ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

فشل الانقلاب في فنزويلا: دلالاته ورسائله

لا يمكن الاعتقاد أن فشل الانقلاب سوف يثني الأميركيين عن الاستمرار في محاولات إغراء قادة من الجيش الفنزويلي للتمرّد أو الانشقاق والانقلاب على مادور، كما قد يعمد الأميركيون إلى الاستعاضة عن التدخّل العسكري المباشر والمُكلِف جداً في فنزويلا، باستخدام المرتزقة أو ما يُسمَّى بالمجموعات الأمنية الخاصة لتقويض الاستقرار ومحاولة إسقاط مادورو بالقوّة، وإن تعذَّر ذلك، فلتكن حرباً أهلية.

فشل الانقلاب في فنزويلا: دلالاته ورسائله
فشل الانقلاب في فنزويلا: دلالاته ورسائله

حبسَ العالم أنفاسه بعد محاولة الانقلاب التي قادتها مجموعة عسكرية صغيرة بتحريضٍ من الأميركيين والمعارِض غوايدو للإطاحة بالرئيس الفنزويلي مادورو، بعدما فشلت المعارضة الفنزويلية في تحفيز العسكريين على التمرّد أو الانشقاق.
وكان واضحاً أن الانقلاب قد دُبِّر على عَجَل من قِبَل الإدارة الأميركية التي سارع ترامب والصقور المحيطون به إلى الاحتفاء بالانقلاب، وسارع بومبيو إلى نشر الشائعات حول رغبة مادورو بالهرب، وقيام الروس بثنيه عن ذلك!.
ولكن فشل الانقلاب لا يعني أن الولايات المتحدة ستركن إلى النتائج التي حصلت لأسبابٍ عدّة منها ما هو مرتبط بترامب وإدارته، ومنها ما هو مرتبط بالاستراتيجيات الأميركية الثابتة في منطقة أميركا اللاتينية.
في ما يخصّ ترامب، قد يكون تعجّله على الانتهاء من نظام مادورو في فنزويلا، مردّه إلى الحاجة للاستفادة من النفط الفنزويلي للتعويض عن سياساته الهجومية تجاه إيران، ودخول مرحلة "تصفير" النفط الإيراني. يخشى ترامب ومعه العالم من أن تؤدّي العقوبات الأميركية ضد إيران ومنعها من تصدير نفطها إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية، وألا تستطيع السعودية والإمارات تعويض النقص الحاصل بزيادة الإنتاج.
وعليه، كان الانقلاب في فنزويلا سيحقّق لترامب ما يريد في هذا الإطار، بالإضافة إلى تحقيق إنجاز في سياساته الخارجية يريد أن يستثمره ضد خصومه في الداخل.
أما بالنسبة للاستراتيجية "الكبرى" الأميركية، فإن السيطرة على أميركا اللاتينية أو ما يُسمّى "ممارسة الشرطة في النصف الغربي من الكرة الأرضية"، هي سياسة ثابتة مستمرة منذ بدايات القرن العشرين ومرتبطة إلى حد بعيد بمبدأ مونرو الذي طوّره الأميركيون ليفرضوا نوعاً من الهيمنة على دول أميركا اللاتينية. وبموجبها، لا يمكن بأيّ شكل من الأشكال السماح لأية قوّة بالسيطرة ومدّ النفوذ في أميركا اللاتينية، فكيف إذا كانت روسيا لما لها من إرث مرتبط بالعقيدة المرتبطة بالاتحاد السوفياتي؟.
انطلاقًا مما تقدّم، لا يمكن الاعتقاد أن فشل الانقلاب سوف يثني الأميركيين عن الاستمرار في محاولات إغراء قادة من الجيش الفنزويلي للتمرّد أو الانشقاق والانقلاب على مادور، كما قد يعمد الأميركيون إلى الاستعاضة عن التدخّل العسكري المباشر والمُكلِف جداً في فنزويلا، باستخدام المرتزقة أو ما يُسمَّى بالمجموعات الأمنية الخاصة لتقويض الاستقرار ومحاولة إسقاط مادورو بالقوّة، وإن تعذَّر ذلك، فلتكن حرباً أهلية.
في النتيجة، وبالرغم من أن استراتيجية الأمن القومي الأميركية في عهد ترامب كانت قد وضعت "التنافس مع روسيا الصين" كتهديدٍ استراتيجي، لكنها بالمقابل أتاحت الفرصة للروس بالتوسّع في مناطق عدّة بعدما بالَغَ ترامب في استخدام خيار التهديد والعنجهية والعقوبات الاقتصادية. والمشكلة التي ستواجه الأميركيين، هي تحويل فنزويلا إلى سوريا أخرى، وإعطاء موطئ قدم للروس في أميركا اللاتينية، وهي فرصة ذهبية ستسمح لبوتين بمدّ النفوذ في تلك المنطقة بعدما كرَّس نفوذه في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى امتلاكه فضاء طبيعياً روسياً في كل من أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى والبلقان... ومعها ستعود روسيا بقوّة إلى الساحة الدولية، ولم يعد ينفع مع الأميركيين دفن الرؤوس في الرمال واستمرار الادّعاء بأن روسيا ما هي إلا مجرّد "دولة إقليمية" كما ادّعى أوباما يوماً.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً