجي التي تدور حوله مباحثات أميركية عربية حالية ومستمرة.

من جانب آخر نجد أن تجربة التحالف المُنتظر يحيط بها عدد من التجارب الداعمة لسيناريو الإخفاق، مقابل عدد من الظروف على فُرَص النجاح، مثلاً ما يتعلّق بالخبرة التاريخية السيّئة لمحاولات تشكيل تحالف للأمن الجماعي العربي، والتي فشلت سابقاً رغم وجود "اتفاقية الدفاع العربي المشترك" منذ عام 1950والتي لم تُطبّق أبداً، وفي الوقت الراهن توجد خلافات خليجية، تتعلّق بتصوّرات مختلفة حول طبيعة التهديدات الإيرانية، قطر وعُمان لا تعتبران إيران خطراً، وهو ما لا تراه باقي الدول الخليجية، ولو تأمّلنا باقي الدول المُفترض مشاركتها في التحالف الشرق أوسطي الاستراتيجي، نجدها تعاني من مشاكل داخلية، عُمان والكويت والسعودية تعاني من مشكلات داخلية،  الكويت وعُمان يقفان على الحياد في قضية "قطر" مع دول المقاطعة لها، أما "الأردن" فإنه مُنشغل بمشكلاته الداخلية الاقتصادية أيضاً، وفي "البحرين" هناك خلافات وصِدامات مستمرة بين الحكومة والمعارضة، ومصر مشغولة بمحاربة الإرهاب بلا هوادة، والأمر المؤكّد أن الخلافات بين الدول العربية المشاركة في التحالف المُنتظر، لابدّ من أن تتصاعد عند الحديث عن الدولة العربية التي ترأس وتقود التحالف عسكرياً، وهو ما يجعله حبراً على ورق، كما أن الحديث عن "صفقة القرن" يُبطل أية محاولة أميركية لحل المشكلة الفلسطينية لأن حكّام المنطقة لا يستطيعون مواجهة شعوبهم رغم تعاونهم الخفيّ والعلني مع الدولة الصهيونية، فلا أحد يتصوّر تخلّي مسلم أو عربي عن القدس وعودة اللاجئين، فذلك يسقط أية شرعية، وكذلك "صفقة القرن" توحّد الفرقاء الفلسطينيين في فتح وحماس لأنهم يختلفون حول كل شيء، إلا القدس وقضية اللاجئين، بالإضافة إلى الدور "الروسي" المُراقب من قريب لأيّ تدخّل أو تحالف أميركي في المنطقة، ولا يوجد تحالف من دون موافقة ضمنية روسية، ثم إن الجيش السوري  يسيطر على المساحة الأكبر من سوريا، ولا يوجد دور جديد لتركيا في سوريا في المستقبل القريب.

كل الرِهانات السياسية إذن تمنع بقاء هذا التحالف المُنتظر، ولا يوجد ما يبرّر وجوده، لأنه في النهاية لن يدخل حرباً ضد إيران، ولا أميركا نفسها تريد الحرب ولا تقدر عليها، وجميعها ضغوط سياسية من أجل إضعاف أية قوة مُمانعة مقاوِمة، في النهاية نجد أن الأخوة العرب اتفقوا على تجفيف دماء "جمال خاشقجي"، واختلفوا على باقي الأشياء...


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً