أحمد فال السباعي

باحث متخصص في الدراسات الاستراتيجية في المغرب

باستثناء أحزاب المقاومة، الأحزاب العربية إلى زوال

دعمت القوى الكبرى استمرار سلطنات تاريخية كارِهة للمؤسّسات ونافِرة من الديمقراطية، ولم تسمح ببناء ديمقراطيات " المترفين العرب"، بعد أن فشلت ديمقراطيات "المحرومين العرب". تنافست الأحزاب القومية الإشتراكية مع أحزاب الملكيات الليبرالية في ظلّ صراع الحرب الباردة، لكن ظلّ أساس الشرعية واحداً في المعسكرين: "حكم القوّة".

باستثناء أحزاب المقاومة، الأحزاب العربية إلى زوال
باستثناء أحزاب المقاومة، الأحزاب العربية إلى زوال

"إن زمن القبائل هو التشخيص المنطقي لمجتمعات اليوم، وهو استكشاف منهجي للتحوّلات. عندما تحلّ المشاعر والعاطفة محل المثل العليا ، وينجح منطق الهوية في التأثير نكون قد دخلنا عصر "القبائل" حيث تتنامى الشبكات والمجموعات الصغيرة، وحيث نعيش في وقت التجمّعات سريعة الزوال والفوارة"
ميشيل مافيسولي، من كتاب "زمن القبائل".

سياقات الحياة الحزبية العربية:

قبل أن يلفظ إبراهام السرفاتي، أحد روّاد الشيوعية في المغرب، أنفاسه الأخيرة أعلن فشل الأحزاب اليسارية في المغرب في استقطاب طبقات المحرومين، لقد فشلت في نظره الأحزاب السياسية الشيوعية في أن تخرج من الجامعات إلى المجتمع لأسبابٍ عديدة.
في المغرب تحوّل اليسار الراديكالي نحو العمل في المجتمع المدني والحقوقي، ورضي اليسار المعتدل من الغنيمة بالإياب والتناوب السلمي على السلطة مع "الأحزاب الإدارية"، وحافظ الرعيل الأول على ما تبقّى من صموده في العمل النقابي، ورغم إسهام الأحزاب العربية في حركات التحرّر الوطني وقيادتها للمجتمعات العربية نحو الإستقلال، إلا أنها لم تستطع أن تقدّم بعد الإستقلال الموعود المرهون بدائل حقيقية لبناء ديمقراطيات حقيقية.
سيطر نظام الحزب الوحيد الذي وجد خلفه تاريخاً سلطانياً طويلاً من شرعية الضرورة التي ألفها المجتمع وألفها فقهاء السلطان، فاستبدل حكم الشوكة بحكم العسكر، وساد الزمن الإنقلابي الذي ضعفت معه مشاريع البناء الديمقراطي أو أجلّت في انتظار نهاية المعركة. إنه زمن البروبغندا.
بمقابل ذلك دعمت القوى الكبرى استمرار سلطنات تاريخية كارِهة للمؤسّسات ونافِرة من الديمقراطية، ولم تسمح ببناء ديمقراطيات " المترفين العرب"، بعد أن فشلت ديمقراطيات "المحرومين العرب". تنافست الأحزاب القومية الإشتراكية مع أحزاب الملكيات الليبرالية في ظلّ صراع الحرب الباردة، لكن ظلّ أساس الشرعية واحداً في المعسكرين: "حكم القوّة".
أزمة الإيديولوجيا:
لم تتمكّن الأحزاب القومية من بناء تصوّر عِلماني واضح للدولة، كما لم تستطع الأحزاب الإسلامية أن تبلور رؤية واضحة للتعدّدية السياسية.
طغى الشعار السياسي وغاب البرنامج السياسي، وبعد أن جرَّب العرب القومية ردحاً طويلاً من الزمن، أطلّت الأحزاب الإسلامية بعد الربيع العربي في سياق مختلف تماماً، لكنها رغم ذلك لم تختلف في تعاطيها الحزبي مع سابقتها القومية حتى الآن.
في زمن الإسلاميين رفع شعار "الإسلام هو الحل"، في الثورات والإستفتاءات وفي إنتخابات البرلمان والرئاسة. أمام الواقع الذي لم ينتظره الكثير من الإسلاميين وأمام قوّة العامل الخارجي وتوجيهه وتأثيره، لم يجد الإسلاميون في جُعبتهم غير الشعار الإسلامي وغاب البرنامج السياسي من جديد.
عزوف عن الأحزاب:
في حراك الريف المغربي سمّى أيقونته ناصر الزفرافي الأحزاب ب"الدكاكين السياسية". منطق البرغماتية الذي تعامل به الإسلاميون والعلمانيون والقوميون مع القضايا المجتمعية والإقتصادية التي أصبحت محور النقاش العام للمجتمع، أفقدَ الحزب السياسي العربي قدرته على الإستقطاب السياسي.
يعزف الناس عن الأحزاب في مجتمع الفوارِق الإقتصادية والإجتماعية، ولا يتمكّن الكثير من الأحزاب المعارضة من توجيه الناس واستقطابهم بسبب عومل عدّة:
1- ضمور زمن الأيديولوجيا الذي تأسّست عليه أغلب الأحزاب السياسية، والذي ربط الحزب بخطاب تَعبَوي فكري لا يناسب السياقات الجديدة.
2- شيخوخة النخبة وشيخوخة المؤسّسات الحزبية التي لم تُساير عصر التكنولوجيا الرقمية والمؤسّساتية.
3- غياب مراكز التفكير الحزبي القادرة على بناء تصوّرات واستراتيجيات وبرامج سياسية حقيقية.
4- سيادة منطق الصفقات البرغماتية بين عناصر النُخَب السياسية من أجل الحفاظ على الوضع القائم.
5- يأس الجمهور السياسي من الحياة الحزبية، وقوّة تأثير وسائل التواصل والاتصال على قوى التغيير الشابة والتي تعيش في زمنٍ مختلفٍ عن زمن النُخبة السياسية.
6- تنامي التأثير الخارجي على الواقع الداخلي وعلى توجّهات الناس وأرائهم من خلال تمييع الخطاب السياسي وبناء الأراء المتغيّرة السريعة.


بدائل حزبية جديدة:

في مجتمع تغيب فيه الأحزاب عن وظيفتها السياسية يتنامى دور أشكال جديدة ضعيفة وسهلة الإحتواء: حركات "الألتراس الكروية" و حملات "الفيسبوك وتويتر"، وأخرى قوية ترتبط بنزعة الشعبوية الجديدة new populism الباحِثة عن القيادات الشعبية غير الحزبية أو فوق الحزبية.
قيادات فوق حزبية:
في تركيا وفنزويلا نماذج القادة السياسيين فوق الحزبيين. رئيس الدولة الذي يوظّف البلاغة rethoric في الدفاع عن مشروعه يحقّق وجوداً سياسياً تندمج فيه شيئاً فشيئاً شخصية القائد مع الحزب ليصبح امتداداً له. لقد سهلّت وسائل التواصل الجديدة القدرة على التأثير المباشر على عموم الشعب، حيث يتم تسخير وسائل متعدّدة من التسويق السياسي لتعزيز مكانة الحزب عن طريق تعزيز مكانة القائد.
أشكال جديدة :
تخرّج وسائل التواصل وعوامل التأثير الخارجي والأزمات الإجتماعية مجتمعات جديدة غير معروفة ومؤثّرة، تفتقد في كثير من الأحيان استراتيجية الفعل السياسي والقدرة على التفاوض أو الحوار أو تحقيق مكاسب سياسية واضحة، وتواجه الأنظمة القائمة اليوم في الجزائر والسودان كتل سياسية بأراء مختلفة ومن دون قيادات واضحة أو بقيادات شعبية غير قادرة على بناء رؤية واضحة لمسار التغيير.
أحزاب المقاومة:
لا زالت أحزاب المقاومة قادرة على استقطاب وتأطير مجتمعها السياسي بسبب طبيعة أهدافها الإستراتيجية الواضحة والتي التزمت بها طيلة مسارها التاريخي. فقدت حركة فتح كثيراً من وهجها بعد توقيع اتفاقيات السلام مع الكيان الصهيوني، لكن لا زالت أغلب تيارات المقاومة قادرة على استقطاب مؤيّديها العرب داخلياً وخارجياً.
ورغم صعوبة العمل السياسي في دول تعيش تحت الإحتلال إلا أن الأحزاب المقاومة التي دمجت عنصرين أساسيين في بناء الشرعية في العالم العربي: "شرعية التحرير وشرعية الدين" لا زالت أقوى الكتل السياسية المنسجمة مع نفسها ومع مجتمعاتها رغم وجود تحديات خطيرة على هاتين الشرعيتين: "التدبير السياسي والطائفية".


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً