د. عبد العزيز بن حبتور

رئيس حكومة الإنقاذ الوطني في اليمن. سياسي وأكاديمي تولى مناصب حكومية عديدة.

السلاح الفرنسي يقتل أطفال اليمن وفقاً للمعايير الإنسانية والدولية

عجيب أمر هذه الوزيرة وسيّدها الرئيس/ إيمانويل ماكرون، اللذان يفترض أنهما يقرآن كل ما يتم نشره حول المأساة الإنسانية الكارثية التي تعيشها اليمن جرّاء العدوان الوحشي الذي تقوم به المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بحق الشعب اليمني منذُ أربع سنوات ونيف، وبأسلحةٍ أميركيةٍ وفرنسيةٍ وبريطانيةٍ وغربيةٍ في العموم. وقد تمّ بتلك الأسلحة قتل الآلاف من أهلنا في اليمن؛ ناهيكم عن جرح مئات الآلاف من اليمنيين أطفالاً ونساءً وشيوخاً! أم أن هذه المعلومات المنتشرة في جميع وسائل الإعلام العالمية بما فيها الفرنسية لم تصل بعد إلى مسامع الحكومة الفرنسية؟!

السلاح الفرنسي يقتل أطفال اليمن وفقاً للمعايير الإنسانية والدولية
السلاح الفرنسي يقتل أطفال اليمن وفقاً للمعايير الإنسانية والدولية

استعرضت القناة التلفزيونية الفضائية البريطانية الـ (BBC) في خبر رئيس لها، وتكرّر ذلك الخبر مراراً من يوم الخميس بتاريخ 18 أبريل 2019م، مفاده أن السيّدة/ فلورنس بارلي وزيرة القوات المسلّحة الفرنسية قالت إن جمهورية فرنسا لم تبع أية أسلحة فتّاكة للمملكة العربية السعودية ومشيخة الإمارات العربية المتحدة، إلَّا لأغراض الدفاع عن ذاتها!.

عجيب أمر هذه الوزيرة وسيّدها الرئيس/ إيمانويل ماكرون، اللذان يفترض أنهما يقرآن كل ما يتم نشره حول المأساة الإنسانية الكارثية التي تعيشها اليمن جرّاء العدوان الوحشي الذي تقوم به المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بحق الشعب اليمني منذُ أربع سنوات ونيف، وبأسلحةٍ أميركيةٍ وفرنسيةٍ وبريطانيةٍ وغربيةٍ في العموم. وقد تمّ بتلك الأسلحة قتل الآلاف من أهلنا في اليمن؛ ناهيكم عن جرح مئات الآلاف من اليمنيين أطفالاً ونساءً وشيوخاً! أم أن هذه المعلومات المنتشرة في جميع وسائل الإعلام العالمية بما فيها الفرنسية لم تصل بعد إلى مسامع الحكومة الفرنسية؟! أو أن العديد من الصحف الفرنسية الشهيرة تخجل من أن تنقلها لكي لا يُقال أن الفرنسيين شعباً ونُخَبَاً سياسية شركاء في تلك الجرائم التي ترقى إلى مستوى جرائم الحروب غير الأخلاقية؟! كيف لا، وفرنسا بلد (التنوير الثقافي)، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن؛ بلد العلماء والفلاسفة والموسيقيين والرسامين ومجمع الإرث الحضاري الثقافي؛ كيف يتم الإيماء إليهم لمجرّد الإشارة بأنهم شركاء أُصلاء وأساسيون في الجريمة، طيلة السنوات الخمس من ارتكاب مسلسل تلك الفظائع التي يندَى لها جبين الإنسانية الحر؟!.

أيُعقل أن فرنسا صاحبة إحدى أقوى الاستخبارات في العالم، والعضوة الدائمة في مجلس الأمن الدولي صاحب القرار الظالِم برقم 2216 في العام 2015م، وطيلة زمن الحرب على اليمن، لا تعلم ولَم ترَ ولَم تسمع عن تلك الجرائم والمآسي، والحصار الجائِر، والتجويع المُخزي الذي يتعرّض له الشعب اليمني بأطفاله ونسائه وشيوخه، ولَم يسمعوا عن تلك الجائحات المُرعبة التي حصدت أرواح الآلاف من اليمنيين، وبسبب ذلك الحصار المفروض جواً وبراً وبحراً، وقد تمّ تحويل 80% من سكانها إلى مستحقّي مساعدات إغاثية غذائية يومية من المنظمات الإنسانية؟!! أيُعقل أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية تستخدمان الأسلحة المُصَدَّرة من فرنسا في فضاء وجغرافيا وتضاريس أرض غير الأرض اليمنية، علماً بأن مسرح عملياتها هو في جميع المحافظات اليمنية؟!.

كل هذه التساؤلات السهلة يبادر بطرحها الرأي العام العربي والإقليمي وحتى الفرنسي، ويطرحها بإلحاحٍ شديد على السيّد الرئيس/ إيمانويل ماكرون وإدارته الحربية العدوانية لكي يُجيب عليها بضمير حيّ، وإنسانية صادِقة، ومن وحي روح ثقافة عصر التنوير التي بادر بصوغها أجداده المفكّرون الأوائل أمثال/ جان جاك روسو، شارل مونتسكيو، وفرانسوا ماري فولتير، وجون لوك؛ أولئك الذين صاغوا الأفكار العامة للشعار الشهير (الحرية — الإخاء — المساواة)، حتى أصبحت هذه الشعارات مصدر إلهام لأحرار العالم، هذه (القِيَم) التي نادى بها أحرار فرنسا تحوّلت إلى أيقونات فلسفية إنسانية عظيمة نُقشِت على مداخل بوابة النصر في مدخل جادة الشانزليزيه، وفِي مُتحف اللوفر الشهير، وأقِرّت كمنهاجٍ أكاديمي في الكتب الدراسية الجامعية في جامعات فرنسا والعالم بما فيها كلية القانون في جامعة السوربون الشهيرة، وربما تتلمَذ حكّام فرنسا الجُدُد الرأسماليون بكل تلك المفاهيم والنظريات القانونية.

أين السيّدة/ فلورنس بارلي وزيرة الحرب والصناعات العسكرية الفتّاكة، وأين سيّدها/ إيمانويل ماكرون من كل هذا الإرث الثقافي الإنساني الفرنسي؟ أين هما من تناقض القِيَم الإنسانية مع الجشَع الرأسمالي القاتِل الذي يُجيز لهما بيع وسائل القتل الوحشي بحق شعبنا اليمني؟.

ألم يتناقضا بشكل صارخ وفجّ بين تصريحاتهما الكاذبة مع ما يحدث من وقائع إجرامية على الأرض اليمنية؟!! حتى لو أنكرا ألف مرة، ليقولا للعالم بأن أسلحة الجمهورية الفرنسية المُباعة إلى سلطات المملكة السعودية ومشيخة الإمارات العربية لم تقتل الأطفال والنساء والشيوخ من المدنيين اليمنيين، أيعقل منهما ذلك!! ونكررها على الدوام بأنهما طيلة خمس سنوات لم يشاهدا عبر تقارير استخباراتهما، أو حتى من على قناة فرنسا 24 أو من على صفحات جرائد وصحف العالم ما يتم ارتكابه من فظاعات إجرامية غير مسبوقة بحق الشعب اليمني المُسالِم الذي لم يعتدِ قط على جيرانه، ومن كذَّب قولنا عليه بمطالعة أرشيف ذاكرة التاريخ ليجد أننا طيلة قرون خلت إنما ندافع عن أنفسنا فحسب.

في إحدى لقاءاتي الرسمية مع سفير جمهورية فرنسا لدى الجمهورية اليمنية طرحت عليه هذا التساؤل، وقلت له: هل هناك مَن سيصدّق بأن السعودية والإمارات ستستمران في عدوانهما على الشعب اليمني من دون تزويدهما بالسلاح من الغرب الرأسمالي الجشع للدولارات واليوروهات وحتى الروبلات الروسية؟ صمت من دون أن يعلّق، لأنه يعرف قبل غيره بحجم تدفّق الأسلحة مع ذخائرها إلى دولتي العدوان، ولهذا ستستمر الحرب.

لكني أودّ تذكير القيادة الفرنسية بأن الشعب اليمني العظيم حينما شاهد النيران تلتهم بشراهةٍ كنيسة نوتردام الباريسية الكاثوليكية التاريخية، تضامَن وتعاطَف مع الشعب الفرنسي لمعرفته بأهمية الحفاظ على ذلك المبنى الهام كإرثٍ ثقافي في وعي ووجدان الشعب الفرنسي، مع أنكم لم تتضامنوا معه بعبارة واحدة تُدين طيران آل سعود حينما دمّر مباني في مدينة صنعاء التاريخية، على سبيل المثال فحسب! نعم هناك فرق في الأخلاق العامة.

الخلاصة:
علينا إدراك مُعطى واقعي في معادلة هدر الدم اليمني واستباحته مقابل كَسْبٍ مادي هائل بالدولار الأميركي، واليورو الأوروبي، واليوان الصيني، وحتى الروبل الروسي، لا فرق بين مصالح كارتيلات السلاح، هكذا نشأت القِيَم والمصالح المادية للرأسمالية الاحتكارية في العالم، وطالما هناك مال خليجي سائِب، بعيد عن رُشد القرار السياسي لحكّام دول الخليج العربي فاحِشة الثراء، مصحوبة بضمائر مُغيّبة وأخلاق مُعطّلة وغياب الوازِع الديني والإنساني، سيظلّ عَبَث مال الخليج بالإنسان اليمني مُستمراً، والتلاعُب بمصير استقرار الشعوب العربية برمّتها وبمصالحها الاستراتيجية مستمراً أيضاً، ليس أدلَّ على ما نقول من العَبَث العلني اليوم بأقطارنا العربية في كلٍّ من العراق ومصر وسوريا وليبيا واليمن وتونس وقريباً جداً في الجزائر والسودان لا سمح الله، والله أعلم مِنّا جميعاً.

وفَوقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً