علي أبو الخير

كاتب مصري.

مائة عام على ثورة سعد زغلول

كان من أهم مميّزات ثورة 1919 أنها صحّحت الأخطاء التي وقعت يها الحركات والثورات والانتفاضات الشعبية المصرية السابقة، والتي قادها زعماء ضد المستعمر الأجنبي، مثل "أحمد عرابي" ومصطفى كامل" و"محمّد فريد".

بدأت نواة الثورة يوم الثامن من آذار|مارس 1919 عندما قبضت سلطات الاحتلال البريطاني على الزعيم "سعد زغلول" ورفاقه
بدأت نواة الثورة يوم الثامن من آذار|مارس 1919 عندما قبضت سلطات الاحتلال البريطاني على الزعيم "سعد زغلول" ورفاقه

في يوم التاسع من آذار|مارس 2019، يكون قد  مضى قرن كامل من الزمان على أكبر ثورة شعبية في التاريخ المصري الحديث، كانت الحركة الوطنية المصرية دائمة الرفض للاحتلال البريطاني، الذي حدث عام 1882، وشاركت مصر مع دول الحلفاء بقيادة بريطانيا ضد ألمانيا وتركيا في الحرب العالمية الأولى، بعد أن وعدتها بريطانيا بالاستقلال، ولكنها كعادتها نكصت عن الوعد، كما أنها قبيل الحرب وفي يوم 2 |تشرين الثاني|نوفمبر عام 1917 أعطت الصهيونية العالمية وعد بلفور، الذي نصّ على حق اليهود في احتلال أرض فلسطين، وهنا أدرك المصريون أنه لا سبيل لطرد الاحتلال إلا بالجهاد والثورة، وهو ما حدث، قاد الرجل الكهل "سعد زغلول" الجهاد، وتوجّه ومعه  الزعيمان "علي شعراوي" و"عبد العزيز فهمي" إلى المعتمد البريطاني "السير ونجت" للمطالبة بالاستقلال، ولكن الأخير استنكر حديثهم نيابة عن الشعب المصري، وهنا طرأت فكرة القيام بتوثيق توكيلات لسعد زغلول، فاضطر المعتمد البريطاني إلى التعامل معه كممثل عن الأمّة كلها .. ونحن لا نسرد أحداث الثورة، ولكن لنعترف أن الثورات الشعبية دائماً ما توحّد الصفوف، فقد توحّدت فيها الأمّة المصرية، بعنصريها الإسلامي والقبطي، كما ساهمت المرأة بدور واضح في تلك الثورة.

بدأت نواة الثورة يوم الثامن من آذار|مارس 1919 ، عندما قبضت سلطات الاحتلال البريطاني على الزعيم "سعد زغلول" ورفاقه ونفيهم إلى جزيرة "مالطا" في البحر الأبيض المتوسّط، وكان هذا مبرّراً لبداية الثورة في اليوم التالي مباشرة، حيث أضرب العمال والموظفون وطلاب المدارس والجامعات، ولم يكتف هؤلاء بإعلان الإضراب، بل قاموا بإتلاف محوّلات حركة القطارات، وقطعوا خطوط السكك الحديدية، وأضرب سائقو التاكسيات وعمال البريد والكهرباء والجمارك، تلا ذلك إضراب عمال المطابع وعمال الورش الحكومية ومصلحة الجمارك في الإسكندرية، ولم تتوقف احتجاجات المدن على التظاهرات، وإضرابات العمال، بل قام السكان في الأحياء الفقيرة، بحفر الخنادق لمواجهة القوات البريطانية وقوات الشرطة، وقامت الجماهير بالاعتداء على بعض المحلات التجارية وممتلكات الأجانب وتدمير مركبات الترام، في حين قامت جماعات الفلاحين بقطع خطوط السكك الحديدية، في قرى ومدن الوجهين القبلي والبحري، ومهاجمة أقسام الشرطة في المدن، وقد استشهد الآلاف في الثورة، ولكنها دامت حتى بعد أن سمحت سلطات الاحتلال بذهاب الوفد إلى مدينة "باريس" للاشتراك في مؤتمر الصلح لبحث استقلال مصر، وظلت روح الثورة في وهجها.

كان من أهم مميّزات ثورة 1919 أنها صحّحت الأخطاء التي وقعت يها الحركات والثورات والانتفاضات الشعبية المصرية السابقة، والتي قادها زعماء ضد المستعمر الأجنبي، مثل "أحمد عرابي" ومصطفى كامل" و"محمّد فريد" فقد طالبت ثورة 1919 بشكل صريح منذ اللحظة الأولى لقيام الثورة بإجلاء المستعمر عن الأرض المصرية، وكان من أهداف الثورة أيضاً نيل الدستور وقيام ملكية دستورية وانتخابات حرّة تعطي تداولاً للسلطة، والاستقلال الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، وظهرت المشاركة الإيجابية النسائية في صورة لم يعتدها المجتمع المصري، بخروجهن لأول مرة في التظاهرات الحاشدة والمنظمة إلى الشوارع في القاهرة والمدن الكبرى، وكانت أول شهيدتين في هذه الثورة السيّدتين "حميدة خليل" و"شفيقة محمّد"، كما اشترك الأقباط لأول مرة في ثورة وطنية شعبية خالصة، وتجلّت تلك الروح المتّقدة بالوطنية في القمص "مرقص سرجيوس"، ذلك القس القبطي المصري، الذي خطب من على منبر الجامع الأزهر أثناء ثورة 1919، قائلاً: "إذا كان الإنكليز يتمسّكون ببقائهم بحجّة حماية الأقباط، فأقول لهم ليمت الأقباط ويعيش المصريون المسلمون أحراراً"، كما خطب الشيخ الأزهري "مصطفى القاياتي" في الكنيسة، وكان الهتاف الموحّد هو "يحيا الهلال مع الصليب"، وبالتالي لم يتمكّن الاحتلال من تطبيق شعاره الأشهر"فرّق تسد".

كان من نتائج الثورة قيام بريطانيا بإصدار تصريح 28 شباط|فبراير 1922، وهو الذي أعطى استقلالاً منقوصاً، لأنه سمح ببقاء قوات الاحتلال على ضفتي "قناة السويس"، ولكن سعد زغلول تعامل بمنطق "فن الممكن"، فقد تم سنّ دستور 1923، وتأسيس ملكية شبه دستورية، وإجراء انتخابات حصل فيها حزب الوفد على الأغلبية، وصار "سعد زغلول رئيساً للوزراء عام 1924 وحتى وفاته عام 1927، والحقيقة أنه رغم وجود قوات الاحتلال، إلا أن مصر خلال تلك الفترة "شبه الليبرالية" تمكّنت من تحقيق نتائج إيجابية كثيرة، فقد بدأ تمصير الاقتصاد المصري، عندما أسّس "طلعت حرب" بنك مصر، عام 1920 ، ثم أسّس البنك بعد نجاح الثورة ست عشرة مؤسّسة اقتصادية، وكلها تحمل إسم مصر، مثل :- شركة مصر للغزل والنسيج – شركة مصر للطيران – شركة مصر للنقل البحري – شركة مصر للسينما – شركة مصر للتأمين، وغيرها كثير، وخلال تلك الفترة، تم إلغاء المحاكم المختلطة التي كانت وحدها التي تحاكم الأجانب بقضاة أجانب، ونبغ مصريون كثيرون في كافة المجالات الفنية والدينية والثقافية، مثل توفيق الحكيم صاحب أشهر رواية عن الثورة "عودة الروح"، ونجيب محفوظ وطه حسين والعقاد ورياض السنباطي وأمّ كلثوم وغيرهم كثيرون يفوقون الحصر، وتصدّت الحركة الوطنية لاستبداد الملك "فؤاد الأول" عندما ألغى الدستور عام 1930، ولكن وتحت وطأة ثورة 1935 عاد الملك لدستور 1923 ، ثم عقد  رئيس الوزراء الوفدي"مصطفى النحّاس" اتفاقية عام 1936 التي أعطت حق دخول المصريين للكلية الحربية، وكان من أوائل خرّيجيها الضبّاط "جمال عبد الناصر" وباقي قيادات ثورة تمّوز|يوليو 1952.

وككل ثورة لها سلبياتها مع إيجابياتها، فلم تتمكّن مصر من تحقيق العدالة الاجتماعية، ولم يمنع الدستور من استبداد الملكين "فؤاد وفاروق"، وحدثت هزيمة واحتلال الصهيونية لأرض فلسطين عام 1948، ونعتقد أن ثورة تمّوز|يوليو 1952 حقّقت بعض مطالب ثورة 1919، خاصة العدالة الاجتماعية، وجلاء الاحتلال نهائياً عن أرض المحروسة.

ولكن وخلال المائة عام حدث نكوص عن أهداف الثورة الشعبية الأولى، خاصة بعد أن تعاملت مصر مع الأميركان واختارت النهج الرأسمالي الغربي، فكان من الطبيعي أن تطلق ثورة|انتفاضة كانون الثاني|يناير عام 2011 نفس المطالب الثورية، ولكن حدث ما يشبه الفتنة الطائفية، فقد أحرق الإرهابيون الكنائس والمساجد، فكادت شرارة الفتنة تنطلق لولا رحمة الله برحيل الإخوان المسلمين عن السلطة عام 2013، وقال البابا تواضروس "وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن"، وأسّس الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر "أحمد الطيب" "بيت الوحدة الوطنية" لحل أية مشكلة يفتعلها الإرهابيون بين المسلمين والمسيحيين.

التاريخ سلسلة من الأيام لا تنقطع، ومَن يقرأ التاريخ جيداً، لا يكرّر أخطاءه دائماً، حمى الله مصر وكل العرب والمسلمين والعالم بأسره من شرور الفتن التكفيرية والصهيونية والاستعمارية على السواء.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً