أنطوان شاربنتييه

باحث سياسي

هكذا تربّى البعض منا يا سيّد بومبيو وهكذا أصبحنا

زيارة وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية مارك بومبيو إلى لبنان، جاءت في وقت فيه قلّة قليلة من الناس والقادة السياسيين، الذين ما يزالون يصغون بشغف إلى أفكاره وإلى توجيهات إدارته. وهنا نلفت النظر إلى أن حلفاء وأصدقاء المحور الأميركي في الشرق الأوسط بشكل عام وبشكل خاص يعيشون في أزمة سياسية وتخبّط دبلوماسي في الوقت الحاضر، وهم يتعثّرون في وجه مقاومةٍ شريفةٍ لن ترضخ يوماً للمساومة على الحق والعدل مهما كانت الصعوبات والتضحيات.

أتى وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية إلى لبنان في زيارة تحريضية على ثقافة المقاومة
أتى وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية إلى لبنان في زيارة تحريضية على ثقافة المقاومة

أتى وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية إلى لبنان في زيارة تحريضية على ثقافة المقاومة. وهذا التحريض شمل بشكل واضح حزب الله اللبناني الذي تنتمي إليه وتعتنق أفكاره شريحة واسعة من الشعب اللبناني ومن كل الطوائف والأطياف، وبالتالي فهذا التحريض يشكّل استهدافاً صريحاً لمكوّنٍ أساسي من الشعب اللبناني يشارك فعلياً في الحياة السياسية اللبنانية. وهذا أمرٌ مرفوضٌ كلياً، فالمسلمون الشيعة في لبنان ليسوا فيلقاً غريباً أتى من الخارج إلى لبنان، بل هم مكّون أساسي من مكوّنات المجتمع اللبناني، وطبعاً لن نضيّع الوقت بإعطاء البراهين والأدلّة على هذا لا لمايك بومبيو ولا لغيره.
زيارة وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية بومبيو إلى لبنان، جاءت في وقت فيه قلّة قليلة من الناس والقادة السياسيين، الذين ما يزالون يصغون بشغف إلى أفكاره وإلى توجيهات إدارته. وهنا نلفت النظر إلى أن حلفاء وأصدقاء المحور الأميركي في الشرق الأوسط بشكل عام وبشكل خاص يعيشون في أزمة سياسية وتخبّط دبلوماسي في الوقت الحاضر، وهم يتعثّرون في وجه مقاومةٍ شريفةٍ لن ترضخ يوماً للمساومة على الحق والعدل مهما كانت الصعوبات والتضحيات.
لكن يجب على السيّد بومبيو أن يعلم، أنه إن كان البعض منا تربّى في لبنان على بعض الأفكار التي قالها خلال تصريحاته مثل أن مشكلة لبنان منذ أكثر من ثلاثين عاماً هي المقاومة، وأن العدو الأكبر والأخطر هو المقاوِم اللبناني، الذي لا ينتمي إلى نفس خطّنا السياسي والديني الذي ننتمي إليه، وأن الغرب والكيان الصهيوني والدول الاستعمارية هم الأصدقاء. فنحن الآن، يا سيّد بومبيو، نعيش عصر الصحوة الفكرية والوطنية.
نعم يا سيّد بومبيو تربّى البعض منا على أن قضية فلسطين ليست من شأننا، وأنها مجرّد خلاف بين بعض المسلمين واليهود، وبأن كل الحروب والأهوال في لبنان هي بسبب الوجود الفلسطيني. وبأن المقاومة في لبنان هي عدوّة الأمّة. وبأن الإسلام بشكل عام ، والشيعة بشكل خاص، يشكّلون خطراً على الأقليات التي طالما دافع عنها الغرب، لكن في الحقيقة، الغرب هو أول مَن تسبَّب بمُعاناة الأقليات في منطقتنا، لأنه كان وما يزال يلهث وراء مصالحه على حساب ضميره وقِيَمه التي يصدّرها لنا. لكن نحن الآن يا سيّد بومبيو، شبيّنا عن الطوق وصرنا نعتنق المقاومة نهجاً وفكراً.
فلو أتى وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية مارك بومبيو بأفكاره هذه في السنوات القليلة الماضية لكنّا أصغينا إليه، لكن لحُسن الحظ أننا نضجنا وأعدنا قراءة ما تربّينا عليه بشكل نقدي، إيجابي ونزيه.
غيّبتنا الأكاذيب والافتراءات كثيراً عن درب الحق، تُهنا في دوّامة البروباغندا، ضعنا في زخم الفبركات الإعلامية، وأضعنا البوصلة!! لكنّا كبرنا ورأينا بأمّ أعيننا كيف تحرّر جنوب لبنان في عام 2000 بسواعد المقاومين الصابرين، ومن ثم أتت حرب تموز في عام 2006، ورأينا كيف واجهت المقاومة اللبنانية ببسالة منقطعة النظير الصهاينة ، وكيف واجهت وصمدت وانتصرت على كيان المحتل . ثم رأينا كيف هجَمَ الربيع العربي المشؤوم على أوطاننا في سوريا والعراق واليمن وليبيا ، وكيف ظهرت الحركات الإرهابية، والدعوات التكفيرية، والأفكار المتطرّفة، والدعوات الانفصالية لتحثّنا هده الأمور أكثر فأكثر على إعادة النظر بالتربية السياسية التي نشأنا عليها، وإليك يا سيّد بومبيو القليل من خلاصة قناعاتنا:
رأينا أن الكيان الإسرائيلي، احتلّ فلسطين، وشرّد شعبها، وقتل شبابها، وأطفالها، وأذلّ نساءها ومسنيها، وفرض نظام الإبارتييد العنصري حتى الآن. وما يزال الجيش الصهيوني وهو «الجيش الأكثر أخلاقية" كما يريد البعض إظهاره، يعتقل أطفالاً فلسطينيين أعمارهم دون سن العاشرة بتهمة الإرهاب!!، وكل هذا يجري أمام أعين الغرب الصامِت عن الحق.
اكتشفنا أن مشكلة لبنان الأساسية ليست الوجود الفلسطيني، رغم كل ما حصل خلال الحرب الأهلية اللبنانية، ورغم وجود أخطاء ارتُكِبَت من عدّة جهات، سواء أكانت فلسطينية أو لبنانية، بل إنّ مشكلة لبنان الحقيقية هي إسرائيل التي هجّرت الفلسطينيين إلى لبنان ودول المنطقة الأخرى ما تسبّب بأزمات عدّة اجتماعية واقتصادية وبشرية وتنموية. أضف إلى ذلك سرقة الكيان الصهيوني للموارد الطبيعية اللبنانية.
ورأينا ونرى كيف الكيان الإسرائيلي ما يزال يتمادى ويعتدي بشكل شبه يومي على لبنان، ولا من رقيب ولا من حسيب لا من الغرب ولا من أميركا "الأصدقاء"، لا بل إن أميركا ما تزال تدعم إسرائيل، وتتغاضى عن تجاوزاتها للقانون الدولي، وتتساهل معها، ووصل الأمر بالرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن تمادى وأهدى القدس كعاصمةٍ للكيان الغاصِب، وبأن وقَّع وثيقة تمنح الجولان السوري المحتل للكيان الصهيوني كأرضٍ شرعيةٍ له!! ونتساءل ، ويحق لنا ذلك مَن قال لهم أن هذه الأرض العربية هي ملك أبيهم ويستطيعون التصرّف بها كما يشاؤون؟؟
أحبّ أن أذكِّرك يا سيّد مايك بومبيو أن جنوب لبنان تحرّر في عام 2000 وأتت النتائج على غير ما توقّعناه، فمّن صنّفتموه "عدو الأمّة" لم يحتل المناطق اللبنانية، ولم ينفّذ إعدامات ميدانية، ولم يخلق دولة داخل الدولة ولم يشكّل إمارة تخصّه، ولم يُجبِ الضرائب ولم يُسبِ النساء. لا بل اكتشفنا مدى الظلم الذي عاناه أهلنا في الجنوب طوال سنوات الاحتلال الصهيوني، من تعذيب، واعتقال، وإخضاع، وكل الممارسات التي لا تمّت بصلة إلى الشرائع الإنسانية والقانونية. ثم أتت حرب تموز عام 2006، يا سيّد بومبيو، ودافعت المقاومة بكل مكوّناتها عن لبنان شعباً وأرضاً، ضد الهجمة الصهيونية الشعواء، وأجهضت بتماسك الجيش، والشعب، والمقاومة، مشروع الشرق الأوسط الجديد. هذه المعادلة الذهبية (جيش، شعب، مقاومة) هي التي نجّت لبنان من أهوال الربيع العربي، ودحرت الإرهاب وطردته من جرودها ومنعته من الحصول على ممرٍ بحري عبر الأراضي اللبنانية وحمت في الوقت عينه الأقليات.
بعد كل ما استعرضناه، فإن الكثير من اللبنانيين يرون أن المقاومة لا تقف عائقاً في وجه طموحاتهم، كما ذكر الوزير بومبيو، لا بل يشعرون بالطمأنينة لأنها موجودة وهي جزء لا يتجزّأ من لبنان، وبفضلها عادت لنا كرامتنا التي سلبنا إياها المحتل الصهيوني. فنحن اللبنانيون، يا سيّد بومبيو، نحلم بأن تكون لنا دولة بكل معنى الكلمة، دولة قوية نستفيد من مواردها المائية والنفطية التي تسعى دول الاستعمار إلى سرقتها.!! نحن اللبنانيون، لسنا هواة حرب أبداً، ولا نريد إلّا العيش بسلام، ولكن كيف نعيش بسلام والخطر الصهيوني الأكبر ما يزال على حدودنا يتهدّدنا إما مباشرة أو عبر حلفائه وأدواته؟. 
إن المقاومة دخلت إلى البرلمان اللبناني ومن ثم إلى الحكومة اللبنانية، من خلال الانتخابات البرلمانية، ومن خلال أصوات المواطنين الحرّة، وإذا كان السيّد بومبيو ومعه بعض أبواق الفتنة في لبنان يعتقدون أن المقاومة أرعبت الشعب وأجبرته على انتخابها، فما عليهم إلأ إشهار براهينهم علناً، وعلى الإعلام، ونحن مَن سيحاكم المقاومة على هذه التجاوزات إذا ما كانت صحيحة!!. 
لا يحقّ لا لوزير الخارجية الأميركي ولا لغيره باتّهام المقاومة بتحدّي الدولة اللبنانية ونشر الدمار فيها، فالوزير بومبيو يساوي المقاومة اللبنانية بالإرهابيين والخوَنة الذين رأيناهم في سوريا، والعراق، وليبيا، واليمن، والذين يعملون بأوامر خارجية لتدمير دولهم، وتخريب البُنى التحتية فيها، وتشريد شعوبهم، تحت رايات مُصطنعة عديدة وشعارات برّاقة.
يجب ألا ينسى المناهضون للمقاومة في لبنان، أن بفضل سواعد المقاومين الصامدين على الجبهات، وبفضل تضحيات شهداء المقاومة، هم اليوم يعيشون في طمأنينة وأمان، ويذهبون إلى أشغالهم، ويمضون عطل نهاية الأسبوع في الاستجمام، والتنزّه في المطاعم والمقاهي الليلية. فقليلاً من النزاهة أيها السادة، تخيّلوا مثلاً لو دخل تنظيم داعش الإرهابي وأخواته إلى لبنان؟ لم تحارب المقاومة يوماً ما للدفاع عن نفسها وبيئتها فقط ، ولم تعمل أبداً على أمن ذاتي ، لكنها كانت وما تزال تعمل لأمن وأمان لبنان، لكن للأسف فإن نُكران الجميل أصبح فعلاً فلسفة حياة في بعض مجتمعاتنا العربية.
الأمر الواقع الذي تفرضه المعادلة الذهبية الجيش، الشعب، المقاومة، تمنح لبنان التنعّم بالأمن والسلام، وتردع إسرائيل وأطماعها، وتنقله، أي لبنان، بوجود رئيس للجمهورية تُرفَع له القبّعة في هذا المجال، من بلد ضعيف، إلى بلد قوي يُحسَب له الحساب. أليس هذا الذي يريده اللبنانيون الذين لا يحبّون المقاومة ويحرّضون عليها؟ ها هو لبنان أصبح قوياً، لكن المشكلة عندهم ليست لبنان بقوّته أو بضعفه، بقدر ما هو لبنان تحت هيمنتهم، وقيادتهم.
تبقى المشكلة الأساسية لأميركا وإسرائيل هي أن المقاومة في لبنان هي جزء من محور أجهض المشروع التدميري والتقسيمي لمنطقة الشرق الأوسط ووضع مستقبل الهيمنة الأميركية والاحتلال الإسرائيلي على المحك.
نعم يا سيّد بومبيو تربّينا على نهجكم، لكننا لسنا نادمين بالانقلاب عليه.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً