محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

في الحراك الشعبي الجزائري، الإستئصاليون في الوقت الضائع؟

بعض بقايا حزب فرنسا في الجزائر يحاول أن يتغنّى بالديمقراطية وهو عدو لها، في دعوته إلى محاربة "الإرهاب الفكري والسياسي". لكنه يمارسهما بدرجةٍ فجّة وكأن الدنيا ليس فيها مَن يتكلّم بغير الصمت. البقايا نطقت بالسوء طوال سنين كحملة نَهْب للمال العام هنا وتهجّمات على الأغلبية هناك!

الحراك الشعبي الجزائري
الحراك الشعبي الجزائري

لقد كان الرئيس الشاذلي بن جديد عُرضة لحملة تشويه على صفحات جريدة "الوقت" التي تصدر بالعربية عن جريدة الوطن باللغة الفرنسية. وبعد تشويه الشاذلي جاء دور الرئيس زوال في حملة تشويه مُماثلة. واليوم تستمر الحملة من المندسّين في الحراك الشعبي بقصد حماية العصابة وبالتالي حماية مصالحها؟

واضح إذن، إن أصحاب النزعة الاستئصالية لهم غايات ومصالح. أجل هناك علاقة جدلية في الفكر الاستئصالي بين موقفين مُتناقضين، موقف ضد الأغلبية وموقف ضد الحراك. فالأغلبية ترتبط بالفكر الديني، وتؤمن بالتاريخ الوطني لعلاقتها بالثورة، وهم يُقرّون في أبجدياتهم الانتقال بالأمّة صراحة من نظام وطني قائم على ثوابت التاريخ الجهادي للأمّة إلى نظام استهلاكي لكل مقوّمات الأمّة. أي مجرّد من كل خلفيات الماضي، إلى نظام ريعي يؤمن الامتياز للأقلية ويؤسّس لديمقراطية شكلية تلعب فيها الإدارة قوّة التأثير بدل الإرادة الشعبية. الذين أيّدوا توقيف المسار الانتخابي سابقاً وأجّجوا نار الفتنة ضد الأغلبية وقفوا لاحقاً ضد خالد نزار متّهمين إياه بسوء تسيير الأزمة بعد أن تخلّصت منه المؤسّسة العسكرية. والذين أتوا بالرئيس بوتفليقة إلى الحُكم هم أنفسهم الذين يستغلّون مرضه لنَهْب أموال الشعب. لست هنا مُدافعاً أو مُناهضاً لأحد، بل أحاول تفكيك التشابُك في قضايا تهمّنا جميعاً وأحاول أيضاً أن أكون مُجرّداً في رؤيتي للإحداث.
ليست هناك أيضاً مبرّرات أخلاقية لهذه الحملة ما دام الفاعِل فيها واحد من إثنين إما واقف ضد حركة التغيير باتجاه ديمقراطية شفّافة وإما واقف ضد الأمّة بكاملها، لأنه يظنّ أن الأمّة ليس بإمكانها التخلّص من أزمة واقعها الحضاري بإيديولوجية التفسير الخاطئ للوقائع والأحداث التي تغذّي أفكارهم ووجدانهم.

الأسوأ في هذه الحملة ليس تلك الأفكار القائمة على إيديولوجية الموت ولكن تلك الخلفيات السياسية التي تستند إليها..(خلفيات فرنسية)، إنها ببساطة خلفيات إدارية مَحْضة. فقد بدأت مند نهاية الأزمة دوائر سياسية تتّهم الإدارة بأنها تمارس الإرهاب وتعمل باستمرار على تعديلها بما يتوافق ورؤيتها ، لأن الأقلية خارج هذه الممارسة الإدارية لتصبح لاحقاً خارج حتى عن الهامش، وبالتالي فإن امتيازاتها تتلاشي وتأخذ طابع الأقلية في إطار حُكم الأغلبية. الموقف إذن، وإن كان ذا طابع شعوبي فإنه يبقى مجرّد موقف يفتقد لأية قابلية للتطبيق إن على المستوى الفكري أو على المستوى السياسي لأنه موقف يأخذ من طابع التناقض على الواقع مساراً له. فمَن يقف ضد الآخر جماعة بوتفليقة الانفصالين ،أم خصومه؟ إن السؤال هنا ليس افتراضياً إذ من المؤكّد أن عدم توافق المصالح بين الطرفين يؤدّي إلى هذا الموقف، بوتفليقة يريد البقاء في الحُكم لعهدة خامسة (على لسانهم وليس على لسانه) كاملة وفق آليات جديدة تأخذ من القهر السياسي والإداري وهجها سياسياً بعد أن أصبح واضحاً لديهم أن الأغلبية ليس بإمكان الأقلية تطويعها لصالح أطروحاتها، ومؤيدوهم يودّون البقاء وإلى الأبد في مواقعهم التي استولوا عليها تحت غطاء مُحاربة الإرهاب قَصْد الاستفادة أكثر من الزمن الضائع.

إن الطابع السلبي لدى الطرفين هو أحد سِمات هذا الصراع ،غير أنه صراع يبقى حبيس نظرة فوقية تُمليها حساسيات ظرفية لا أثر لها في الواقع. والمؤكّد أن الخاسِر الأكبر فيها هم دعاة الاستئصال، لأن الشعب فقَدَ كل مبرّرات تربطه بأفكار مَن لا فكر لهم خارج ما تُمليه المصالح المُتناقضة بين طرفي الصراع.

لم يكن بوتفليقة في الواقع قريباً من الأغلبية عند مجيئه أول الأمر إلى الحُكم ، فقد وافق على أطروحات الاستئصاليين بداية لأسباب سياسية يقتضيها الظرف ، إذ مكّنهم من دوائر صُنع القرار وأعطى المرأة اكثر مما أعطاها إي رئيس جزائري سابق. وفتح الباب على مصراعيه من أجل الصراع الداخلي بلجان الإصلاح التي أنشأها وخاصة لجنة "بن زاغو "والتي تمثل الفكر الاستئصالي في أغلبها أباً عن جد ،غير أنه اصطدم مع الواقع  فالاستئصاليون غير راضين عما أعطاه بوتفليقة لهم على كثرته، ولا الأغلبية مرتاحة للأفكار التي تؤمن بها الأقلية وتحاول فرضها خارج الأطر القانونية.

الموقف من هذا التصادُم يبدو صعباً، فلا الأقلية التي استولت على مواقع صنع القرار بإمكانها فَهْم ما يجرى خاصة بعد أن تحصّلت جبهة التحرّي على الأغلبية في البرلمان وتعيين بن صالح رئيساً لمجلس الأمّة بطريقة غير انتخابية، ولا المعارضة لهذا الموقف قادرة على التملّص من مواقفها التي تستمد قوّتها من زاويتين أساسيتين: الزاوية التاريخية، والزاوية الحضارية للأمّة.. طابع التناقُض أيضاً بدأ يأخذ شكل الواقع الذي شكّله هذا التناقُض والارتفاع بالأقلية إلى صدارة الأحداث والمواقف، لقد تعلَّم الاستئصاليون كيف يصنعون الفوضى بما يملكون من الكَتَبة في الإعلام الفرنسي المكتوب في الجزائر وغير الفرنسي. كلنا يعلم كيف بدأت الحملة على الأمين زوال ومحمّد بتشين (رئيس سابق  للمخابرات العسكرية)، بإيعاز من داخل  سرايا "الفرنكوفون"، لكن زروال كان واضحاً منذ البداية بأنه ضدّ الثنائية في الحُكم وأن القانون فوق قوّة الأفكار وفوق طاعون الإعلام الإيديولوجي، في ما عُرِف بالرباعي وقتها الذي موّلته بقايا مجموعة "الظل". وقد دخلت هذه الحملة بعد صمت أُجبِرَت عليه بسبب الأخطاء التي وقعت فيها ، وكانت هي إحد الشواهد على بقايا عصر الانحطاط السياسي.. صحيح أن بعضهم كان في حكومة غزالي وساهم بقوّة في وقف المسار الانتخابي والدعوة إلى تأسيس جمهورية من الأشباح. إلا أنه بعد مقتل محمّد بوضياف، لم يكن واثقاً بأن الانتصار إلى الفكر الرافض لكل ما هو إسلامي ووطني سيجد صداه وسط مُتغيّرات تأخذ طابع الفوضى أساساً لها، مع تنامي النزعة الشعوبية داخل تيار الأقلية. لقد كان  حزب "الثقافة الديمقراطية" واضحاً أيضاً منذ بداية عصر بوتفليقة، إنه وإنْ استلم مؤقتاً مقاعد في الحكومة بعناصر منه فلن يكون داخل التيار العام، وتأكّد هذا مرة أخرى بعد خروجه من الحكومة إذ حصلت فيه انقسامات أثّرت سلباً على مواقفه وجعلت منه مجرّد حزب يعمل في إطار مُضاد لفكرة الحزبية بالأساس.

إن ظهور مثل هذه الرؤى وضعت الفكر الاستئصالي في دائرة الفكر الارتدادي والذي ليس بإمكانه الخروج إلى دائرة الضوء والى مساحة الرأي العام، وهذا يعني أنه لا بد من المواجهة وبواسطة التّهم الفضفاضة لإيجاد ثُقَب أخرى في جدار النظام يدخل فيها لإعادة ترتيب أوراقه. غير أن افتراض مثل هذه الرؤى يقتضى افتراض التأثير في الأمّة ككل وليس في شخص واحد، لأن بوتفليقة في النهاية لا يلغي المؤسّسات بل العكس هو الصحيح، وإلغاء المؤسّسات لن يتم وفق تصوّرات الماضي (العشرية السوداء) لأن التجربة أثبتت خطأ هذا الإلغاء ولعلّ محاكمة خالد نزار هي الشاهِد الٌأقوى في هذا المضمار.. لقد تعلذم الإعلام الفرنسي في الجزائر أن قوّة الإعلام هي بمثابة قوّة القانون أو أكثر، لأن الذين صنعوا هذا الإعلام وغذّوه بالمليارات من أموال الخزينة العمومية في بداية نشأته ، ظنوا أنهم يبنون صروحاً من الحيطان تقيهم شرّ الضربات مستقبلاً. حين يخطئون و يجعلون من أنسفهم أدوات لبناء صروح الفساد كما آمن هو أيضاً (الأرسيدي) ومن خلالهم على أنه بإمكانه فرض رؤيته الاستعمارية وردم كل قلاع الفكر الحضاري الذي سوف يحاكمون أمامه إما بواسطة التاريخ أو إما بالشعب. أوقع نفسه في خطأ آخر أدّى بحزبه في النهاية إلى التلاشي، غير أن هذا التوهّم ظلّ يصنع منابع وقد بدا لاحقاً عارياً، أصاب خفاياه ما أصاب حزبه، لم يكن الإعلام المُدجّن أيضاً في تلك الصدارة إلا لكونه وبكل بساطة إعلاماً توجّهه أصابع من بعيد لإرساء قواعده في المجتمع وإلى الأبد. فلجنة إنقاذ الجزائر هي بالتأكيد ضمن هذا الحارس الأمين ، وإلا كيف يمكن تفسير العَبَث بمصالح الأمّة وإزهاق الأرواح على أنه إنقاد؟ وكيف يمكن توظيف الخطيئة للإصلاح ولحسابات مَن وعلى إيّ أساس؟ هذه الأسئلة عالِقة إلى الآن والتي يحاول التاريخ الإجابة عنها، وهذا بالطبع ما يخشاه الإستئصاليون ويسعون إلى طمسه بما يدوّنونه يومياً على شكل تهجّمات ضد الأغلبية الوطنية وضد الحراك الشعبي على وجه الخصوص. إن الحملة هذه قد لا تتوقّف الدعوات فيها لاحقاً للتدخّل الأجنبي، وهي مرفوضة بقوّة من الحراك.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً