صالح محروس محمد

باحث وكاتب مصري

فرنسا والتطبيع الإسرائيلي مع تشاد

كانت تشاد تحت الاحتلال الفرنسي حتى استقلالها في عام 1960، وبعد الاستقلال بقيت قوات فرنسية لدعم حكّام تشاد ضد المعارضين (المتمرّدين)، ثم في عهد الرئيس الحالي إدريس ديبي توجد قاعدة عسكرية فرنسية في الشمال (برخان) لدعمه ضد الجماعات الإسلامية المسلّحة في منطقة وسط أفريقيا. لكن مَن هو هذا الرئيس؟ وكيف استأنفت إسرائيل علاقاتها مع تشاد -ذات الأغلبية المسلمة- بعد قطع العلاقات بينهما منذ ما يقرب النصف قرن دعماً للعرب في صراعهم مع إسرائيل؟ وما موقف فرنسا المتمركزة قواتها في الشمال من التطبيع الإسرائيلي مع تشاد؟

أعلن نتنياهو نجاحه في إقامة تطبيع مع دولة ذات أغلبية مسلمة
أعلن نتنياهو نجاحه في إقامة تطبيع مع دولة ذات أغلبية مسلمة

إدريس ديبي هو رئيس جمهورية تشاد ورئيس الحكومة وقائد الجيش ورئيس مجلس القضاء، ورئيس الزعامة التقليدية في المناطق القبلية، يحكم تشاد منذ عام 1990 حتى الآن، فاز بولاية خامسة في نيسان/أبريل 2016 لقيادة البلد الذي يسكنه نحو 15 مليون نسمة. دخل ديبي خشبة المسرح الإسرائيلي بشكل علني مُتفاخراً بأن العلاقات بين بلاده وتل أبيب لم تنقطع فعلياً، وإنما استمرت من تحت الطاولة أو في غفلة من الجمهور. حيث تبادل الزيارات مع تل أبيب في نهاية العام الماضي وزار نتنياهو نجامينا في 20 كانون الثاني/ يناير معلناً نجاحه في إقامة تطبيع مع دولة ذات أغلبية مسلمة واعتبر ذلك حدثًاً تاريخياً. ولقد نجح ديبي في أن يكون أحد الرؤساء الأفارقة الأكثر حضوراً في القارة، إذ يتولّى منذ كانون الثاني/ يناير 2018 الرئاسة الدورية للاتحاد الأفريقي، وأصبح في السنوات الأخيرة حليفاً مهماً بالنسبة لفرنسا والولايات المتحدة الأميركية في إطار "محاربة الإرهاب" في أفريقيا حيث تخوض القوات التشادية معارك عنيفة ضد "تنظيم القاعدة" في بلاد المغرب الإسلامي في شمال مالي، كما أنها تشنّ حرباً طويلة على جماعة "بوكو حرام" في شمال نيجيريا، وتتدخّل في الوقت ذاته من أجل إعادة الأمن إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، ولكن الأهم هو أن فرنسا اختارت تشاد لتكون مركزا ًلإدارة "بركان"، العملية العسكرية الفرنسية ضد "الجماعات الإرهابية" في منطقة الساحل الأفريقي. لم يكن ليدخل ديبي في دائرة اهتمامات المواطن العربي خصوصاً في المشرق العربي لولا خطوته التي بدت مفاجئة للكثيرين حين وصل أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي إلى القدس المحتلة بعد مرور 50 عاماً على قطع العلاقات بين "إسرائيل" وجمهورية تشاد، في أعقاب اندلاع حرب حزيران/ يونيو عام 1967 وهي زيارة جاءت نتيجة لجهود قامت بها الخارجية الإسرائيلية قبل عامين لترتيب الزيارة ولقائه نتنياهو.

فقد عادت العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل ودولة تشاد الأفريقية، وفق ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو خلال زيارة إلى إنجمينا قام بها الأحد 20 كانون الثاني/ يناير الماضي، وقال بيان الزيارة "إن نتانياهو والرئيس التشادي إدريس ديبي أعلنا استئناف العلاقات الدبلوماسية بين تشاد وإسرائيل بعد أن قطعتها إنجمينا عام 1972، وأن الجانبين يعتبران استئناف العلاقات مفتاحاً للتعاون المستقبلي لصالح البلدين". وصرّح نتانياهو أن الإعلان "لحظة تاريخية"، وأنه يسعى إلى تحسين العلاقات مع الدول في العالمين العربي والإسلامي.

واتّسمت العلاقات الفرنسية الإسرائيلية في العقدين الأخيرين بالقوّة، فقد سعت فرنسا منذ وصول نيكولا ساركوزي إلى منصب الرئاسة، أن تقترّب بشكل كبير من إسرائيل، لكي تضمن تقارباً أكبر مع الولايات المتحدة الأميركية، وتضمن كذلك عطف اليهود الفرنسيين، بل إن ساركوزي، أعلن دعمه لمطالب نتنياهو بتصنيف إسرائيل دولة يهودية. غير أن تصريحات فرانسوا أولاند، تُعتبر هي الأكثر انحيازاً لإسرائيل، فمنذ عقود لم يدعم رئيس فرنسي إسرائيل حتى وهي تقصف أحياء سكنية وتقتل المئات من المدنيين في فلسطين.

وقد ساهمت عدّة عوامل استراتيجية في تقوية العلاقات الفرنسية-الإسرائيلية، منها التقارب الفرنسي مع السعودية من أجل مواجهة الخطر الإيراني الذي يهدّد النفوذ السنّي-الوهّابي في المنطقة من جهة، ويُعادي القوّة الإسرائيلية من جهة أخرى. وكذلك من أجل احتواء المدّ الإخواني في المنطقة الذي ترتبط به حركة حماس الفلسطينية خاصة بعد سقوط مرسي في مصر، فضلاً عن التسليح الفرنسي للجيش اللبناني كي يواجه امتداد حزب الله الذي تراه إسرائيل بمنظار الخطر. وهناك عوامل اقتصادية كذلك في هذا التقارب، منها الاستثمارات الإسرائيلية الأخيرة في فرنسا، واضطلاع فرنسا بتأهيل شبكة السكك الحديدية الإسرائيلية، وتوقيع العديد من الاتفاقيات الاقتصادية بين البلدين. أما إيمانويل ماكرون فقد صرّح أن بلده تحافظ على أمن إسرائيل والتقي جنوده في تشاد في 23 كانون الأول من العام الماضي في قاعدته العسكرية المعروفة بقوّة برخان في تشاد ثم نفّذ الطيران الفرنسي عملية ضد مسلحين قادمين من ليبيا في 4 فبراير الحالي بطلب من الرئيس التشادي.

ولا يوجد ثمة تعارض بين المصالح الإسرائيلية والمصالح الفرنسية في تشاد، بل يتفقوا على محاربة الجماعات الإسلامية المسلحة في منطقة وسط أفريقيا، ودعم إدريس ديبي بالسلاح وتقوية الجيش التشادي ، بحيث يكون ديبي مفتاحاً  لعلاقات إسرائيلية مع دول أفريقية أُخرى وتحقّق فرنسا مآربها من هذه المنطقة التى كانت تحت الاحتلال الفرنسي.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً