رفعت سيد أحمد

كاتب ومفكر قومى من مصر. رئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث القاهرة. دكتوراه فى فلسفة العلوم السياسية من جامعة القاهرة – 1987. صدر له ثلاثون مؤلفاً وموسوعة عن الإسلام السياسى والصراع العربى الصهيونى

هل تسبَّب الإخوان في انفضاض العروة الوثقى بين الإسلاميين والعروبيين؟

لقد أدّى حُكم الإخوان الفاشل وإرهاب بعض الجماعات الداعشية الجديدة وخطفهم للثورة في مصر والمنطقة، إلى نهاية الحلم التاريخى لوحدة التيارين القومي والإسلامي، ذلك الحلم الذي تمثّل في إنشاء مؤسّسات مُحترَمة.

لقد أدّى حُكم الإخوان الفاشل وإرهاب بعض الجماعات الداعشية إلى نهاية الحلم التاريخى لوحدة التيارين القومي والإسلامي
لقد أدّى حُكم الإخوان الفاشل وإرهاب بعض الجماعات الداعشية إلى نهاية الحلم التاريخى لوحدة التيارين القومي والإسلامي

لا تزال بعض النوايا الحسَنة بشأن إمكانية التلاقي مُجدّداً بين القوميين والإسلاميين في عالمنا العربي؛ قائمة لدى فريق من المُثقّفين العرب ممَن جمعتهم مؤتمرات ولقاءات سياسية وثقافية عديدة طيلة ربع القرن الماضي، ونحسب وبشكل قاطع اليوم (2019) أنها نوايا ومشاعر طيّبة لكنها للأسف لا حظّ لها من الواقع اليوم وهي لن تتحقّق، بل هي لدينا أضحت بمثابة أضغاث أحلام، وسقطت مثلما سقطت أوهام أخرى كثيرة، عندما هبّت تلك الرياح السّامة على بلادنا العربية المركزية بإسم الربيع العربي خلال السنوات الثماني الماضية، وكان فريق من الإسلاميين هم حملة شعلتها الفاسِدة والمُفسِدة لكل ما بني من علاقات وأقيم من صروح للتفاهم، فإذ بها صروح من خيال فهوت.

لقد أدّى حُكم الإخوان الفاشل وإرهاب بعض الجماعات الداعشية الجديدة وخطفهم للثورة في مصر والمنطقة، إلى نهاية الحلم التاريخى لوحدة التيارين القومي والإسلامي، ذلك الحلم الذي تمثّل في إنشاء مؤسّسات مُحترَمة منذ التسعينات من القرن الماضي كان لها دور تقريبي رائع، لعلّ أبرزها (المؤتمر القومي – الإسلامي)، والذي يعاني اليوم موتاً سياسياً مؤكّداً، كان السبب الرئيس فيه – للأسف – هو حُكم الإسلاميين وصراعاتهم على جثث الأوطان بعد ثورة يناير2011 المصرية، وثورات الربيع العربي المزعوم للأسف في باقي المنطقة، وفي هذا السياق نشير إلى الآتي:

أولاً: دعونا نؤكّد بداية على إيماننا بأهمية (الكتلة التاريخية للأمّة التي تتكوّن بالأساس من القوميين والإسلاميين وباقي القوى الوطنية العربية)، وبأنها ليست وَهْماً، ولكن بالمقابل نعتقد أن الخلاقات التي نشبت بين أنصار التيارين (القومي والإسلامي) سببها الرئيس اهتزاز البوصلة الحاكِمة للوحدة بين التيارين وهي (بوصلة المقاومة) خاصة بعدما سُمّي بربيع الثورات العربية، الذي ثبت يقيناً أنها لم تكن كلها ثورات، بل مؤامرات مُتكامِلة الأركان كما جرى تحديداً في (سوريا وليبيا) ، وكما جرى في مصر عندما اختطف الإخوان الثورة ورئاستها في عام 2012.

إن اهتزاز بوصلة المقاومة وبالذات لدى القوى الداعية لها من داخل فلسطين وتفضيل بعضها (تحديداً حركة حماس الخارج إبان فترة قيادة خالد مشعل) للأخوَنة (نسبة إلى تنظيم الإخوان المسلمين الدولي) على حساب (الفلسطنة)، جعل (القاسم المشترك بين التيارين) يهتزّ ، وتدريجاً تحوَّل إلى عداء كما بدا واضحاً في مصر بعد 30 يونيو 2013، وفي الأزمة السورية أو بمعنى أدق (الصراع على سوريا) وليس (الصراع في سوريا)، لقد انحازت أغلب فصائل تيار الإسلام السياسي (بإستثناء حزب الله والجهاد الإسلامي في فلسطين) إلى اختيارات المُتآمرين الخليجيين والأتراك والأميركان ضد سوريا، تحت ذرائع زائِفة تدّعي إنتساباً للثورة، وهي من كل ذلك براء، لقد وصل الانحياز ضد سوريا – الدولة، إلى حد مُحاربتها والمشاركة الفعلية في مخطّط تفكيكها لمدّة ثماني سنوات متواصلة، رغم أن سوريا- كانت ولاتزال حاضِنة للمقاومة وراعية لبوصلتها طيلة 40 عاماً مضت.

هذا الاهتزاز في الفَهْم وفي العلاقات والذي تحوَّل إلى عداءٍ بين أنصار التيارين يُعدّ في تقديرنا هو جوهر الشقاق الآن، ونحسب أنه مهما حسنت نيّة الداعين لعودة المياه إلى مجاريها مرة ثانية بين التيارين ، لن تنجح على الأقل في المدي المنظور ، إلا بعد أن يعلن قادة التيار الإسلامي (الإخواني تحديداً) خطأهم التاريخي واعتذارهم العَلني للأمّة عما اقترفته أيديهم أو أيدي جماعات مُنتسبة إليهم، وأن يترجموا الاعتذار إلى سياسات رشيدة محترمة وصادقة ، من دون كذب أو نفاق تعوّدناه للأسف في السنوات السابقة، إذا تمّ ذلك قد تنجح ساعتها الدعوة إلى تقارُب التيارين مرة أخرى ولكن على أساس واضح وصريح.

ثانياً: إنّ الخلافات التي وقعت بين التيارين القومي والإسلامي سببها بالأساس – في تقديرنا وصول الإسلاميين إلى الحُكم في مصر تحديداً من دون خبرة أو دراية ناجحة، مع استعلائهم على الناس بما في ذلك (ناس التيار القومي في مصر والمنطقة كلها)، وانفرادهم بالقرار والرأي واتخاذهم مواقف بلا مُبرّر ضد القوميين بالاشتراك مع إخوانهم الإسلاميين في المغرب وتونس، وليبيا ولبنان (باستثناء حزب الله) وفلسطين (باستثناء حركة الجهاد الإسلامي) والخليج واليمن وباقي البلاد المكوّنة للتيار الإسلامي داخل المؤتمر القومي الإسلامي، وغيره من المؤسّسات التوحيدية للأمّة، وتحوّل هذه المواقف العامة إلى مواقف عدائية صلبة ضد جيش مصر بقيادة وتأليب العالم عليه، وضد "الدولة" في سوريا وضد المقاومة في لبنان إلى حد المساهمة في تصعيد الخلاف السنّي الشيعي (تأمل مؤتمر إستاد القاهرة – أبريل 2013 – الذي جمَعَ كل ألوان الطيف الإسلامي في مصر بقيادة محمّد مرسي وعقد قبل إقالته بشهرين فقط، والذي كان مُبتسماً على المنصّة ومؤيّداً لكل ما يجري، وكان مُخصّصاً لإعلان الجهاد في سوريا، وليس في فلسطين التي دار حولها كل تراث وجهاد القوميين والإسلاميين)، وكيف انتهوا فيه إلى أن الشيعة (كَفَرة) وأن القوميين والعلمانيين (أنجاس)، فكيف تتحقّق كتلة تاريخية مع هؤلاء!.

ثمّ تدريجاً انتشرت عدوى الاستعلاء والاستبعاد ثمّ التآمر إلى باقي أفراد وتنظيمات الإسلام السياسي في المشرق والمغرب، إلا أفراد قلائل محترمين أغلبهم ينتسب إلى شريحة المُثقّفين والمُفكّرين وليسوا من السياسيين أولئك الذين خانوا الإسلام ذاته قبل أن يخونوا الثورة والوحدة مع العروبيين، وصمود الدولة السورية تحديداً انقلبت المعادلات الإقليمية والدولية أو لنقل إنها عادت إلى أصولها الصحيحة، فبدأ "المُسيّسون" من التيار الإسلامي يتحدّثون مُجدّداً عن اللقاء والكتلة التاريخية، وأعتقد جازِماً أن ذلك لن يتحقّق إلا بشروط كما أشرنا إليها سابقاً، والله أعلم.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً