رفعت سيد أحمد

كاتب ومفكر قومى من مصر. رئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث القاهرة. دكتوراه فى فلسفة العلوم السياسية من جامعة القاهرة – 1987. صدر له ثلاثون مؤلفاً وموسوعة عن الإسلام السياسى والصراع العربى الصهيونى

السيّد حسن حين ينتقده الصغار

أكثر من مرةٍ خلال الفترة الماضية  يُطلّ علينا سماحة السيّد حسن الله وفي نبرته وحديثه عِتاب وربما غضب ممزوجاً بألم لا يقدر على إخفائه إلا أولي العزم من القادة، سألت نفسي باعتباري واحداً ممَن لهم شرف المعرفة واللقاء بهذا السيّد القائد؛ ويعرف ما تخفي نبرة الصوت وما وراء الكلمات المُعاتِبة: ما الذي يغضب سماحته؟ هذا الرجل الذي واجه الدنيا  وواجه أخسّ الأعداء بصلابة وقدرة إستثنائية على التضحية والشموخ.. ما الذي آلمه  ولا يزال يؤلمه؟ هذا  الرمز  الذي  عُرِفَ بإبتسامته الواثِقة ونظرة عينيه النافِذة وإشارة يديه القاطِعة.. ما الذي أغضبه؟

السيّد حسن حين ينتقده الصغار
السيّد حسن حين ينتقده الصغار

حاولت البحث عن إجابة  فوجدت لكل حال غضب أو حزن  تبدَّت في بعض أجزاء خطابات السيّد نصرالله الأخيرة ، أسبابها المباشرة ومنها الحال الأخيرة عندما ادّعى  إعلام خليجي مُتأمرِك بأن السيّد  أكّد وقوع حرب مع إسرائيل خلال أسابيع وأن مذابح في الصفوف الأولى لحزب الله ستقع وأنه سيكون من بين الشهداء، إبتسم السيّد بحزن النُبلاء ونفى مؤكّداً أنه لم يقلْ مُطلقاً هذا، وابتسم ابتسامة الواثِق حين قال إن ثمة مَن يقل بالعكس  تماماً ويتنبّأ بأنني سأكون من أصحاب العُمر الطويل  وممَّن سيصلّون في المسجد الاقصى.

وتعدّدت الحالات والادّعاءات الخليجية الصهيونية وبعض اللبنانية ضدّ الرجل وتعدَّدت ردوده عليها ، لكنني أرجعت غضب السيّد ليس إلى حالٍ واحدةٍ  بعينها بل إلى حزنٍ دفينٍ في قلب مَن ضحَّى وقدَّم وأعطى حين يتجرّأ عليه وعلى عطائه؛ الصغار والقاعدون .هنا مكمن الغضب ومستحقّه  وليس حادثة بعينها، إن النقد والتهجّم عندما يجيئك من عدو فهو  الشهادة لك بالكمال والرِفعة، أما عندما يأتي ممَن يتحدّث لغتك وربما يعيش في وطنك الذي لم يكن ليتحرَّر، فحرَّرته بدماء أولادك فلذات أكبادك ، ثم يجيء مَن يُزايد ويُطلق الشائعات ثم وهذا هو المؤلم حقاً يستعلي ويمنّ عليك، عندئذ من الطبيعي أن  يغلّف كلام القائد؛ العتاب والحزن النبيل  وأن يغضب أشرف الناس، وهل هناك شك بعد كل هذا التاريخ من التضحيات في أن السيّد نصرالله وحزبه ومقاومته هم ممّن يحق وصفهم بهكذا وصف في لبنان وخارجه؟ إن غضب السيّد نصرالله –هكذا نفسّر – في ما مضى وربما في ما هو آت ينطلق من شعورٍ بنُكران الفضل لدى البعض، ومن شعورٍ بأن هذا البعض لا يُدرك حجم المخاطر القادمة على بلده وأمّته فيتماهى مع العدو ويطلق شائعاته وشماتته وخبثه. لذلك غضب السيّد ولكنه أخفى غضبه وتجاوزه ، كما يفعل الكبار عادة أمام نذالة الصغار وإعلامهم.

 في مقالٍ سابقٍ لنا على هذا الموقع عن السيّد نصرالله قلنا ونحب أن نُعيد ما قلناه اليوم علّه يفيد   : بأن تاريخ الصراع الصهيوني على لبنان قد أكّد لمُحبي السيّد حسن نصرالله ومن قبلهم لأعدئه أن هذا الرجل، جاء بالضبط على موعدٍ مع القَدَر، جاء في زمنٍ يحتاج إلى رجالٍ إلى سادةٍ في الحق، والإيمان، والمقاومة  وليس إلى عبيدٍ أذّلاء في خدمة شياطين الأرض، وكان موعده مع القَدَر مُتلازِماً مع امتلاكه فقه الانتصار الذى  كانت تحتاجه تلك اللحظة الحَرِجة في تاريخ أمّته ووطنه ، وهو فقه احتل الثقة في السيّد نصر الله  صدارة سلمه القِيَمي، مع صلابة التمسّك بالجهاد وسيلة وغاية ، والوعي بالمُتغيّرات الإقليمية والعالمية وتوظيفها لمصلحة خياره الاستراتيجي: خيار المقاومة، وعفّة الخطاب وتواضع السلوك، ودَماثة الخُلق، مع الاستحضار الدائم لتاريخ الاستشهاد الحُسينى في كل فعله ومسلكه وتنشئته لأولاده (سيرة إبنه الشهيد هادي نموذجاً هنا )؛ تمثل جميعاً القِيَم العالية التي أكسبته، تلك الابتسامة الحيّة والنظرة الواثِقة والحزينة، الحسينية / المؤمنة، وذلك الحضور الطاغي، حين يتحدَّث أو يتكلَّم، في جمهور أو حتى وسط قلّة من مُحبيه ومعارِفه.

هذا ما قلناه سابقاً ونُعيد تأكيده اليوم في سياق تفسيرنا لما نتصوّره نحن – وليس غيرنا – حتى لا نحمِّل أحداً أعباء ما تصوّرناه ، من عتبٍ وربما غضب في لغة السيّد في إطلالاته الأخيرة ، إننا نعيد التأكيد  على أنه من واقع معرفة بسماحة السيّد بدأت عام 1992، ومن واقع اقتراب سياسي وإعلامي في الوقت ذاته من حركات المقاومة العربية، إننا لا نمتلك على المستوى العربي والإسلامي.

مَن هو في قيمة وتأثير وكاريزميّة السيّد حسن نصرالله ، لذلك فإن  كل العارفين بقدره ومقامه وسط هذا الواقع العربي ،غاضبون قبل وبعد غضبة السيّد ،لأنهم يعلمون أن الانتقاد غير الصحيح والشتم ثم جّر السيّد إلى منطقة الرد على ما يقولون، يؤدّي تتدريجاً إلى نزع الهالة والمنزلة الكبيرة التي نزلها السّيد في قلوب أمّته، إن  نقد هؤلاء الصغار للرجل وتخرّصاتهم المُتهافِتة من داخلها، لا تفيد سوى العدو الصهيوني والأميركي، وقطعاَ هم أول مَن يعلم ذلك لأن هذا العدو هو وحده أول مَن يُدرِك قيمة السيّد ويعرف قدره ويخشى بأسه، وعندما ينجح الصغار من عُربان الخليج ومَن شابههم في لبنان وخارجه في جَرِح صورة السيّد ومنزلته، فإن الصهيوني حتماً سيكون الأكثر سعادة وفرحاً . إلا أننا نجزم كل ذلك  بأن ما ينفع الناس سيمكث في الأرض، وحزب الله  والمقاومة الإسلامية بشهدائها وتضحياتها وقيادتها الفذّة ؛ نفعت الناس وحرَّرت الأرض (والدنيا كلها وليس أهل لبنان فقط شهود)، لذلك ستبقى  تلك المقاومة وصورتها الذهنية المُقدّرة وسيذهب مُنتقدو السيّد  من الصِغار ومُحرّكيهم، هباء منثوراً . وهذا هو قانون التاريخ ودرسه الأكبر. والله أعلم.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً