محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

ترامب وشيطنة الاخر.!!

توجّه ترامب هذا سيدفع لا محالة العالم نحو تبنّي مواقف حادّة وبالتالي ،" فإنّ الاشتباك سوف يكون حادّاً وساخِناً جداً، وسوف يكون بشعاً. لذا فإنّ التعبير عن بعض فصوله لن يكون بعيداً عن تينك السخونة والحدّة أو تلك البشاعة" كما يقول خالد العبّود..

أميركا إذن تدّعي مُحاربتها للإرهاب وترهن مؤسّساتها من أجل الإرهاب !!
أميركا إذن تدّعي مُحاربتها للإرهاب وترهن مؤسّساتها من أجل الإرهاب !!

إن التبرير للأخطاء يصبّ في النهاية في خانة الخيانة. هذه هي سياسة ترامب مند تولّيه الرئاسة ، وتلك في الواقع سياسة أميركا بمجملها،إنها سياسة "الرنجاس" وإن قيل عنها بلد الحرية والديمقراطية ، وهي في شقّها الأساس للسكان البيض ربما صحيحة ، أما الأقليات فهم مازالوا بعد من وجهة نظرة ترامب يشكّلون قاعدة العبيد التي ارتكزت عليها أميركا في أسسها الأولى..

تقول هيلاري كلينتون في مذكراتها: إذا استخدمنا القوّه ضد مصر خسرنا وإذا تركنا مصر خسرنا شيئاً في غايه الصعوبة " ، وتضيف "زرت 112 دولة في العالم من أجل شرح الوضع الأميركي مع مصر ، وتمّ الاتفاق مع بعض الأصدقاء (دويلات الخليج) بالاعتراف بالدولة الإسلامية حال إعلانها فوراً " ، أليس هذا غير كاف باتهام أميركا بأنها المؤسّس الأول للإرهاب والدولة الإرهابية.. ولكن الأغرب من الخيال هو أن دونالد ترامب سلَّم الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون يوم محادثاتهما التي انهارت في هانوي الشهر الماضي، ورقة تحتوي على دعوة صريحة لنقل أسلحة بيونغ يانغ النووية ووقود القنابل إلى الولايات المتحدة ، كما تقول وكالة رويترز، وكأن أميركا وصيّة على العالم بل وتظنّ أنها المخزون الوحيد للحرية !! وهي بتعبير أحدهم المخزون الكلّي للشرّ والجريمة المنظّمة ..

توجّه ترامب هذا سيدفع لا محالة العالم نحو تبنّي مواقف حادّة وبالتالي ،" فإنّ الاشتباك سوف يكون حادّاً وساخِناً جداً، وسوف يكون بشعاً. لذا فإنّ التعبير عن بعض فصوله لن يكون بعيداً عن تينك السخونة والحدّة أو تلك البشاعة" كما يقول خالد العبّود..

العالم إذن، يعيش العاصفة، عاصفة الدم، وعاصفة الانحراف، المشكلة أشدّ من أيّ توصيف، سواء على مستوى الاحتمالات، أولاً على مستوى الاحتكام للظنون، الغرب يجرّ أذياله من جديد بحثاً عن مساحة يرتكز عليها كمنطلق لمفهوم جديد للاستعمار، و"الناتو" هو الوسيلة الأهم اليوم، والولايات المتحدة الأميركية تواجه العالم بأضلع ثلاثة: سياسة الإرهاب، والحروب الطائفية ، ومبدأ التوسّع، وهي تؤكّد لحظة بلحظة أنها ضمن منظومة الإرهاب، إرهاب الدولة، ومن دون عناء للبحث عن الأدلّة في أرشيف الوثائق السرّية، بل وحتى في الوثائق التي نشرها وكيليكس. إذ ما تقوم به من عداء متّصل ضد الدول والأنظمة أكثر من شاهِد مادي وأكثر من حجّة مسجّلة ضدّها على أوراق التاريخ..

يقول المفكّر الأميركي (الأكثر قراءة في العالم) نعوم تشومسكي إن "المخابرات الأميركية"قامت بذبح بضعة من الرهبان في أميركا اللاتينية وسلخت جلودهم ووضعتهم على طاولات" ليراهم الناس، طبعاً أعداء أميركا كما تدعى، ومنذ شهر أصدر الكاتب الأميركي الرياضي، ريك ريلي، كتاباً تحدّث فيه عن "أساليب الغشّ التي كان يستخدمها الرئيس دونالد ترامب خلال ممارسته رياضة الغولف" وهي نفس الممارسة التي يستعملها اليوم في سياسته النازية ضد العالم ..لكن، إن كان الخصم واضحاً ومصرّحاً بأفعاله وآرائه فإن المواجهة تأخذ طابع التصدّي برؤية تأخذ وجودها من زاويتيّ الجغرافيا والتاريخ وبسياسة قائمة على أضلع هذا التزاوج بين ما هو من التاريخ وما هو من الجغرافية ، فمن( مهارات السياسة هي أن يتم تحويل الأزمات إلى طاقة تجديد وإحياء.. وأن يتم تحويل كل سلاح عليك إلى سلاح معك وبيدك..)

ولم يفعل إلى حد الآن في الوطن العربي - بعد ثورة الجزائر- ذلك غير المقاومة ومحورها الصلب، ومن هذا الصلب تأخذ السياسة السورية قوّتها بقيادة بشّار الأسد فتثير الأعصاب لأميركا وإسرائيل، أحياناً بغموضها والتزامها الصمت ، وأحياناً بانتصارات سوريا بجيشها وصمودها ، يقول رئيس الموساد السابق" إذا بقي الأسد على رأس الحكم فإن إسرائيل ستشهد أكبر هزيمة في تاريخها" وحزب الله شاهد..

لكن هذا الصمت الذي استعمل في نظر البعض ضدّها كان سلاحاً بيدها أيضاً.. وأستطيع بكل ثقة أن أقول إن كل الأسلحة والأوراق التي استخدمها محور الغرب و"الناتو" وأعوانهما قد تم تعديل مسارها بمواقف سوريا لتتّجه سهامها بالاتجاه المعاكس.. المسألة إذن، مسألة وقت فقط (والقدرة على الصبر.. )..

إن افتعال الحروب الطائفية، والتي من مهمات أميركا والغرب عموماً والخروج بها إلى واجهة الأحداث كمعبر لقضايا تصنع في الخفاء من أجل دفن جريمة الفاعل الحقيقي بجرائم أخرى تنسب لغير فاعليها، يبدو ضرباً من الجنون، بل إن هذا التصرّف الخارج من دائرة الاختزال للسياسة كأداة فَهْم الممكن يبدو شبيهاً بمَن يمارس الوَهْم بجنون.. الخبير في مركز التحليل السياسي، أندريه تيخونوف يؤكّد" أن الـ"20 عاماً المقبلة هي أفق تخطيط افتراضي"، وقال "من الواضح أن الحديث يدورعن عداوة ستكون أبدية. " أكيد، هناك رؤية جماعية في المواقف المتحرّكة بفعل الأحداث، وهناك رؤية فردية تنطلق من مبدأ التوصيف للحقيقة في زمن افتعال الفوضى..

لقد دعت الصين أكثر من مرة إلى تجنيب العالم حركة الصراعات، ودعت روسيا أيضاً إلى تقييد الأحكام الصادرة من مجلس الأمن بالالتزام بما جاء فيها من دون إعطائها البًعد التأويلي الذي يخرج بها إلى حافات قد تدمّر أو تقوّض مبدأ القانون الدولي من أساسه، غير أن أميركا وأمام تعاظُم فشلها وانحصار سياستها للجرائم التي ترتكبها، وأمام هاجسها المُفتعل كقوّة عالمية وحيدة على الساحة الدولية بسوء نظرتها للروسي والصيني اتخذت من ضغط العنصرية التي جاء بها ترامب مفهوم القطبية كأداة تكريس لمبدأ القوّة في بناء مصالحها خارج حدودها ، فإذا هي بين قوّة الصين الاقتصادية تسير نحو الخلف وبقوّة روسيا العسكرية تخشى على أمنها القومي..

تواجدها اليوم عسكرياً في أكثر من سبعين دولة دليل على هذا التوجّه البائس، التوجّه الرافض لفكرة مبدأ الاحترام المُطلق لسيادة للشعوب وعدم الالتجاء للقوّة خارج ميثاق الأمم المتحدة، وارتهانها المُطلق للفعل الذي ينظر للإرهاب، ما يدفع حتى المُعتدلين من الدول إلى تبنّي المواجهة بما فيها المواجهة بالإرهاب بتحريض دُعاة الانفصال في أيّ بلد إلى الاحتماء بالظاهرة كأداة مقاومة منظورة..

أميركا إذن ، تدّعي مُحاربتها للإرهاب وترهن مؤسّساتها من أجل الإرهاب !! والواقفون خلفها هم مجرّد صناديق مثقوبة من الأسفل بتعبير الشاعر الروسي سوليجنستين، وهي لا تدرك أنها تضمّ الظاهرة وتجعلها تتوالد بفعل ما تقوم به من عدوان إن على الشعوب أو على الدول. والسؤال المطروح لماذا الصين خارج هذه الظاهرة وهي أكثر الدول شعوباً بأكثر من مليار ونصف المليار.. ذلك أنها تمارس سياسة الانفتاح على العالم وفي إطار أخلاقي يحترم المصالح المتبادلة بين الدول والشعوب.

ذلك أن النسبية في السياسة لا تنتج اليوم غير التأخّر ، وأن الارتباط بمواقف أميركا وهي الأكثر سوءاً في التاريخ هي الآن في طرق الانهيار ، بل ويبدو ضرباً من التيه بلا دليل. إن غورباتشوف الخارج من ثقب الماركسية إلى التفكير الجديد هو القائل" السياسة فن الممكن " أما خارج نطاق الممكن فتبدأ المغامرة.. فهل يصمد ترامب والمحافظون الجُدد في وجه الإعصار القادم من روسيا والصين وإيران، وهو يراهن بالوَهْم على عالم ينحى لأميركا أم يتحوّل إلى نسخة من مقولة الكاتب الروماني الكبير شيسرون أنه ومَن معه جميعاً إلى مجرّد "طيور موظّفة".


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً