أليسون كنغ

المتحدثة باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

عيد الفصح والأقليّات في المشرق

مناسبة عيد الفصح، وأعياد الميلاد قبلها، تذكرنا بالوضع الخطير للمسيحيين وباقي الأقليات في المنطقة.. ولكن يجب العمل من أجل فضح جميع الإنتهاكات ووضع حد لها، وإلا فإن المنطقة ستفقد أحد أهم معالم تنوعها وإرثها الحضاري والثقافي والديني وهو أمر لا تقبله شعوب المنطقة التي عاشت وتعايشت مع بعضها البعض على مر العصور.

يشكّل عيد الفصح، الذي يحتفي به كثيرون في الشرق الأوسط والعالم، فرصة مناسبة لتسليط الضوء على أوضاع المسيحيين وباقي الأقليات في المنطقة التي شهدت استهدافاً غير مسبوق للتنوع الثقافي والحضاري فيها. 

لقد هددت الصراعات في منطقة الشرق الأوسط حقوق الإنسان، بما في ذلك حرية الأفراد في ممارسة الدين أو المعتقد. بالإضافة إلى ذلك، ازداد العنف المرتكب باسم الدين، وظلّت محنة الأقليات الدينية والعرقية تبعث على القلق العميق. كما فرّت مجتمعات أصيلة في المنطقة، والتي كانت موجودة بسلام لقرون، من أجل العيش بسلام في مكان ما.

على وجه الخصوص، اضطرّ المسيحيون إلى هجر أجزاء من المنطقة، كما اضطر الإزيديون إلى مغادرة الأماكن التي عاشوا فيها لسنوات. وعانى أخرون أيضاً مثل السنّة والشيعة والدروز والعلويين واليهود والبهائيين والمجموعات الأخرى.

يُقال إن الحكم على حضارة أو أمة يُقاس من خلال تعاملها مع أفراد المجتمع الأكثر ضعفاً، ولذلك إن الدول التي تحمي الأقليات هي أيضاً أماكن جيدة لكي تعيش فيها الأغلبية. ونذكر هنا أن المملكة المتحدة قامت بزيادة تمويلها لحماية أماكن العبادة فيها، بالإضافة إلى صندوق جديد بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني للتدريب على الحماية الأمنية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الحكومة البريطانية تولي أهمية كبيرة لضمان أن يتمكن جميع الأشخاص من جميع الأديان أو غيرهم من المشاركة الكاملة في المجتمع والعيش دون خوف من سوء المعاملة أو التمييز. وتضغط الحكومة بانتظام على حكومات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لضمان حماية الجميع، بصرف النظر عن الدين أو المعتقد، وتشجعهم على تطوير أنظمة سياسية شاملة تمثل جميع مواطنيهم.

وفي هذا السياق، طلب وزير الخارجية جيريمي هانت مراجعة لجهود وزارة الخارجية البريطانية حول العالم لمساعدة ودعم المسيحيين المضطهدين حيث تعرّض 245 مليون مسيحي للتمييز والإضطهاد العام الماضي، فضلاً عن تفاقم العنف ضدهم بشكل كبير بنسبة كبيرة حيث يتم قتل 250 شخصاً كل شهر.

وقال هانت إن المراجعة ستجيب على أسئلة عديدة منها أنه "لدى بريطانيا أفضل شبكة دبلوماسية في العالم، فكيف يمكننا استخدام ذلك لتشجيع البلدان على توفير الأمن المناسب لمجموعات الأقليات المعرّضة للتهديد، وهل قدّمنا الدعم الكافي، وهل يتناسب مستوى الدعم البريطاني مع حجم المعاناة".

وتسعى الحكومة البريطانية دائماً إلى سماع أصوات المسيحيين في المنطقة، وكجزء من هذا نشير مثلاً إلى لقاء مسؤولين في الخارجية البريطانية مع أثناسيوس توما داوود مطران الطائفة السريانية في المملكة المتحدة، منذ سنوات، وذلك إبّان ذروة العنف والإرهاب الداعشي ضد المسيحيين، لإظهار دعمنا للكنيسة، ولمناقشة الصعوبات التي تواجهها في العراق والمنطقة.

وعلى المستوى العالمي، عملت الحكومة البريطانية من خلال هيئات عديدة، بما في ذلك الأمم المتحدة، لتعزيز القبول الدولي لأهمية حرية الدين أو المعتقد. وقد قمنا بتمويل عدد من المشاريع، في سوريا والعراق، لجمع قادة دينيين من مجموعة متنوعة من الأديان لتعزيز التفاهم بين الأديان ودعم المصالحة. كما حصلت لقاءات مع كبار المسؤولين في الكرسي الرسولي (الفاتيكان) لاستكشاف كيف يمكننا أن نعمل معاً للمساعدة في ضمان بقاء التعددية الدينية ودعم التنوع الديني في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

تشير الدراسات إلى أن المسيحيين كانوا يشكّلون 20% من سكان في الشرق الأوسط منذ قرن مضى، أما اليوم فهم يشكّلون أقل من 5% من السكان.

لعب صعود الأيديولوجيات المتطرفة العنيفة في الشرق الأوسط دوراً كبيراً بتمزيق النسيج الإجتماعي الهشّ أصلاً في بعض الدول، والمتماسك والغني في دول أخرى، وأنتجت تهديدات جديدة ضد المجتمعات المسيحية. ونذكر على سبيل المثال "داعش" وجبهة النصرة والجماعات المتطرفة الأخرى التي تقتل كل من يختلف مع ما تطرحه من أفكار منحرفة لا تمثل الإسلام.

وتنوعت أشكل العنف والاضطهاد ضد المسيحيين، فمثلاً قامت جبهة النصرة حديثاً بمصادرة أملاك المسيحيين في مدينة إدلب السورية.

ويجب ألا ننسى ما تعرض له المسيحيون في العراق على يد "داعش" من قتل وتهجير وخطف وهدم المنازل.

لذلك، تذكّرنا مناسبة عيد الفصح، وأعياد الميلاد قبلها، بالوضع الخطير للمسيحيين وباقي الأقليات في المنطقة، ولكن يجب العمل من أجل فضح جميع الإنتهاكات ووضع حد لها، وإلا فإن المنطقة ستفقد أحد أهم معالم تنوعها وإرثها الحضاري والثقافي والديني وهو أمر لا تقبله شعوب المنطقة التي عاشت وتعايشت مع بعضها البعض على مر العصور.

وهنا لا بد أن نشير إلى أن التضامن الذي حصل في جميع أنحاء العالم مع فرنسا بعد حريق كاتدرائية نوتردام كان بمثابة تذكير قوي كيف يمكن للناس من مختلف الديانات تقدير قيمة التراث المشترك للإنسانية.

عيد فصح مجيد للمسيحيين في العالم وكل عام وأنتم بخير!..

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً