محمد علوش

معد ومقدم برامج سياسية في قناة الميادين.

على هامش الإسلاموفوبيا، الغنوشي ومقولة "صدام الحضارات"؟

المجزرة الأليمة التي طالت عدداً من المهاجرين المسلمين في نيوزيلاندا وما تلاها من نقاش، لا تزال تتفاعل أطروحته حول الإسلاموفوبيا أو "الرهاب" الإسلامي في الغرب، ذكرتني ببعض الأطروحات الإسلامية التي رفضت منذ نهاية التسعينيات مقولة "صدام الحضارات" التي بشّرت بعصر من التطاحن الديني بين الأمم، وطرحت بديلا عنها مقولة "التفاعل الحضاري" على قاعدة "وكذلك جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" (الآية).

المجزرة التي طالت عدداً من المهاجرين المسلمين في نيوزيلاندا لا تزال تتفاعل أطروحته حول الإسلاموفوبيا
المجزرة التي طالت عدداً من المهاجرين المسلمين في نيوزيلاندا لا تزال تتفاعل أطروحته حول الإسلاموفوبيا

يخيل لي أن الشيخ راشد الغنوشي كان من بين من تصدى لهذه الأطروحة مبكراً من داخل الفضاء الإسلامي. وقد تجلّت أطروحته التي لا تزال تتطور بعدد من "التبنّيات" الفكرية التي تتلمس لها أدلة من القرآن والسيرة النبوية. وإذا ما أبحرنا أعمق في كثير من نصوصه يتملكنا الشعور أنه قد تأثر أو اقتبس أو استوحى عدداً من مفاهيمه من الفلسفات الغربية نفسها. فهو يلتقي في بعض أعماله مع أعمال الفيلسوف جاك دريدا الذي بنى أطروحته على أن النصّ اللغوي، أيا كان نوعه، له طاقة تأويلية قد لا تنتهي. وأن النصّ لا يعود مُلكا لصاحبه بعد إتاحته للناس. وكل قارئ للنصّ هو بمثابة كاتب جديد له. إلاّ أن الغنوشي فرّق بين نصّ إلهي ونصّ بشري. حيث يختص النص البشري عنده، كما هو حال كل مفكري الإسلام، بالقصور والمحدودية واحتماليات التناقض والالتصاق بظروف قائله ومستوى ثقافته وطبيعة البيئة التي ولد وعاش فيها زماناً ومكانا. ولهذا يبقى من السهل ضبط المراد من النصّ البشري أو الإحاطة بدلالاته ومراميه، بخلاف النصّ الإلهي، وهو في حالة الإسلام القرآن الكريم الذي هو كلام الله ويحمل بالضرورة صفات قائله من حيث العلم المسبق والإحاطة التامة بالوجود وتعالي نصّه عن قصور اللغة التي نزل بها من ناحية وعن البيئة التي تنزّل فيها من ناحية أخرى. فالنصّ الإلهي صالح لكل زمان ومكان بمعنى أنه يحمل طاقة تأويلية كامنة في داخله، فلا يحيط فرد مهما بلغ عمله أو جماعة مهما بلغت درجة ضبطها الإحاطة بما فيه من علوم وتوجيهات. وهكذا يظلّ النص منجّما لكل منقّب في أي عصر ظهر.

على مسار موازٍ، يبدو الغنوشي متفقاً ضمنياً مع ما توصل إليه الفرنسي ميشال فوكو حول جدلية العلاقة بين المعرفة والسلطة. فنجده يقلّل من شأن التفسيرات القرآنية والأحاديث النبوية التي برزت في أحضان العهدين الأموي والعباسي وما تلاهما حول العلاقة بين الحاكم والمحكوم. فمجمل تلك التفسيرات والنصوص التي ظهرت برزت وسادت لا بفعل قوتها الذاتية ولا بصدق تأويلاتها وإنما لوجود سلطة قاهرة كانت تسوق لها لمقصد ما.

ولهذا نجد الغنوشي على سبيل المثال يرفض كل ما جاء به معاوية بن أبي سفيان في توريث الحكم لولده ولبني أميّة من بعده، ويضرب صفحا عن كل الاجتهادات الكلاسيكية التي تلت حول نظرية الدولة الإسلامية وإدارة الدولة والمجتمع.

هذه الرؤية التي يميل لها الغنوشي مكّنته من التحرر من قيود وأفهام المفسرين القدماء والمعاصرين للقرآن. كما سمح لنفسه أن يخرج بعض النصوص من سياقها العام، وأن يكسر قيود دلالات بعض المفردات فيضمّنها معاني بالضرورة لم تكن معروفة في عصر التنزيل.

سابقاً، تماشى الغنوشي بحكم تأثره بفكر الإخوان المسلمين مع الفلسفات الشمولية التي سادت أوروبا مثل الفاشية والماركسية، وإن كان لفكرة الشمولية أساس قرآني يسهل على المرء تتبعه، كون القرآن رسالة إلهية إلى الشرية جمعاء.

ومع توحش العولمة، تصاعدت الدعوات للاعتراف بالخصوصيات والتنوع الثقافي للأمم والحذر من الحتميات المعمّمة لصالح التجارب المختلفة للأمم في تحقيق حداثتها. كان لهذا التوجه الأممي أثره البارز في الخطاب الأخير للشيخ الغنوشي. وقد تبين ملامحه بوضوح بعد عودته لتونس وانخراط حزبه في الحياة السياسية. ومن آثار هذا التوجه هو نفي مقولة "صدام الحضارات" التي روج لها المفكر الأمريكي صموئيل هنتغتون. فالإسلام ليس بديلا للشيوعية في عدائها للمشروع الغربي. ورفض الاعتراف للمفكر الأمريكي من أصل ياباني فرانسيس فوكوياما بنهاية التاريخ وبلوغ البشرية النموذج الأمثل في تطبيق الليبرالية الرأسمالية. فليس هناك قيم كونية في السياسة والاقتصاد والاجتماع يفترض تنزيلها على أيّ مجتمع من اجل نهضته كما قال فوكوياما. 

ينتصر الغنوشي مثل قطاع كبير من الإسلاميين للمدرسة التي تدعو إلى التفاعل الحضاري والتنافس بين الأمم في ظل الاعتراف بالتنوع الثقافي والخصوصيات القومية للشعوب. وهو ينحو مؤخرا نحو إعمال هذه المقولة داخل فضاء الإسلام الحركي، فنفى فكرة "التنظيم الشمولي" معتبرا إياها لوثة غربية، ونفى معها وحدة المثال والتجربة في الفضاء الإسلامي واعتبرها هيمنة غير مبررة لمركزية إخوانية مقرّها مصر. وطوّر في المقابل أطروحة تقول بخصوصية التجربة الإسلامية داخل الفضاء القُطري في العالمين العربي والإسلامي. بمعنى انه غير ملزم باستجلاب الفكر الإخواني أو غيره من بيئته التي ولد فيها إلى بلد مثل تونس أو المغرب. فكلّ مجتمع ينبغي أن يبتكر لنفسه أسلوبه في تحقيق نهضته.

هذا التوجه لدى الغنوشي لم يقض على مفردات ومصطلحات مشحونة بالبعد الشمولي مثل "الأمة"، "الإسلاميون"، "العالم الإسلامي"، "الأخوة" وغيرها من المفردات. بل طوّر لبعضها معاني جديدة، وقيّد معاني أخرى، وأسقط أو أهمل أو قلص من استعمال مفردات قد تحمل على الالتباس وسط اتهام مبيّت للإسلاميين انهم شموليون واقصائيون.

وإذا كان التفاعل والإفادة من تجارب الإسلاميين في قطر آخر دليل عافية ومانعة، فكذلك التفاعل الحضاري بين الأمة الإسلامية والأمم الأخرى دليل مناعة وعافية بشرية. ينتهي إلى هذا الاعتقاد الشيخ الغنوشي في طرحه، فيما يبدو لي.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً