محمد علوش

معد ومقدم برامج سياسية في قناة الميادين.

الإرهاب من منظور معاهد البحوث الغربية

نشرت مؤسسة توني بلير للتحولات الدولية مؤخراً دراسة من 99 صفحة في تقرير لعدد من الباحثين المختصين بظواهر الإرهاب تحت عنوان: 2019 تحديات في مكافحة التطرف. يخلص التقرير الى أن عمق المشكلة ليست في السلوك الإرهابي كظاهرة متفشية ولكن في الأيديولوجية الكامنة خلفه. فأعمال الإرهاب ليست إلا مخرجات لهذه الأيديولوجية. ويتعذر الانتصار على الإرهاب ما لم تتم هزيمة الأيديولوجية بالقضاء على أطروحتها.

الإرهاب من منظور معاهد البحوث الغربية
الإرهاب من منظور معاهد البحوث الغربية

التطرف الإسلامي وفقاً للتقرير هو عبارة عن فهم مشوه للإسلام قضى بتحويل الدين الإسلامي الى أيديولوجية سياسية شاملة. ولهذا ينبغي الفصل بين الاسلام والإسلاموية التي تجعل من الاسلام أطروحة سياسية شمولية. يتوصل التقرير إلا أن اطروحات اليمين المتطرف في الغرب التي تشيطن الدين الإسلامي تغذي التطرف وتمنحه صلابة وقوة كونها تظهر الأمر وكأنه حرب دينية بين العالمين الاسلامي والمسيحي.
وما ينطبق على اليمين المسيحي قد ينطبق من وجه آخر على قوى اليسار التي تتعاطف مع الاسلاميين بتبنيها خطابا معاديا للغرب .فهذه القوى تمنح من حيث لا تدري مشروعية تحويل الاسلام الى أيديولوجية سياسية معادية للغرب. يخلص التقرير الى ضرورة التنقيب في الاسلام عما يتناسب مع التعايش والعولمة واستخراج ما فيه من قيم قادرة على التعاون في ظل النظام الدولي المتجه نحو مزيد من إلغاء الحدود بين الدول.
هذه الخلاصة فيها الكثير من السطحية والتسرع في الاحكام. كما تكشف عن غياب العمق في قراءة ظواهر العنف. إذا كنا نتفق من حيث المبدأ مع بعض مخرجات هذا التقرير الا اننا نختلف معه في اسس جوهرية إذ ما هو المقصود بالتطرف؟
على سبيل المثال ؛ يدرج التقرير حركات المقاومة ذات المرجعية الإسلامية ضمن قائمه التطرف. فحركه حماس والجهاد الاسلامي في فلسطين وحزب الله في لبنان وغيرها من الحركات والأحزاب التي ناضلت ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية هي حركات متطرفة. كما يرجع بدايات ظهور الارهاب الاسلامي الى الثورة الإسلامية في ايران وفي جزء منه الى تاريخ ولادة جماعه الاخوان المسلمين في مصر مشككا بالراوية التي تؤرخ للإرهاب بأحداث الحادي عشر من سبتمبر ايلول 2001 في الولايات المتحدة الأميركية.
ويبدو من سياق التقرير أن معيار الأيديولوجية الملهمة للعنف تتمثل بوجود اي حركة اعتراضية ضد الغرب او النظام الدولي او السلطة داخل الدولة القطرية التي ترتبط بمنظومة مصالح مع الغرب. فالثورة الإيرانية انتهجت خطا معاديا للغرب ولسياساته في المنطقة ووجهت المشاعر الدينية ضد الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا. وقريب من ذلك فعلت جماعه الاخوان المسلمين التي ألهمت حركة حماس في فلسطين. هذا الاستنتاج الذي يتحمس له معهد توني بلير يخفي في ثناياه أبعادا أيديولوجية ودراسته تلك لا تعتمد معيارا علميا ثابتا وخاليا من اي مسبقات او اجندات خفية.
ومن باب المشاكلة فقط؛ فان معيار تصنيف للمعهد للحركات المتطرفة فإنه ينطبق على الحركات الصوفية التي يدعمها توني بلير بقوة . اذ أن أغلب حركات التحرر العربي في وجه الاستعمار الغربي خلال القرنين الماضيين انطلقت من داخل الزوايا والتكايا الصوفية وكانت تدعو إلى تحكيم الاسلام في حياة المجتمعات المسلمة. ولم توفر تلك الحركات أي وسيلة عنيفة او سلمية لمواجهة الاستعمار وانهاء تغريبه للمجتمعات العربية إلا واعتمدتها
ومن المعلوم ان معهد بلير يدعم كما هو حال مؤسسه راند الأميركية النزعات الصوفية في العالم الاسلامي كونها اليوم تدعم النظم السياسية المتحالفة مع الغرب وتكن مشاعر العداء لكل حركات الاسلام السياسي.
وحتى نفهم الصورة بشكل أوضح يفترض أن نطلع قليلا على خلفية من يقف وراء المعهد حيث يبدي رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير اهتماما ملحوظا بالحركات الإسلامية بعد انكفائه عن الحياة السياسية في بلاده. وتربطه علاقات ودية مع عدد من القيادات العربية المتهمة بالتطبيع مع إسرائيل والمناهضة لأي نوع من المشاركة او الانفتاح على القوى السياسية المحلية الداعية للديمقراطية. ومنذ اندلاع الانتفاضات الشعبية في المنطقة العربية قدم بلير عددا من النصائح تظهر دعما للقيادات العسكرية في توليها زمام الحكم في البلدان المضطربة.
وتاريخ توني بلير خلال توليه رئاسة الحكومة في بريطانيا ومشاركته جورج بوش الابن في احتلال العراق ودعمه كل سياسات جورج بوش اليمنية في العالم الاسلامي تقلل من حظوظ صدقية ما ينتجه معهده حول الاسلام السياسي.
ولهذا تزول الدهشة حين نعلم أن التقرير من أوله لآخره لا يحمل السياسات الغربية في المنطقة منذ قرنين مسؤولية ما يسميه العنف. ولا يلتفت على الاطلاق للسياسات الخاطئة التي انتهجتها الدول الغربية في التعامل مع قضايا الشعوب وخاصه في العالم الاسلامي والسبب ببساطة أن الاعتراف بهذه الحقيقة هي إدانة صريحة لبلير وبوش وغيرهما.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً