صالح محروس محمد

باحث وكاتب مصري

المصالح الفرنسية في جزر القمر بوابة رئاستها

لا يزال الثقل الاقتصادي الفرنسي في جمهورية جزر القمر محافظاً على قوّته. فلا تزال فرنسا تحتل المركز الأهم في الميزان التجارى القمري. فالمصلحة الفرنسية الأولى في جمهورية جزر القمر هي الاستفادة من موقعها الاستراتيجي في المدخل الشمالي للممر بين جزيرة مدغشقر وجنوب شرق أفريقيا المواجه لشواطئ موزمبيق.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ ف ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ ف ب)

فاز رئيس جزر القمر (دولة عربية إسلامية تقع في شرق أفريقيا) غزالي عثماني بولاية رئاسية رابعة إثر تقدّمه في الانتخابات التي جرت الأحد 24 آذار/مارس الماضي، وأحرز 60.77 في المئة من أصوات الناخبين متقدّماً على أبرز مرشّحي المعارضة محمود أحمد الذي حصل على 14.62 في المئة. وصل عثماني- الضابط السابق في الجيش- إلى السلطة لأول مرة في انقلاب في عام 1999 ثم فاز في انتخابات عام 2002 وعام 2016. وفي العام الماضي أثار احتجاجات استمرت شهوراً نتيجة إلغاء القيود على فترات الرئاسة ما أتاح له الترشّح لفترةٍ أخرى وهو ما أثار الغضب في جزيرة أنجوان التي تقول إن الدور عليها لتولّي منصب الرئاسة . واعتبر مراقبون من الاتحاد الأفريقي والسوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا وقوات التدخّل السريع لشرق أفريقيا أن العملية الانتخابية القمرية الأخيرة بأكملها كانت مليئة بالمُخالفات ما دفعهم لاستنتاج أنها افتقرت للمصداقية أو الشفافية. لم تكن فرنسا بعيدة عن الانتخابات في جزر القمر الدولة الأكثر نفوذاً بها. ما هي المصالح الفرنسية في جزر  القمر والتي يرعاها غزالي عثماني لضمان استمراره في الحكم لأجل غير مسمّى؟ الجذور التاريخية للتدخّل الفرنسي في الحكم القمري؟ ما الجزيرة التي ما زالت تحتلها فرنسا من جزر القمر وأهميتها الاستراتيجية؟

لا يزال الثقل الاقتصادي الفرنسي في جمهورية جزر القمر محافظاً على قوّته. فلا تزال فرنسا تحتل المركز الأهم في الميزان التجارى القمري. فالمصلحة الفرنسية الأولى في جمهورية جزر القمر هي الاستفادة من موقعها الاستراتيجي في المدخل الشمالي للممر بين جزيرة مدغشقر وجنوب شرق أفريقيا المواجه لشواطئ موزمبيق. وقد زادت أهمية موقع الجزر بعد استقلال مدغشقر عن فرنسا ثم تصفية القاعدة العسكرية فيها حيث أصبح الوجود العسكري في الجزر لاسيما في جزيرة مايوت من ركائز السياسة الاستراتيجية الفرنسية في المحيط الهندي .ويقوم الاقتصاد القمري  على الزراعة وأهم المحاصيل هي قصب السكر والفانيليا والقرنفل وزهرة اليلانج يلانج. حيث تحتل فرنسا المرتبة الأولى بين مجموعة الدول المستوردة من الجزر، حيث بلغت قيمة السلع التي تستوردها 583,4  مليون فرنك قمري بما يوازى  46,2 من إجمالي التصدير. وبالنسبة لواردات جمهورية القمر من فرنسا تأتي المواد الغذائية في مقدّمة قائمة الواردات  وأهمّها الأرز والأقمشة ومواد البناء والبترول والسيارات، وتحتل فرنسا المرتبة الأولى للدول المُصدّرة لجمهورية القمر.

للتدخّل الفرنسي المباشر في الأنظمة السياسية القمرية تاريخ وذلك  للحفاظ على مصالحها الاقتصادية والسياسية، فعندما حاول رئيسها السابق علي صويلح  استعادة جزيرة مايوت حين أرسل قوات عسكرية في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1975 تدخلت فرنسا وأجبرته على الانسحاب من الجزيرة  واحتفظت بها أرضاً فرنسية في ما وراء البحار حتى الآن. ثم تدخّلت لإسقاط نظام علي صويلح في أيار/مايو عام 1978م حين أعلن النظام الاشتراكي الديمقراطي منذ تولّيه السلطة في يناير عام 1976م فقد تحالفت فرنسا مع جنوب أفريقيا لتشجيع هذه الهجمة ضد النظام القمري وذلك لتهديد القوانين الاشتراكية لمصالحهما في المحيط  الهند] ، لاسيما موقع جزر القمر على طريق الملاحة من جنوب أفريقيا إلى أوروبا والعكس.

وفي عهد الرئيس القمري محمّد تقي عبدالكريم ( 1996- 1998م) لميوله الإسلامية وأخذ وفتح المجال  واسعاً للاستثمارات الأميركية؟ وإزاء هذه المخاطر التي هدّدت المصالح الفرنسية في هذه البقعة الاستراتيجية المهمة في المحيط الهندي، رأت فرنسا ضرورة  تحجيم سلطات رئيس الدولة، وبعد وفاة الرئيس عبدالكريم عادت فرنسا تلعب الدور الرئيس في هذه الجزر القريبة من مايوت وريونيون الفرنسييتن، حيث تموّل وترعي اتفاقية المصالحة الوطنية للجزر الثلاث. من خلال منظمة الفرنكوفونية وبمساعدة منظمة الوحدة الأفريقية، فرعت فرنسا المصالحة الوطنية في جزر القمر حيث أعلن المتحدّث الرسمى لوزارة الخارجية الفرنسية أن مشكلة الانفصال لن تُحل بالقوّة ولكن بالمفاوضات السلمية بين الأطراف. فسعت فرنسا من خلال منظمة الفرانكوفنية فسهّلت مقابلة رئيس الدولة القمرية غزالي عثماني برئيس المعارضة، وأفرزت اتفاقية فومبوني الأولى آب/أغسطس 2000 والثانية شباط/فبراير 2001م لاستمرار جزيرة إنجوان ضمن أرخبيل جزر القمر عن استقرار أرخبيل جزر القمر يخدم المصالح الفرنسية في المحيط الهندي.

أما قصة جزيرة مايوت (بالفرنسية: Mayotte) في المحيط الهندي تابعة لفرنسا وهي جزء من أرخبيل جزر القمر تقع في الطرف الشمالي من القنال الفاصل بين موزمبيق ومدغشقر. أغلبية سكانها من المسلمين، رفضوا الاستقلال في الاستفتاء الذي أدّى لاستقلال الجزر الأخرى كدولة اتحادية. أطلق عليها الفرنسيون مايوت (بالفرنسية: Mayotte) اقتباساً من الإسم العربي القديم، حيث جاءت الكلمة من اللغة العربية وهي الموت أي «جزيرة الموت» وسبب تسميتها بذلك لوجود الشِعَب المرجانية التي تحيط بالجزيرة والتي كانت تحطّم السفن التي تقترب من شواطئها وكأنها سور لحماية الجزيرة من الأعداء. تعتبر جزيرة مايوت أقدم الجزر الأربع الرئيسية في أرخبيل جزر القمر، تتكوّن وتتّخذ شكل هلال عند مدخل قناة موزامبيق. وتبعد حوالى 250 كم غرب جزيرة مدغشقر وثلاثين كيلومتراً إلى الجنوب والجنوب الغربي من جزيرة أنجوان، حيث موقعها المميّز في أرخبيل جزر القمر والقريبة من موزمبيق ومدغشقر وجنوب أفريقيا.

فالرضا الفرنسي عن الحاكم القمري مفتاح نجاحه في الانتخابات واستقرار مقاليد الحكم في يده.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً